الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:43 am


المقدمة

ينطلق هذا البحث من متصورات جوهرية "لنقد النقد"، الذي يتساءل عن صلاحية المناهج النقدية المتبعة في قراءة الإبداع والظواهر الأدبية وعن الأصول المعرفية والإبستمولوجية لهذه المناهج، وما هو الموقف الذي ينبغي أن يتخذه ناقد النقد وهو يتفحص أعمال نقدية تحتك مباشرة بالإبداع الفني.‏

فالمناهج النقدية في أصولها المعرفية وتطبيقاتها الميدانية هي موضوع دراسة هذا البحث، وليس الأعمال الإبداعية، وبذلك فالمجال الحقيقي لهذه الدراسة ليس المعرفة وإنّما هو معرفة المعرفة. فاشتغالها منصَبّْ على الحقل الإبستمولوجي أكثر من الحقل الإبداعي.‏

لكن القدرة على محاكمة الأعمال النقدية من حيث التزامها بتطبيق الأصول النظرية للمنهج المنتقى ليطبق على الأعمال الإبداعية، والقول بالنجاح في ذلك أو الإخفاق مهمة شاقة وصعبة، لأنّ ناقد النقد يفترض فيه أن يكون أكثر معرفة من الناقد، وذلك من حيث الإلمام بأصول المناهج. وهذا طموح يشقى الباحث للوصول إليه. وذلك ما حاولنا أن نلم به في هذا البحث مدركين أنّ الإحاطة بالأصول النظرية للمناهج النقدية سياقية كانت أم نسقيه أمر في غاية الصعوبة، نظراً لتشعب المعطيات المعرفية لكل منهج، ينضاف إلى ذلك أنّ بحثنا لم يتوقف عند هذه الأصول المعرفية فقط، بل حاولنا تتبع مدى عمق تطبيقاتها على الظاهرة العذرية كظاهرة شعرية تراثية. فاعتمدنا في بحثنا الوصف لأنّنا ندرك إلى حدّ يمكن الوصف أن يقدم خدمة لنظرية المعرفة في مجال البحث، وينتج الموصوف بطرائق أخرى. ونكون عندئذ أمام تحصيل ما هو حاصل.‏

إنّ الدافع الأساسي لاختيار هذا الموضوع على الرغم من إدراكنا مدى صعوبته وتشعبه الرغبة في الإحاطة بالتراث القديم، والإلمام بالثقافة الحديثة. ولطالما راودتني هذه الفكرة وأنا طالب.‏

فكنت أحاول الجمع بين التراث والحداثة، ولم أكن أتحمس كثيراً لتلك الدعوات التي تحاول أن تفصل الحداثة عن التراث، لأنّني لا أومن بوجود حداثة مقطوعة الجذور، كما لم أكن مطمئناً إلى دعاة القراءة التراثية للتراث، على الرغم من أنّني أثمن تلك القراءات القديمة التي كانت تحمل في طياتها كثيراً من الرؤى الحداثية. فالتراث لا يثمن إلاّ بالإلمام به أولاً ثمّ قراءته قراءة حداثية يضئ جوانبه ثانياً، وتستكشف كنوزه، وتميط اللثام عن مكوناته، وبخاصة إذا كانت هذه القراءة الحداثية على وعي كبير بالتراث من جهة واستيعاب الأصول المعرفية للمناهج النقدية من جهة ثانية.‏

فالقراءة الواعية هي وحدها القادرة على نقل الخطاب الأدبي من المستوى الذي يحتكم إلى المعيارية النقدية، إلى المستوى العمودي الذي يحتكم في إطاره المرجعي إلى منطق السؤال، ويخضع لمبدأ الاحتمال والتنوع الذي ينفي كل ما هو أحادي، ويثبت كل ما هو متعدد، وبذلك يصطنع النص في القراءة الواعية لغة لم تألفها ذهنية ثقافة موجهة قبلياً. ومن هذا المرتكز يمكن للخطاب النقدي أن يكتسب قدرة السؤال وقوة المقاربة.‏

وانطلاقاً من هذه المتصورات التي تعتمد عليها نظرية القراءة الحديثة، ينطلق بحثنا هذا في نقد النقد ليتأمل في المناهج النقدية الحديثة، فيمتحن قدرتها على تجسيد متصوراتها النظرية، وأدواتها الإجرائية، في الممارسة النقدية وبخاصة وأن التحكم الكلي في المنهج ليس مطلباً سهل المأخذ، ولكنه يحتاج إلى ممارسة مستمرة وخبرة كبيرة، وهذا لا يتأتى للقارئ إلاّ بالوعي الكامل بالمرتكزات الفلسفية والمعرفية للمناهج النقدية، وحسن انتقاء الأداة الإجرائية وحسن استثمارها في مجال التأويل.‏

فالممارسة النقدية الحديثة في حدّ ذاتها لم تنج من مفارقة الاختلاف والتباين في المقاربة، والتي ستظل إشكالاً مطروحاً ما دامت الظواهر الإبداعية لا تقول الحقيقة بلغة الدقة، وتسد الفضاء العلوي أمام التأويل. فالنص الإبداعي الراقي الذي يحمل معطيات الديمومة والاستمرارية. يظل مفتوحاً في نظرنا لأنّه رسالة لا تحدد شفراتها تحديداً واضحاً، ولا يبسط مرجعها بسطاً أفقياً مباشراً، وبذلك، فهو لا يقبل القراءات المعيارية التي تدعي قول الحقيقة بلغة الجزم.‏

وبعد قراءات متعددة في التراث الشعري العربي، والقراءات النقدية الحديثة له، لفت انتباهي اهتمام هذا الأخير بالظاهرة العذرية، فبدت لي الظاهرة الواحدة المتعددة، لأنّ المتحمل في خطابها الشعري يتفاعل مع بلاغة تأويلية، ويفرض على الممارسة النقدية أن تتعامل مع الظاهرة الإبداعية تعاملاً يحكمه منطق السؤال، ويمليه وعي الإبداع الذي يرفض الأجوبة اليقينية.‏

لقد كانت الظاهرة العذرية موضوع دراسات نقدية متعددة، وكل هذه القراءات أجهدت نفسها في مقاربتها، وحاولت الاقتراب من عالمها، بأدوات إجرائية مختلفة، مما أعطى ثراءً نقدياً، بخاصة أنّ منطلقاتها المعرفية وأدواتها الإجرائية متباينة الرؤى. وشجع على تعدد المقاربات النقدية لهذه الظاهرة وتباين رؤاها ما تتميز به العذرية من طابع إنساني، وجمالية فنية، ورسالة ذات شفرة غير محددة تحديداً واضحاً. فهي ظاهرة مفتوحة دوماً، متعددة الاحتمال والتنوع. وتلك ميزة الفن الراقي الذي يخترق حجب الزمن ليعيش في اللازمان، فيكون أرضية خصبة يفتح صدره لكل قراءة جادة تحاول أن تتعامل مع الخطاب الشعري بأدوات فيها من الجدة والأصالة، لتفك شفراته دون أن تسقط في المعيارية، وإنّما تطرح السؤال لتتفتق عنه الأسئلة المتعددة.‏

فالظاهرة العذرية ذات أبعاد دلالية عديدة، يمكن أن تكشف مقاربتها عن أنّها ليست مجرد ما نعنيه بكلمة الجنس الأدبي أو الموضوعية الأدبية من الناحية التقليدية، وإنّما هي ظاهرة تحمل رؤى متعددة، لا يمكن تفجير مكوناتها إلاّ عن طريق السؤال المبني على أسس علمية دقيقة. وتبعاً لذلك تباينت القراءات في مقاربتها للعذرية لتباين منطلقاتها المعرفية.‏

وبعد فحص المادة والإلمام بها من جميع نواحيها تراءى لنا أنّ نتناول الموضوع "الظاهرة العذرية في النقد العربي الحديث" والمؤسس على جوهر موضوع "نقد النقد" من خلال هذه الخطة التي كانت تبدو لنا أنّها تقودنا إلى الغايات التي رسمناها قبل وبعد إنجاز البحث، فعقدنا لذلك: مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.‏

أمّا الفصل الأول فخصصناه للقراءة التاريخية، حيث بسطنا التصورات العامة لهذا المنهج، وتتبعنا أطروحاته في مظانها وأصولها، وحاولنا تتبع إجابة القدماء والمحدثين على حدّ سواء بخصوص الوجود التاريخي للشعراء العذريين، فبعضهم ينكر وجودهم وبعضهم الآخر يقره، وكان من الطبيعي أن يتمخض عن مسألة وجود الشعراء عن عدمهم قضية النحل والانتحال، التي شغلت النقد العربي القديم والحديث، فامتد الشك من وجودهم التاريخي إلى ما دار حول قصصهم ونصوصهم الشعرية، ثمّ اعتنت القراءة التاريخية بمصدر العذرية هل كان المصدر عربياً خالصاً أو إسلامياً؟.‏

أمّا الفصل الثاني فتناولنا فيه القراءة النفسية بالمدارسة والفحص، حيث وقفنا على أطره المرجعية، حتى يتبين لنا مدى تطابق النقد العربي الحديث مع منطلقاته الأصلية. ولما لم نجد دراسات عديدة تسمح لنا باستخلاص خصائص المنهج النفسي، حيث ألغينا مؤلف "يوسف اليوسف" وقبله دراسة العقاد لجميل، اكتفينا باستنباط ما توصلت إليه هذه المقاربات من خلال حصرها في أهم المقولات النفسية نذكر منها: مقولة الكبت و (النرفانا) و (النوستالجيا) و (السادية) و (المازوشية) وغيرها من المقولات النفسية.‏

ثمّ أتينا إلى القراءة الاجتماعية في الفصل الثالث فسرنا على المنوال نفسه الذي رسمناه للقراءة السابقة، وانتهينا إلى الملاحظات نفسها، فكانت هذه القراءة أقرب إلى النظرات والاجتهادات العامة منها إلى التفكير الاجتماعي، الذي يستند على مرتكزات نظرية وفلسفية.‏

وهذا ما لحظناه عندما أدرجنا كتابات "يوسف اليوسف" في هذه القراءة لأنّها جمعت بين القراءة النفسية والقراءة الاجتماعية، كما جمعت قراءة "طه حسين" قبلها، بين البعد التاريخي والبعد الاجتماعي. وهذا ما جعلنا نتعامل مع تصنيف هذه القراءة بحذر شديد، وبتحفظ يدرك الصعوبات التي تتركب عن عملية التصنيف، ولم تكد تخرج هذه القراءة عما تطرحه الدراسات الاجتماعية للظاهرة الأدبية كالقهر والقمع الاجتماعيين والصراع الطبقي والتدجين الاجتماعي وغيرها من المقولات الاجتماعية.‏

أمّا الفصل الأخير فمثل لحظة الانعطاف والانتقال من القراءات السياقية إلى القراءة النسقية، ونعني بها القراءة البنيوية التكوينية التي حاول "الطاهر لبيب" تطبيقها بكثير من الوعي النظري المتماسك الذي افتقرت إليه القراءات السياقية، وقد بدأنا بأنّ هذه القراءة تحمل جهداً علمياً تمثل صاحبها المنهج تمثلاً حسناً، وحاول تقديم مقاربة متميزة لكنّها لا تخلو من بعض الهنات، منها الإغراق في القراءة التاريخية حيناً، والقراءة الاجتماعية حيناً آخر. لكنّها حققت قدراً وافراً من الاجتهاد كما أسلفنا قبل قليل.‏

ثمّ انتهينا في الأخير إلى بلورة بعض نتائج البحث في الخاتمة فرّكزنا على أهمها.‏

سيدي بلعباس: 17 شوال 1614هـ/ الموافق: 06 مارس 1996م‏

محمد بلوحي‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:44 am

القـــراءة التاريخيـــة

1- الوجود التاريخي لشعراء العذرية.

أ- عند القدماء.

ب- عند المحدثين.

2- النحل والانتحال:

أ- الشك في الوجود التاريخي لشعراء العذرية.

ب- الشك في قصصهم.

جـ- الشك في نصوصهم.

3- التفسير التاريخي الحديث لنشأة العذرية.

أ- المصدر العربي.

ب- المصدر الإسلامي.

1- الوجود التاريخي للشعراء العذريين:

إن القارئ للتراث العربي ما قبل حركة التدوين يصطدم بإشكالية الإثبات التاريخي لوجود كثير من أعلام الشعر، ونسبة النصوص إليهم، وذلك راجع إلى اختلاف الرواة حول أخبارهم وأنسابهم، وإثبات نسبة النصوص إليهم، خاصة وأننا نعلم أن المجتمع العربي الإسلامي في تلك الفترة من تاريخه كان مجتمعاً شفهياً لا يعتمد على الكتابة في نقل تراثه، وإنما كان اعتماده غالباً على الرواية الشفهية، هذه الشفهية التي جعلت الكثير من (التراث العربي) تتسرب إليه ظاهرة تداخل الروايات وتباينها، وكذلك الاختلاف في نسبة النصوص إلى أصحابها، مما جعل النقاد والدارسين قديمهم وحديثهم يقفون أمام هذه الظاهرة بغية التحقق من نسبة الكثير من النصوص إلى أصحابها، والوقوف أمام المخيلة الشعبية حتى لا تتسرب إلى قصص وأخبار وتراجم الشعراء، وبذلك نادى معظمهم إلى ضرورة الاهتمام بظاهرة "النحل والانتحال" والتعامل معها كظاهرة تراثية يجب الوقوف عندها لغربلة التراث وتمييز صحيحه من منتحلة، فعملوا على رد الأمور إلى مصادرها الرئيسة.

فقد وقف ابن سلام الجمحي في "الطبقات" عند مسألة النحل والانتحال، واعتبرها ظاهرة يجب وقاية التراث الشعري منها إذ إن "في الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة، ولا يروى عن صحفي، وقد اختلف العلماء في بعض الشعراء، كما اختلف العلماء في بعض الشعر، كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اختلفوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه"(1) وهو موقف يبرهن على أن العلماء القدامى لم يكونوا يتقبلون الروايات والأخبار كلها، ويسلمون بصحتها تسليماً دون فحص و نقد، إنما كانوا يتعاملون معها تعاملاً علمياً، إيماناً منهم بأن الرواية الشفهية تحمل الكثير من المثالب، فيجب تمحيص هذه الأخبار والروايات تمحيصاً دقيقاً لتمييز الصحيح منها من المنتحل معتمدين في ذلك على سلامة الذوق الفني، وأصالة التمييز، ودقة التمحيص، لذلك لم يكن "ابن سلام" الرجل الذي يقبل كل المسموع وإنما اعتبر الكثير منه مفتعلاً موضوعاً لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد منه، ولا معنى يستخرج منه، ولا مثل يضرب به، وهو موقف أسّس للنظرة العلمية في تدوين التراث حتى لا تلعب به أيادي الرواة.

أما في العصر الحديث فقد أعاد "طه حسين" إثارة قضية النحل والانتحال في كتابه الشعر الجاهلي والذي أثار معركة نقدية كان لها الأثر البالغ في بعث الحركة النقدية في العصر الحديث، ولفت انتباه الكثير من الدارسين إلى وجوب الاهتمام بالتراث العربي جمعاً وتحقيقاً ومدارسة.

والذي يستوقفنا في دراسة للظاهرة العذرية قضية "الوجود التاريخي لأعلامها" لأن بعضهم سلّم بوجودهم التاريخي تسليماً لا يتسلل الشك إليه وبعضهم الآخر أنكر وجودهم.

لهذا يصادف الدارس تداخلاً كبيراً في معطيات نشأتها ونسب أعلامها، ورواية أخبارهم، حتى لأنَّه يجد نفسه كلَّما قرأ أخبار قصة أحدهم يجد تشابهاً كبيراً في هذه القصص والأخبار وكأنها قصة واحدة تكررت بأسماء مختلفة.

نشأة العذرية:

أ- عند القدماء:

إن القارئ لأمهات الكتب التراثية، وبخاصة تلك التي اهتمت بالترجمة و التدوين للشعر العربي القديم، يجدها تتعامل مع الظاهرة العذرية لا من حيث هي ظاهرة شعرية متكاملة الخصائص والسمات، أوجدتها ظروف وملابسات موضوعية، تاريخية منها واجتماعية وسياسية ونفسية وحضارية، ولكنها تعاملت بشكل مطلق مع الشعراء الذين يمثلونها، فراحت تفصل في الترجمة لهم بإيراد مختلف الأخبار المتعلقة بقصصهم، واقفة في كثير من الأحايين عند بعض من أخبارهم متوجسة منها شاكة في صحة نسبها، مشيرة إلى أن خيال الرواة قد عمل عمله في نسج بعض المعطيات حول أخبارهم ورواياتهم.

تمثلت أهم الكتب التي ترجمت لشعراء العذرية في كتاب "طبقات الشعراء" لابن سلام الجمحي"، و "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني" و "الشعر والشعراء" لابن قتيبة" أما كتب التراجم الأخرى فلم يكن أكثرها إلا تكراراً لما ورد في هذه المصادر الثلاثة، وبخاصة ما ورد في "الأغاني"، إذ يلاحظ الدارس أنّ جل الترجمات التي جاءت بعد الأغاني لم تكن إلاّ تلخيصاً لما ورد فيه من تراجم هذا بالإضافة أو الحذف.

إن المتأمل لتراجم "الأغاني" لشعراء العذرية يلاحظ اعتماده على الرواية في الأخبار، تلك الرواية المبنية على أساسين: "الإسناد والمتن" كقوله في ترجمته "لجميل بن معمر": "أخبرني "الخرمي بن أبي العلاء" قال: حدثنا "الزبير بن بكار" قال: حدثني "بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي" قال: "كان جميل ينسب بأم الجسير، وكان أول ما علق ببثينة أنه أقبل يوماً بإبله حتى أوردها وادياً يقال له بغيض، فاضطجع وأرسل إبله مصعدة، وأهل بثينة بذنب الوادي، فأقبلت وجارة لها واردتين الماء، فمرتا على فصال له بُروك فضربتهن بثينة. يقول:

نفرتهن وهي إذ ذاك جويرية صغيرة، فنسبها جميل، فافترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:

بِوادِي بَغيض يا بُثَيْنَ سِبَابُ

وأَوَلُ مَا قَادَ المَوَدَةَ بَيْنَنَا


لِكُلِ كَلاَمٍ يا بُثَيْنَ جَوَابُ(2)

وقُلْنَا لَهَا قولاً فجاءَتْ بِمِثْلِهِ




إن هذه الرواية تؤسس لجزء هام من قصة جميل، ولكن لا تهمنا أحداث القصة بقدر ما يهمنا تعامل القراءة التاريخية عند القدماء مع الأخبار المؤسسة لقصص العذريين، إذ جعلوا من الإسناد جزءاً أساسياً في رواية الأخبار، وما اعتمادهم على الإسناد في رواية الخبر إلا لهدف الحمل بين الروايات والتحقيق بينها، اقتداءً وتأثراً بالمنهج الذي انتهجه علماء الحديث الشريف في التدوين والتحقيق، فنسجوا على منوالهم. ولكن هذا لم يمنع من أن الرواية الأدبية كانت "أصلاً قائماً بذاته، وقد وجدت عند العرب منذ الجاهلية، فكان علماء النسب الجاهليون ومن أدرك منهم الإسلام يأخذون علمهم بالنسب عن شيوخ هذا العلم ممن تقدمهم أو عاصرهم، وكذلك كان رواة الشعر والأخبار الجاهلية"(3) فالرواية الأدبية عند القدماء التزمت الإسناد في غالب الأحايين ولكن لم تهتم به اهتمام علماء الحديث، ونحن نقصد بالإسناد، الإسناد المتصل المرفوع، لا الإسناد المرسل المنقطع، إذ إن هذا الضرب الثاني من الإسناد يكاد يكون ملتزماً في رواية الأدب التزاماً لا إخلال فيه، ومن هنا كان هذا الإسناد الملتزم في الرواية الأدبية إسناداً مرسلاً أو منقطعاً. وبذلك فليس للرواية الأدبية إذن علم للسند ونقده، بل ليس للرواية الأدبية سند كالسند الذي عرفه الحديث النبوي الشريف، وقصارى السند في الأدب حين يوجد أن يكون دليلاً على أنّ الرَّاوية قد لقي العلماء، وأخذ علمه من أفواههم في مجالس العلم ولم ينقله في صحيفة.

هذا سبيل "أبي الفرج الأصفهاني" في "الأغاني" إذ اعتمدت ترجمته لشعراء العذرية على الرواية المبنية على الإسناد والمتن، أما إذا عدنا إلى منهج "ابن قتيبة" في "الشعر والشعراء" فإننا نجده يهمل الإسناد ويحذفه ويترجم لشعراء العذرية بإيراد قصتهم وأخبارهم دون الإشارة إلى الإسناد، إذ كان "بعض العلماء يضيقون بالإسناد على قصره. فالمبرد كان يهمل الإسناد حينما يتحدث أو يملي، ويبدو أنه كان مشهوراً بحذف الإسناد حتى قال "نفطويه": "ما رأيت أحفظ للأخبار بغير أسانيد من المبرد ومن "أبي العباس بن فَرات"(4) وبذلك انتقلت قراءة القدماء من طابعها المبني على الرواية المسندة، إلى طابع النسج القصصي المهمل للإسناد، الذي يعطي للترجمة طابعاً قصصياً مبنياً على الأسلوب السردي للحدث.

إنّ القارئ لترجمة القدماء لشعراء العذرية يدرك إجماع المترجمين على الوجود التاريخي لجل هؤلاء الشعراء، ما عدا توجسهم وشكهم في أخبار المجنون وقصته، إذ يظهر ذلك جلياً عند "أبي الفرج الأصفهاني" في "الأغاني" فيشير في ترجمته للمجنون منذ البداية إلى الاختلاف في اسمه ووجوده التاريخي بسبب تعدد الأسماء لشخصه، بل هناك من الروايات التي تذهب إلى حد نفي وجوده، يقول "أبو الفرج": "أخبرني "علي بن أبي سليمان" الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال: حدثنا إسماعيل بن مجمع" عن المدائني قال: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى، قيس بن معاذ من بني عامر، ثم من بني عقيل، أحد بني نمير بن عامر ابن عقيل، قال ومنهم رجل آخر يقال له: مهدي بن الملوح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة"(5) وتلك رواية تكشف تعدد الشخصية التاريخية الواحدة. وهناك رواية أخرى تنفي وجود شخصية المجنون التاريخي "أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة عن الخزامي قال: حدثني أيوب بن عبابة قال: سألت بني عامر بطنا بطنا عن المجنون بني عامر فما وجد أحد يعرفه"(6) ويُرجع الأصمعي وضعهما إلى الرواة "أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول: رجلان ما عرفا في الدنيا قط إلاّ باسم مجنون: مجنون بني عامر، وابن القرية، وإنما
وضعهما الرواة"(7).

إن تشكيك "أبي الفرج الأصفهاني" في الوجود التاريخي لشخصية "قيس بن الملوح"، طرح أمام القراءة القديمة السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على أخبار العذريين في إثبات وجودهم التاريخي؟ وأي قدر في هذه الأخبار وفي هذه القصص يصدقه الواقع؟.

ولكن على الرغم من تضارب الأخبار والروايات حول شخصيات العذريين وخاصة المجنون إلا أنها لا تنفي وجود الظاهرة في عمومها، وإنما شككت في بعض أخبار شعرائها، وبذلك فهي تثبت الوجود التاريخي للظاهرة أكثر مما تنفيه.

وظلت القضية مطروحة للمناقشة والتعديل حتى عصرنا الحديث ولذلك قامت عدة دراسات حديثة فأثارت من جديد إشكالية الوجود التاريخي للظاهرة العذرية في قصصها وأخبار أعلامها وكان الاختلاف فيها متبايناً والطروحات متعددة.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:45 am

ب- عند المحدثين:

إن المتتبع للقراءة الحديثة التي تناولت الظاهرة العذرية يدرك فرقاً جوهرياً بينها وبين قراءة القدماء، إذ إنّ القراءة الحديثة عن الكثير من روادها تناولتالغزل العذري من حيث هو ظاهرة شعرية متكاملة في خصائصها ومميزاتها وبنائها الفني ولغتها الشعرية، متخلية عن الترجمة الفردية التي تميزت بها قراءة القدماء، والتي كان الأساس فيها الرواية.

تُجمع القراءة التاريخية في غالبيتها على الوجود التاريخي معتمدة في ذلك على المصادر القديمة، لكن تختص القراءة التاريخية الحديثة بتعاملها مع الظاهرة العذرية تعاملاً متبايناً، نابعاً في أساسه من الاختلاف في تفسير عوامل نشأتها كظاهرة متميزة في خصائصها وزمانها ومكانها. وبذلك تعددت الرؤى حول عوامل نشأتها، فهناك عوامل سياسية وعوامل دينية واجتماعية ونفسية وحضارية. ومن هنا يلاحظ الدارس اتفاق القراءة الحديثة على الوجود التاريخي للظاهرة العذرية كظاهرة فنية وشعرية، وإن اختلفت في الوجود التاريخي لقصص بعض شعرائها وخاصة "المجنون".

ويعد الدكتور "طه حسين" من أوائل الدارسين في العصر الحديث الذين اهتموا بالبحث في نشأة الظاهرة العذرية، إذ يرجع ظهورها في بادية الحجاز إلى السياسة الأموية تجاه الحجاز "فقد أساء خلفاء الشام ظنهم ببلاد العرب فعاملوهم معاملة شديدة قاسية وأخذوها بألوان من الحكم لا تخلو من العنف"(8) مما جعل حواضر الحجاز وبواديه تنصرف عن الحياة السياسية إلى الحياة الخاصة، فظهر في حواضرها اللهو والمجون لما كان فيها من ثراء ورخاء، أما البوادي فكانت مهداً للظاهرة العذرية لما كان فيها من فقر ويأس وحرمان. فهو نوع من التجديد سماه "طه حسين" "تجديد الفقراء والبائسين، وهو هذا الشعر الذي شاع في البلاد العربية" في الحجاز" و "نجد"، والذي إن صور شيئاً فإنما يصور الطموح إلى ما ليس له سبيل، والنزوع إلى ما لا أمل في الوصول إليه، وهو ما تعودنا أن نسميه الغزل العذري"(9) فجميل في نظره "طه حسين" عندما كان يتغزل ببثينة لم يكن يفكر في بثينة بقدر ما كان يفكر في هذا الترف الكثير الذي كان يراه من حوله، والذي لم يكن له حظ فيه. فالحب العذري "لا يصور حباً يائساً بالفعل وإنما يصور اليأس العام، اليأس من الوصول إلى ما كان الأغنياء والمترفون يصلون إليه مُصبحين ومُمسين"(10) وبذلك يرى "طه حسين" أنّ الظاهرة العذرية ليست ظاهرة معزولة تعبر عن فئة محدودة من الشعراء وإنما هي تعبير عن إحساس عام كانت تشعر به بادية الحجاز في العصر الأموي.

إنّ "طه حسين" بقدر ما يؤسس للوجود التاريخي للظاهرة العذرية في شموليتها، فإنه يقف موقف الشاك من الوجود التاريخي لبعض أعلامها خاصة "المجنون" إذ نجده ينفي وجوده التاريخي نفياً مطلقاً، ويُرجع مصدره إلى خيال الرواة وناقلي الأخبار فيقول. "ولكن أشك الشك كله، أن يكون "قيس بن الملوح" شخصاً تاريخياً وجد وعرفه الناس أو استمعوا إليه، وفي أن يكون هذا الشعر إليه صحيحاً قد صدر عنه حقاً، وأزعم أن "قيس بن الملوح" خاصة إنما هو شخص من هؤلاء الأشخاص الخياليين اخترعتهم الشعوب لتمثيل فكرة خاصة أو نحو خاص من أنحاء الحياة بل ربما لم يكن "قيس بن الملوح" شخصاً "كجحا" وإنما كان شخصاً اخترعته نفر من الرواة، وأصحاب القصص ليلهو به الناس أو ليرضوا به حاجة أدبية أو خلقية"(11) ويعلل "طه حسين" شكه في الوجود التاريخي "للمجنون" بعوامل عدة منها:

* اختلاف الرواة في اسمه وأخباره.

* إنكار بني عامر اسمه وأخباره.

* إنكار بني عامر لشخصه.

* عمل الرواة على اختراع قصة الجنون لتلهية الناس وتسليتهم بهدف جمع المال.

* اختلاف الرواة في جنونه.

لم يكن "طه حسين" الدارس الوحيد الذي شكك في الوجود التاريخي لكثير من نصوص العذريين وقصصهم وأخبارهم، وإنما سبقه "أبو الفرج الأصفهاني" في ترجمته للمجنون كما أسلفنا من قبل وسار على نهجه بعض من جاءوا بعده، رادين ذلك إلى مصادر وأسباب عديدة، إذ يذهب "إبراهيم عبد الرحمن"، إلى أنّ كثيراً من النصوص العذرية "تسجيل للحرمان واليأس والتسامي بالعاطفة واستعذاب الألم في سبيلها والاستغراق فيها، ولعل هذا الجانب الصوفي الذي يغلب على معاني الأشعار هو الذي يغرينا بالقول بأنها قد نبعت من شعور ديني متحرج، كما يحملنا آخر الأمر على أن نربط بينها وبين الشعر الصوفي الذي كان يستغل أساليب الغزل استغلالاً دينياً قيماً"(12)، فالعلاقة بارزة بين الذات العذرية والذات الصوفية بل "إنّ هذا الشعر الذي ينسب إلى العذريين لا يعبر عن ذوق بدوي، ولكنه يدل أنه نبت في بيئة متحضرة، ليست هي بيئة البادية الحجازية ولكنها فيما تُرجح، بيئة العراق التي كثر فيها الزهاد، جعلت "أبا القاسم النيسابوري" يؤلف كتاباً في أخبارهم"(13). فالنص العذري نص له سمات مشتركة مع النص الصوفي جعلت "إبراهيم عبد الرحمن" يجزم القول بأن النص العذري خاصة عند المجنون ما هو إلاّ نص صوفي نسب إلى العذريين، ولكنه رأى فيه كثير من المبالغة خاصة إذا أدركنا أنّ النص العذري في تعامله مع قيمة الحب كان تعاملاً روحياً عرفانياً مجرداً من الشبقية المادية، لذلك يُدرك الموازن بين الشعر العذري والشعر الصوفي التقارب الكلي بين الشعرين في التعامل مع قيمة الحب، وهذا التشابه لا يمكن أن يكون حجة على أنّ الشعر العذري شعر صوفي نسب إلى العذريين. ينضاف إلى ذلك أنّ المتأمل في رأي "إبراهيم عبد الرحمن" يلاحظ أنّ الدارس لم يُفرق بين الذات العذرية والذات الصوفية، إذ إنّ الذات العذرية تعبير عن وجدان مفعم بالحنين إلى ذات المحبوب في بعدها المكاني والزماني، أمّا الذات الصوفية فهي ذات عارفة تعبر عن آراء فلسفية ذات أبعاد معرفية متصلة في جوهرها برؤية عرفانية وبذلك فهي تخاطب ذات مطلقة بعيدة عن المحدودية في بعدها الزماني والمكاني. ينضاف إلى ذلك الاختلاف الجوهري في المعجم اللغوي بين الكونين، مع تعدد أسامي المحبوبات في القصيدة الصوفية، وارتباط العذريين بواحدة دون سواها عند كل.

أما إذا تأملنا في دراسة "علي البطل" فإنّنا نلفيه يذهب إلى أنّ القصة العذرية ذات أبعاد ميثولوجية مرتبطة في أساسها بالبعد الأسطوري القديم والتي تتعلق بأسطورة الثريا(14) في المجتمع العربي الجاهلي. وبذلك يجعل من الأسطورة العربية الجاهلية "الثريا" قاعدة للقصص العذري إذ يرى أن القصة العذرية وما فيها من الشعر العذري قصة شعبية مجهولة المؤلف، إذن، تعتمد على عناصر قليلة من الواقع، إلى جانب العناصر التي تخترعها، فتخضع العناصر الواقعية لسياق "النمط" الذي تسير عليه، وهي تعبر من خلال القالب الفني تعبيراً رامزاً لما يجري من حولها، وما تعانيه الجماعة من هموم، وما تترقبه من آمال"(15). فالقصص العذري في العصر الأموي عند "علي البطل" تمتد جذوره موغلة في القدم إلى حيث المأثور الأسطوري والشعبي في عصور ما قبل الإسلام، وقد حافظ هذا القصص على عناصر كثيرة من الميراث القديم، مطوراً بعضها، ومضيفاً إليها عناصر أخرى فرضتها الظروف الجديدة.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:46 am

إن ما أغرى "علي البطل" ليذهب هذا المذهب في تفسير القصص العذري هو ما علق بهذا القصص من إضافات اخترعتها مخيلة الرواة والقصاصين لإضفاء طابع الجاذبية على تفاصيل هذا القصص، خاصة وأن القصة الأدبية والرواية الخبرية لم يكن المترجمون يحققون في سند روايتها كما كان يتعامل علماء الحديث النبوي الشريف في روايته. ولذلك نذهب إلى أنّ هذا الطابع الأسطوري والشعبي الذي وقف عنده "علي البطل" إنّما كان يشكل جزءاً يسيراً من مجموعة القصص العذري، أما القصة العذرية في جوهرها فقصة حقيقية وأبطالها حقيقيون وما أضيف إليها من أخبار تحمل سمات الأسطورية إنّما كان من صنع خيال الرواة والقصاصين، ليضفوا الجاذبية على القصة، ويعطوها طابعاً حكائياً ممتعاً.

أما "شكري فيصل" فيقصر نشأة الظاهرة العذرية على العامل الديني وحده، وبذلك ينفي كل العوامل الدخيلة، سواء أكانت ميثولوجية أم جاهلية، أم سياسية أم اجتماعية، ويقرر أنّ الوجود التاريخي للظاهرة العذرية حقيقة واقعة، وإفراز طبيعي للتربية الإسلامية وتحول كبير لماهية الغزل في الحضارة العربية، إذ تحول من مفهوم مادي جسدي إلى مفهوم وجداني عفيف. "فالغزل العذري تعبير عن وضع طائفة من المسلمين كان تتحرج وتذهب مذهب التقى وتؤثر السلامة والعافية في المغامرة والمخاطرة، وترى أنّ النفس أمارة بالسوء (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَارَةٌ بِالسُّوءِ) (16)، وإنّ النار قد حفّت بالشهوات. لذلك آثرت هذه الطائفة،
أن تعدل عن شهواتها، فكانت مثلاً واضحاً للتربية الإسلامية في سموها
وتعاليها"(17). "فشكري فيصل" لا يذهب مع مذهب المشككين في الظاهرة العذرية، وإنما يؤكد وجودها التاريخي ويثبت كذلك الوجود التاريخي لشعرائها، خاصة "جميل بن معمر" وإنّ ظهورها في العصر الأموي كان أمراً طبيعياً، إذ لم يكن من الممكن أن تظهر في عصر الخلفاء على الرغم مما عرف عن هذا العصر من صلاح وعفة. العذرية نتيجة لتربية جيل جديد تربية صادقة صارمة "ففي العصر الأموي كانت اكتملت نشأة هذا الجيل الذي مازجت التربية الإسلامية أعماقه.

وخالطت دماءه وظللت طريقه... وفي هذا العصر أيضاً همدت ريح الفتوح وانكبت هذه الفتوح من عمل جماعي... إلى عمل حكومي تنظمه الدولة وتشرف عليه وتأخذ نفسها بإعداده والاختيار له"(18). فالظاهرة العذرية، بذلك إفراز حضاري، ووجودها التاريخي حقيقة لا شك فيه. عبرت عن النفس الإسلامية وما تشبعت به من قيم ومثل إسلامية جعلت العربي يغير من نظرته إلى الحب والمرأة والكون في شموليته.

ويؤكد "عبد القادر القط" كذلك الوجود التاريخي للظاهرة فيذهب إلى أنّ العامل الأساسي في ظهورها حضاري، تظافرت كل العوامل السياسية والاجتماعية والدينية والنفسية في إيجادها "فإذا كان العذريون قد عاشوا في الحجاز ولم يهاجروا خارج الجزيرة العربية، فلا شك أنهم مع ذلك كانوا يعبرون عن طبيعة العصر بوجه عام، وعما طرأ على الحياة في الجزيرة نفسها من تحول حضاري كبير، وقد كان هؤلاء الشعراء دائمي التردد بين البادية والحاضرة... ولعلهم بهذا التردد بين البادية والحاضرة والتأرجح بين النمط الحضاري الجديد وأسلوب الحياة العربي القديم كانوا أشد إحساساً بالتمزق والشك والإقدام والإحجام من أولئك الذين استقر بهم المقام في الشام والعراق ومصر و غيرها منأرجاء الوطن الجديد"(19). فالعذرية إفراز طبيعي للصدام الحضاري الذي شهدته النفس العذرية في تمزقها بين ما هو موروث وما هو جديد، الجديد الذي كان له التأثير البالغ في النفس العربية، فشكلها وفق رؤيته للكون والحياة ولكنها بالرغم من ذلك لم تتخلص من جذورها الموروثة، لأن البعد الحضاري في تكوين النفس الإنسانية لا يمكن له أن ينسلخ كلية عن المراحل الأولى التي عاشتها، لأن اللاشعور الجمعي أحد المكونات الأساسية للشخصية، وبذلك كانت العذرية وليدة هذا التمازج بين الموروث وبين الجديد الذي طرأ على الحياة العربية الإسلامية في أبعادها الحضارية الشاملة.

إن "عبد القادر القط" يثبت برأيه هذا بما لا مجال للشك فيه الوجود التاريخي للظاهرة العذرية، وأنها إفراز حضاري للحضارة الإسلامية في بعدها الثقافي والاجتماعي والإنساني.

وخلاصة ما ينتهي إليه الدارس في تأمله لأطروحات المحدثين وآراء حول الوجود التاريخي للظاهرة العذرية وشعرائها من حيث نفيها أو إثباتها إلى نظريتين متباينتين:

1- الشك في الوجود الحقيقي لبعض شعراء العذريين، وخاصة ما دار حول إنتاجهم الشعري، من قصص يسرف في تصوير ما كان يعانيه هؤلاء الشعراء من آلام وحرمان.

2- الإثبات اليقيني لوجود هؤلاء الشعراء تاريخياً، وما روي حول حياتهم من أخبار تسرف في تصوير عواطفهم وتساميهم في الحب.

لكن الذي يستخلصه الدارس من كلتا النظرتين، هو أنّ الاختلاف واقع حول تفاصيل الجزئيات الخاصة بأخبار العذريين وقصصهم. لكن الإجماع حاصل حول الوجود التاريخي للظاهرة، كظاهرة متميزة في التراث العربي القديم، لها أسس سواء أكانت هذه الأسس مقنعة أم غير مقنعة، وهذا ما جعل كثيراً من الدراسات تتناولها لا من حيث إنّها واقعة تاريخية يجب أن تمارس عليها المقاييس التاريخية العلمية ولكن من حيث إنّها ظاهرة فنية تعبر عن رؤية للعالم.

إنّ الحديث عن الوجود التاريخي للظاهرة العذرية هو الذي طرح وبشكل جلي إشكالية "النحل والانتحال" لتلقي بظلالها على الدراسات التي تناولت الظاهرة، وشعرائها، وبذلك، فالشك هو المبدأ الأساسي الذي يتحكم في طريقة التعامل مع الظاهرة العذرية، وهذا ما سنحاول أن نفصل فيه بعد هذه التوطئة حول الوجود التاريخي للظاهرة وشعرائها.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:46 am

2- النحل والانتحال:

النحل والانتحال من الظواهر الأدبية والنقدية التي عرفها التراث العربي القديم، وهي ظاهرة لا تقتصر عليه وحده فقط، بل نجدها عند الأمم القديمة الأخرى وبخاصة ما تعلق بالتراث الإغريقي القديم كملحمتي هوميروس الأوديسا والإلياذة. وهذا ما جعل الدارسين الغربيين يهتمون كثيراً بالدراسة والبحث في نشأة هذا التراث القديم وطرائق حفظه وروايته والتحقق من صحة نسبه، وذلك راجع إلى أنّ التراث الإغريقي لم يكتب في أوائل عهده، وإنّما اعتمد في نقله على الرواية الشفهية "فلم يكتبا منذ أن نُظِما، بل بقيا محفوظين في صدور الرجال ترويهما الأجيال المتعاقبة وينشدهما الأفراد في المجالس والمحافل"(20) فشفهية التراث اليوناني في أول عهده هو الذي دفع الدارسين إلى الاهتمام بتحقيقه خوفاً من امتزاجه بالقصائد والأغاني الشعبية في العصور الوسطى عند الأمم الأوروبية "فوازنوا بين ملحمتي هومر والملاحم الأوروبية التي نظمت في عصور أكثر حضارة وأوفر علماً من عصور الإلياذة والأوديسة من مثل إلياذة "فرجيل"، والفردوس المفقود لملتون"(21). وذلك بغرض التحقق من صحة مصادر التراث الإغريقي القديم ونصوصه حتى لا يمتزج بالآداب التي كُتبت من بعده، خاصة وأنّ قضية الرواية الشفهية للتراث القديم تطرح إشكاليات عدة يجب التحقيق فيها لدرء الشبهة والتحقق من صحة النصوص.

وبفعل قدم ظاهرة "النحل والانتحال" وتأثيرها في الرواية الشفهية للتراث الأدبي الإغريقي القديم، نجد تأثيرها امتد أيضاً إلى تراثنا القديم، وبخاصة ما اعتمد في نقله على الرواية الشفهية لفترة من الزمن سواء أطالت هذه الفترة أم قصرت "فعرفها العصر الجاهلي كما عرفها العصر الأموي والعصر العباسي، بل لا تزال، يعرفها عصرنا الحاضر الذي نحيا فيه"(22) وهي ظاهرة لم تقتصر على الشعر فقط بل تعدتها إلى كل ما يمت إلى الأدب العام بسبب:

كالأنساب والأخبار. بل لقد بدأ الكذب والوضع يعم حتى طال الحديث النبوي الشريف في حياة الرسول فقال: زاجراً مثل هؤلاء الوضاع (من تعمد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار)(23) وازداد الأمر استفحالاً بعد وفاته بسبب اعتماد الحديث النبوي الشريف على الرواية الشفهية طيلة القرن الأول الهجري، وهذا ما دفع بعلماء الحديث إلى الاجتهاد في جمع الحديث النبوي الشريف مؤسسين بذلك لعلم قائم بذاته "علم التعديل والتجريح" بهدف تنقية الحديث من الشوائب التي لحقت به.

لم يكن أمر الوضع والنحل في التراث العربي القديم ليخفى على الرواة العلماء خاصة ما تعلق بأخبار الجاهلية وأشعارها مع القرن الأول الهجري، إذ نجد جملة من الرواة والنقاد القدامى قد تفطنوا إلى خطر هذه الظاهرة، فنبهوا إليها، يقول "ابن سلام الجمحي" (24): "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها "حماد الراوية" وكان غير موثوق به كان ينحل شعر الرجل غيره ويزيد في الأشعار" إنها إشارة صريحة من "ابن سلام" إلى إشكالية النحل والانتحال في التراث العربي القديم سواء ما تعلق بروايته أم بنصوصه، وهو ما فتح المجال أمام الكثير من النقاد القدامى إلى الاهتمام بهذه الظاهرة. "فالجاحظ يشير إلى الموضوع والمنحول على ثلاث طرائق، فهو حينا ينسب الشعر إلى شاعر بعينه ثم يعقب عليه بما يفيد شكه فيه، وهو حيناً ثانياً يقطع قطعاً جازماً بأن هذا الشعر أو ذاك منحول موضوع مصنوع وكل ذلك من غير دليل أو حجة وإنّما يرسل القول إرسالاً، وهو حيناً ثالثاً يقطع بأنّ الشعر منحول ثم يُورد من الحجج ما يراه كفيلاً بدعم رأيه"(25) وبذلك يدرك أن "الجاحظ" كعلم من أعلام النقد القديم لم يُهمل هذه الظاهرة بل نبه هو كذلك إليها وبيَّن طرقها وأساليب تسربها إلى التراث القديم. أمّا "ابن قتيبة" فقد أشار إلى النحل والوضع في موطنين من كتابه "الشعر والشعراء" إذ أورد في الموطن الأول قول الأعشى:(26)

وإنَّ في السفْرِ ما مَضَى مَهَلاً

إِنَّ مَحلاًّ وإِنَّ مُرْتْحلاً


دِ وَوَلَّى الملامَةَ الرَّجُلاَ.

إِسْتَأْثَرَ اللَّه بِالوفاءِ وَ بِالحَمْـ




ثم عقَّب عليها بقوله: "وهذا الشعر منحول، ولا أعلم فيه شيئاً يُستحسن". تلك هي إشارات بعض النقاد القدامى إلى ظاهرة النحل والوضع في التراث العربي القديم لما كان يُعتمد في روايته على الشفهية، وهي التي طرحت إشكالية الشك في الكثير من أخبار وقصص أشعار القدامى، وفتحت المجال أمام الكثير من الدارسين للشك في جزء هام من التراث العربي القديم.

ولم يتوقف الشك عند القدامى فقط بل تعداه إلى نقاد العصر الحديث فوقفوا موقف الريبة والشك في كثير من أخبار القدامى. وما يهمنا في هذا المقام هو نظرة المحدثين إلى الظاهرة العذرية التي تشكل بناؤها وأحداثها وأخبارها في فترة الرواية الشفهية مما جعل عامل النحل والوضع يتسرب إلى كثير من جوانبها، فدفع ببعض الدارسين إلى الشك في وجودها التاريخي وخاصة في الوجود التاريخي لشعرائها وقصصهم ونصوصهم وصحة نسبها، وهذا ما سنقف عنده بالتفصيل.

الشك في الظاهرة العذرية في النقد العربي الحديث:

أ- الشك في الوجود التاريخي لشعراء العذرية:

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:47 am

الرواية الشفهية لأخبار العذرية ونصوصها في عهدها الأول هي التي طرحت وبشكل جدي عند بعض الدارسين إشكالية الشك في أخبار شعراء هذه الظاهرة وقصصهم وأشعارهم، فذهبوا في غير موطن إلى إنكار وجودهم التاريخي والتشكيك فيه أو التشكيك في جزء بارز من تفاصيل حياة هؤلاء الشعراء، وإن كنا قد ألمحنا إلى ذلك من قبل عند حديثنا عن نشأة العذرية إلاّ أنّ إشارتنا لم تكن مفصّلة وهذا ما دفع بنا إلى تخصيص هذا المجال لتدارك ما رأينا فيه تعميماً يحتاج إلى تفصيل خاصة ما تعلق بالنقد العربي الحديث وتعامله مع الوجود التاريخي لشعراء العذرية وقصصهم ونصوصهم.

يعد "طه حسين" من أوائل الدارسين في العصر الحديث الذين تعاملوا مع الوجود التاريخي لشعراء العذرية بمنطق الشك والريبة، إذ المتأمل في دراساته للغزل في عصر بني أمية يدرك إن موقفه يتراوح بين الإنكار الكلي لشعراء هذه الظاهرة وبين الإنكار الأحادي لشخصية "قيس بن الملوح"، ويؤكد ذلك في غير موطن من دراساته في "حديث الأربعاء" معلّلاً ذلك بأن "البحث العلمي يضطره إلى انتهاج الشك وتُكرهه عليه مناهج النقد إكراهاً".(27)

إن مبدأ الشك الديكارتي هو المرجع الرئيس لمنهج "طه حسين" في التعامل مع شعراء الظاهرة العذرية، علماً أن منهجه هذا انتهجه بعض المستشرقين في التعامل مع كثير من القضايا التراثية العربية بدأ من "مارجليوث" في إثارته لقضية النحل والانتحال في الشعر الجاهلي والذي بنى عليها "طه حسين" أطروحة الشك في الشعر الجاهلي في كتابه "الشعر الجاهلي" ثم "في الأدب الجاهلي" والذي أثار جدلاً نقدياً حاداً بين معارض لأطروحات حكمه، وبين متحفظ منها مؤيد لبعضها ومنكر لبعضها الآخر، والتي لا زالت كتب النقد الحديث تزخر بها.

والشك عند "طه حسين" هو أساس التعامل مع الوجود التاريخي للشعراء العذريين مما دفع به إلى التأكيد على أنه "سينكر وجود طائفة من الشعراء، أو سيجحد شخصيتهم، وسيزعم أنّ هؤلاء بين اثنين: إما أن يكونوا أثراً من آثار الخيال قد اخترعهم اختراعاً، وإما ألا تكون لهم شخصية بارزة ولا خطر عظيم، وإنما عظّم الخيال أمرهم وأضاف إليهم ما لم يقولوا وما لم يعملوا، واخترع حولهم من القصص ألواناً وأشكالاً جعلت لهم في الأدب العربي هذا الشأن العظيم الذي لا يكاد يقوم على شيء"(28) وهو موقف يتراوح بين الإنكار الكلي للوجود التاريخي لبعض الشخصيات العذرية، والإنكار الجزئي لأخبار بعضهم الآخر.

"فقيس بن الملوح" من الشخصيات العذرية التي تؤكد أنه "يشك الشك كله، أن يكون "قيس بن الملوح" شخصاً تاريخياً وجد وعرفه الناس أو استمعوا إليه"
(29) وهو إنكار مبني على أسس استمدها "طه حسين" من اختلاف الرواة في اسمه وأخباره وجنونه، وإنكار "بني عامر" لشخصه، والتي تؤكد مصادر التراث القديم، خاصة "الأغاني" كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك في ما سبق.

فالرواية الشفهية هي مصدر إشكالية الشك عند "طه حسين" إذ يؤكد أن "هناك طائفة من ثقاة الرواة، أو من الذين نعدهم ثقاة كانوا قد برعوا براعة لا حد لها في انتقال الأشعار والأخبار، وكان الناس قد آمنوا لهم، ووثقوا لهم، فكانوا يأخذون عنهم ما يرون على أنه حق لا شك فيه، ولم يكن يشك في روايتهم إلاّ نفر قليلون قد عملوا عملهم وشاركوهم فيما كانوا فيه من عبث ولهو ولست أذكر من هؤلاء الرواة إلا اثنين: أحدهما حمّاد الراوية، والآخر خلف الأحمر"(30) فمصادر الأخبار خاصة في الرواية الأدبية لم ترق في التحقيق والتوثيق إلى ما وصلت إليه الرواية في الحديث النبوي الشريف، وهذا ما يدفع إلى اعتماد مذهب الشك في الكثير من الأخبار والروايات، ولكن الذي لا نتفق عليه مع "طه حسين" هو أنّ الشك في الجزء لا يؤدي بالضرورة إلى إنكار الكل، خاصة في الوجود التاريخي لشخصية ملأ اسمها وأخبارها سماء الدنيا في زمانها، ينضاف إلى ذلك "أنّ قراءة المجموعة الشعرية الصغيرة التي تركها قيس تدل على انتسابها إلى شاعر واحد بحكم وحدة الأسلوب الفني، وعلى أنه صاحب تجربة حقيقية لا مصطنعة بحكم توهج النفس الشعري"(31) فالاختلاف في الرواية خاصة إذا كان مصدرها الشفهية وارد لا شك في ذلك لأن الأمصار التي كانت مراكز تجمع استقطبت الرجال الحاملين في وثائقهم وصدورهم الموروث الإسلامي الذي كان قد بدأ يتضخم ويتشعب، "ويتألف هذا الموروث من خليط من المعلومات والنصوص والتأويلات والشروح غير مبوبة ولا مصنفة ولا مصفّاة. وكانت عملية التدوين تستهدف أساساً غربلة هذا "المجمع" من المعارف وتبويبه مما سيسفر عن تصنيفه إلى حديث وتفسير وفقه ولغة وتاريخ"(32) فكان الأساس والهدف من التدوين وما نتج عنه من علوم تابعة له غايتها تحقيق الرواية وتمحيص الصحيح من المنتحل الموضوع. فالتدوين لم يطرح إشكالية الشك في الوجود التاريخي للشخصيات وإنّما طرح إشكالية الشك في الأخبار والنصوص على اعتبار أنّها موطن رحب للوضع والانتحال.

فشك "طه حسين" في الوجود التاريخي للشخصيات العذرية، وخاصة المجنون وإن كان له أساس عند "أبي الفرج الأصفهاني" فإن حجج "طه حسين" لا تصمد أمام البحث العلمي، إذ هي تلجأ في أساسها إلى إضفاء البعد الشعبي والميثولوجي على أخبار العذريين، فتلبسهم طابعاً أسطورياً يحمل رموزاً تعبيرية لتفسير واقع اجتماعي وسياسي ساد العصر الأموي.

إنّ موقف "طه حسين" من الوجود التاريخي لشعراء العذرية يتأرجح بين شك كلي وشك جزئي، والشك في مثل هذه المسائل يجب أن يقف عند حدود معينة وإلا فقد كل مبرر منهجي. "ذلك لأنه بإمكان" الوضَّاع "أن يضعوا فعلاً بعض الأشعار وينسبوها إلى من يقدموهم، ولكن من المستبعد تماماً أن يتناول الوضع شخصيات الماضي وما ينسب إليها في آن واحد"(33). فالشك يطول جزءاً من أخبار شعراء العذرية ولا يطول كل الأخبار، فهو وضع يخص الجزء ولا يتعدى إلى الكل وبذلك ندرك أنّ قراءة "طه حسين" انطلقت من الجزء إلى إنكار الكل وذلك ما لا يقبله المنهج العلمي.

ب- الشك في القصص العذري:

إنّ القصص ركن أساسي من الأركان التي أسست للظاهرة العذرية، والمقصود بالقصص هنا، مجموعة الأخبار التي اختلقها الرواة وتناقلتها الرواية الشفهية، فشكّلت بذلك القصة العذرية عند أعلامها كجميل وقيس وكثير وغيرهم من العذريين.

فالرواية الشفهية التي تقف وراء القصة العذرية والمنهج الذي اعتمدت عليه في تدوين أخبار العذريين طرحت إشكالية الوضع والمبالغة في رسم أحداثهم وأخبارهم، وبالتالي جعل الكثير من الدارسين خاصة في العصر الحديث ينظر إلى القصة العذرية نظرة الشك.

فالشك هو أساس كثير من الدراسات التي تناولت الظاهرة العذرية في عمومها والقصة العذرية على وجه الخصوص، بدءاً من "طه حسين ووصولاً إلى "علي البطل".

ولئن كان شك "طه حسين" في الوجود التاريخي "لقيس بن الملوح" كما سبق وأن عرفنا شكاً جزئياً في كثير من المواطن، فإن شكه في القصة العذرية نلفيه شكاً كلياً وعند جل شعرائها بدءاً من جميل ووصولاً إلى "قيس بن الملوح"، معتبراً القصة العذرية جملة من الأخبار اصطنعها الرواة معتمدين على خيالهم لتفسير أشعار العذريين فصنعوا لهم أحداثاً تكون مورداً ومرجعاً أساسيين يرجع إليها القارئ لمعرفة مرجعية النص العذري.

إنّ "طه حسين" يذهب إلى أنّ طبيعة البحث المنهجي هي التي فرضت عليه الشك في قصص العذريين إذ هو "أشد من هؤلاء القدماء طمعاً وأكثر منهم تحفظاً لا تكفيه أسماء الثقاة من الرواة، ولا تكفيه جمال القصيدة وجودة المقطوعة، وإنّما يريد أن يتخذ كل شيء موضوعاً للبحث والنقد والتحليل، ولا يكاد يفرق عن ذلك بين الأدب والعلم... لأنه يرى أنّه لا يبتغي من الأدب والتاريخ رواية الأعاجيب والعظات"(34) فالطابع المثالي الذي تميز به القصص العذري والذي أضفى على كثير من أحداثه وأخباره طابعاً غريباً جعل "طه حسين" يذهب إلى أنّ الرواة قد أضافوا إلى هذه القصص الكثير من صنع خيالهم، وبذلك طرح إشكالية العدل في الرواية الأدبية حتى ولو كانت من ثقاة الرواة.

فالروايات الأدبية مصدر التراث العربي القديم، ولئن شكك "طه حسين" في رواية الثقاة فإنّه يشكك في القصص العذري بخاصة، ومصادر التراث العربي بعامة. وهو منهج على الرغم من أنّه يدعي العلمية إلا أنّه لا يلتزم بأبسط قواعد العلمية التي تؤكد صحة الخبر حتى يثبت وضعه و انتحاله. ومذهبنا هذا غير مبني على دافع عاطفي وإنّما أساسه أنّ الرواية الشفهية مصدر أغلب التراث العالمي القديم. فلماذا القصد للتراث العربي دون غيره من التراث العالمي الآخر؟ علماً بأنّ التراث العربي يعد محدثاً إذا ما قورن بالتراث العالمي الآخر.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:47 am

إنّ مذهب "طه حسين" في التعامل مع القصص العذري، مبني على الإنكار الكلي والإنكار الجزئي، إذ يقف موقف الإنكار الكلي لقصة المجنون لأنه يستثني وجوده التاريخي دون غيره من أعلام القصص العذري من أمثال جميل وكُثَير وقيس بن ذريح، وإنّ قصة المجنون "أشدها سخفاً وأكثرها غلواً وإحالة وأخلاها من المغزى النافع أو المعنى المفيد، فلا تجد في هذه القصة شيئاً يبين لك شخصية هذا الرجل الذي اتخذ لها بطلاً، بل كل ما تجده ألواناً من المبالغات وضروب من الإسراف"(35) وبذلك فهو يرجع نسج أحداث قصة المجنون إلى الرواة، وأنّ هذه القصة وبطلها المجنون ما هي إلا رمزاً أساسياً يعبر عن احتجاج ضد البؤس والحرمان الذي سلط على البدوي في بادية الحجاز، الممزوج بالفقر والوازع الديني الذي أسبغ على هذه القصص بعداً صوفياً "ومهما يقل القائلون فلن يستطيعوا أن يغيروا رأي، وهو أنّ الكثير من هؤلاء الشعراء، ومن الفتيات اللاتي كانوا يتغزلون بهن، إنّما هم جميعاً رموز لا حقائق"(36) وبذلك ينفي القصة العذرية نفياً كلياً ويدخلها في إطار المرجع الرمزي الذي يكني عن قمة حضارية.

فقصة المجنون ما هي إلا من نسج خيال الرواة، ويظهر ذلك من خلال الأسلوب الرصين الذي دونت به والإتقان الذي نسجت به أحداثها، والذي يختلط فيه الواقع بالخيال، مما أضفى عليها بعداً أسطورياً وفتح المجال أمام الرواة للإضافة والنقصان وإدراج الأحداث وفق الطريقة التي ترضي المتلقي، وتبعث فيه عاطفة الشفقة والإعجاب. فالمتلقي هو العامل الأساسي في نسج أحداث القصة على اعتبار أنّ الرواة كانوا يراعون أذواق المتلقين أكثر من مراعاتهم لصحة الخبر، وبذلك انتقلت قصة المجنون من طابع تاريخي حقيقي إلى طابع خرافي أسطوري، عملت المخيلة الشعبية عملاً بارزاً في نسج أحداثها.

إنّ موقف "طه حسين" من قصة المجنون له ما يبرره خاصة ما تعلق بالجانب الغريب منها الممزوج بالطابع العاطفي المبني على قوة المتخيل لدى رواة هذه القصة، ولكن هذا لا يجعلنا ننفيها نفياً كلياً "لأن الحق يغرينا بأن نقرر في اطمئنان إلى أنّ "قيس بن الملوح" كان موجوداً، ولكنه كان أحمق، كما يذكر صاحب الأغاني نفسه ذلك مراراً قبل أن يحب ليلى، فلما أحبّها ولم يتزوجها جن، لأنه كان ذا نصف عقل. وما العشق إلا نصف الجنون... فإذا كان الرجل ذا نصف عقل، وقد كانت به لوثة، ثم عشق، ثم لم يوفق في عشقه وغلب على أمره، فما يستنتج عن هذا؟ إنّه الجنون وانتهى الأمر، ولا تركيب ولا تعقيد. ولا غرابة في الجنون"(37) وبذلك فإنّ قصة المجنون في جوهرها واقعة تاريخية لا يستطيع أن ينفيها أحد في كليتها وإن كان فيها بعض الإضافات. لكن يستطيع القارئ المتمرس أن يقف عندها لأنه يحس غرابة في بعض أخبارها وأموراً مفتعلة وذلك هو وجه الشك فيها.

أما القصة التي يشك "طه حسين" في جزء منها فهي قصة "جميل بن معمر" إذ يؤكد الوجود التاريخي لجميل ولكثير من أخباره، لكنه يشك في البعض منها خاصة ما تعلق بوصله لبثينة "فقصة جميل فيها سخف كثير، وفيها إحالة كثيرة، وأحسبها أصدق من قصة المجنون، ولكن جميلاً رجل تاريخي وُجد حقاً وشعره واضح للدلالة على شخصيته، ولم يكن مجنوناً ولا مذهوباً به... ومن هنا خلت قصته من هذه الألوان التي ننكرها في قصة المجنون، خلت من هذه الألوان وامتلأت بألوان أخرى أقل ما توصف بهما أنها تناقض الحب العذري"(38) فالأخبار التي تصف طرق اتصاله ببثينة والتي وردت خاصة في الأغاني تبعث على الريبة في أنّ جميلاً كان عذرياً، وأنّ هذه الأخبار ما هي إلا من وضع الرواة لإعطاء تفسيراً لبعض أشعاره و "أنّ واضع القصة كان رجلاً متكلفاً ميالاً إلى المحاجاة، فإنك تجد في غير موضع من أخبار جميل ضروباً من الرموز والألغاز بين هذين العاشقين حين كانت تتصل بينهما الرسائل"(39) وأخبار جميل في الأغاني مليئة بمثل هذه الحيل التي كان يستعملها جميل للاتصال ببثينة.

وهناك عامل ثان يعتمد عليه "طه حسين" في شكه في قصة جميل وهو الغدر الذي تميزت به كثير من أخبار جميل مع بثينة، الغدر الذي لا يمكن أن يصدر عن عذري أحب فأخلص الحب، وعف فكان قمة في الوفاء والود. ينضاف إلى ذلك أنّ كثيراً من أخبار جميل كانت تؤكد أنّه على اتصال دائم ببثينة خلسة من زوجها وأهلها، يبيتان في فراش واحد دون أن يتماسا، وهي أخبار تشكك في عفة الحب وعذريته وتجعله لا يتميز عن الحب المادي الذي تميز به "عمر بن أبي ربيعة" على زمن جميل مما يطرح عنه "طه حسين" إشكالية اختلاط الأخبار بين جميل وعمر بن أبي ربيعة، وهي مواقف وقف عندها "طه حسين" لأنها فعلاً مدعاة للشك، ولكن الذي نريد أن نؤكده هو إذا كانت هذه الأخبار تشكك في بعض جوانب قصة جميل فإنّها لا تنفي الوجود التاريخي للقصة وفي كثير من معطياتها وأحداثها كما لا تشكك في الحب العذري الذي كان بين جميل وبثينة لأن المتأمل في هذا الشعر يدرك صدق عاطفة الحب التي كانت تقع بينهما.

أمّا الدارس الثاني الذي ينفي الوجود التاريخي للقصة العذرية ويعطيها بعداً مغايراً لما جاء به "طه حسين" فهو "علي البطل" في مقال له نشره في مجلة "فصول" تحت عنوان "الغزل العذري واضطراب الواقع" إذ يعطي للقصة العذرية بعداً ميثولوجياً وأنّ "قصص العشق العذري في العصر الأموي تمتد جذوره موغلة إلى حيث المأثور الأسطوري والشعبي في عصور ما قبل الإسلام، وقد حافظ هذا القصص على عناصر كثيرة من ميراثه القديم، مطوراً بعضها، ومضيفاً إليها عناصر أخرى فرضتها الظروف الجديدة"(40) فالقصة العذرية نمط فني استحدث ليكون رموزاً تعبر عن مكبوتات سياسية في بادية الحجاز وذلك "لما كان التعبير المباشر محظوراً فقد لجأت البادية إلى هذا القالب الفني الذي وجدت هيكله العام في التراث الذي توارثه أهلها عن الأسلاف. ونعني به التراث الأسطوري والمأثور الشعبي السائد قبل الإسلام، نحن إذن إزاء قصص شعبي يحمل السمات التي تميز كل فولكلور، وأهمها أنّه قصص مجهول المؤلف، وأنّه يسير حسب أشكال نمطية تتكرر "موتيفاتها" من قصة إلى أخرى، على نحو يجعل القصة العذرية "تيمة" محددة لها عناصرها المعروفة، حتى إذا لجأت إلى المغايرة أحياناً والتحوير أحياناً أخرى"(41)، فوحدة الموضوع هي التي أغرت "علي البطل" على الذهاب مذهبه هذا في إرجاع القصص العذرية إلى قصص من صنع المخيلة الشعبية، وأنّ أبطال هذه القصص ما هم إلا رموزاً تعبر عن واقع جماعة. فالقصة العذرية لديه وما فيها من شعر عذري قصة مجهولة المؤلف، تعتمد على عناصر قليلة من الواقع، إلى جانب العناصر التي اخترعتها المخيلة، فتخضع فيها العناصر الواقعية لسياق "النمط" الذي تسير عليه. " وهي تعبر من خلال القالب الفني تعبيراً رامزاً لما يجري حولها، وما تعانيه الجماعة من هموم، وما تترقبه من آمال"(42) وهي قراءة فيها من الغلو ما يجعلنا نلاحظ إنكاره الكلي للوجود التاريخي للشعراء العذريين ولقصصهم وأخبارهم، ويكون بذلك قد أكد قراءة "طه حسين" وتعداها إلى النفي والإنكار الكلي وفي الوقت نفسه يثبت أنّ القصص العذري يعتمد على عناصر قليلة من الواقع، وهذا ما يجعلنا نتساءل: ألا يمكن لهذا القليل من الواقع أن يكون نواة أساسية للوجود التاريخي للشعراء العذريين ولقصصهم وأخبارهم؟

إنّ المذهب الميثولوجي الذي ذهبه في تفسير مرجعية القصة العذرية هو الذي دفع به إلى الاعتماد أنّها قصة شعبية مجهولة المؤلف. وبذلك فإنّ قراءة "علي البطل" كانت خاضعة في جوهرها لأسس القراءة المثولوجية أكثر من اهتمامها بالرواية الخبر والتحقق من صحته أو كذبه. فالأساس المنهجي الذي اعتمدته قراءة "علي البطل" هو الذي فرض هذا الإنكار الكلي لواقعية القصة العذرية، وليس الواقعة التاريخية ومنهجية التحقق من صحتها أو كذبها، ينضاف إلى ذلك أنّه وقع في تناقض بارز بين الإنكار الكلي للقصة والتأكيد على أنّ مرجعيتها الشعبية مجهولة المؤلف والإثبات الجزئي لها كواقعة تاريخية وقعت تحت تأثير ملابسات واقع بعينه.

إنّ منهج الشك الذي اعتمده كل من "طه حسين" و "علي البطل" في التعامل مع القصص العذرية له مبرراته كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك من قبل لكن ما ميز القراءتين الغلو في الشك إلى حد الإنكار الكلي للقصص العذرية، وذلك ما تؤاخذ عليه القراءتان على أساس أنّ القصص العذرية وإن كان فيه من الوضع ما يدركه القارئ المتمحص، إلا أنّ صلب القصص العذري له جذور في التاريخ العربي وذلك ما تثبته جل الروايات والأخبار التي وردت في أمهات مصادر التراث العربي القديم خاصة طبقات فحول الشعراء "لابن سلام الجمحي" والشعر والشعراء "لأبن قتيبة" والأغاني "لأبي الفرج الأصفهاني".

القصة العذرية في جوهر حدثها الرئيس وفي الوجود التاريخي لأبطالها حقيقة تاريخية لا يمكن أن يشك فيها الدارس المتخصص، أمّا ما تعلق ببعض الأخبار التي عمل خيال الرواة عمله بالزيادة والتغيير فيها فذاك من النحل وهو أمر وارد ولكنه لا يجعلنا نصل إلى الإنكار الكلي للقصص العذري والذهاب إلى أنّه من صنع خيال الرواة في جله أو أنه قصص شعبي مجهول المؤلف وأبطاله من وضع الخيال.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:49 am

ج- الشك في النصوص العذرية:

إنّ إشكالية الشك في الظاهرة العذرية لم تقتصر على الشك في الوجود التاريخي لشعرائها أو لقصصهم كما سبق وأن بيّنا وإنّما طرحت كذلك إشكالية الشك في نصوصهم وأشعارهم، وذلك راجع إلى أنّ الظاهرة العذرية ذات سمات وخصائص وموضوعات موحدة، تدور نصوصها وموضوعاتها حول موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة وما أفرزته هذه العلاقة من حب موحد السمات والخصائص، وقصص وأحداث متشابهة في جميع عناصرها ومقوماتها، من هيام رجل بامرأة واحدة قصر عليها كل حبه، وراح يصف في شعر متميز لوعته وتشبثه بها، الواحدة دون سواها من النساء أفرد لها حبه وباسمها عرف شعره ولقرائها شكا وتعذب، يريده روحاً لا جسداً، هائماً في الفلاة، ذاكراً اسمها مناجياً مظاهر الطبيعة لعلها توصل إليها رسالة حبه.

إنّ وحدة الموضوع ووحدة المكان والزمان للحب العذري هو الذي طرح بحدة إشكالية الشك في النصوص العذرية لدى النقاد القدامى والمحدثين، ينضاف إلى ذلك تداخل الأخبار والروايات وأحداث القصص، وتتلمذ كثير من الشعراء على بعضهم بعض.

إنّ نصوص "قيس بن الملوح" من أكثر النصوص العذرية التي أثير حولها الشك في وضعها وانتقالها بإضافتها ونسبتها إلى شعر المجنون، وهذا ما جعل "الجاحظ" يقول: "ما ترك الناس شعراً مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعراً هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح"(43) وبذلك يؤكد "الجاحظ" وضع الرواة والقصاص وما نسبوه إلى المجنون وذلك بغية إيجاد تفسير لكثير من القصص التي يروى عنه، وهذا ما دفع "بطه حسين" إلى الشك في الوجود التاريخي للمجنون وفي القصص الذي روي كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك من قبل.

ويخبرنا "أبو الفرج الأصفهاني" في الأغاني عن "محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابي إنّه ذكر عن جماعة من بن عامر سئلوا عن المجنون فلم يعرفوه، وذكروا أنّ هذا الشعر كله مولود عليه"(44) ونحن لا يهمنا في هذا المقام تأكيد أو نفي الوجود التاريخي لشخص المجنون من خلال هذه الرواية أو مثيلاتها، لأنه سبق وأن فصلنا القول في ذلك، ولكن الذي يهمنا هو أنّ هذه الرواية تؤكد تسرب الوضع والنحل إلى نصوص المجنون، بل تؤكد أن شعر المجنون كله موضوع منتحل وبذلك فهي تنفي نسبة شعر المجنون إليه نفياً كلياً. ولكن إذا تأملنا في رواية أخرى يرويها "أبو الفرج" دائماً عن "الأصمعي" "أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياسي قال سمعت الأصمعي يقول:

الذي ألقي على المجنون من الشعر وأضيف إليه أكثر مما قاله هو"(45) وهي رواية تنفي الشك الكلي الذي يذهب إليه "الجاحظ" لشعر المجنون وتؤكد الشك الجزئي في نصوصه، لكن المنتحل المنسوب منه أكثر من الصحيح المعتمد، وذلك راجع إلى ما تسرب من روايات وقصص مفتعل منحول حول هذه الشخصية، لأن الذي نسب رواية أو خبراً لا بد من أن ينسب شعراً ليؤكد به الرواية أو الخبر.

إنّ إشكالية الشك في النصوص العذرية، لم تقتصر على شعر المجنون فقط بل تعدته إلى جل أعلام الغزل العذري خاصة جميل وكثيّر لما كان بينهما من علاقة تتلمذ تاريخية تثبتها نصوص ترجمتهم، إذ كان كثير راوية لجميل وتلميذاً له وبذلك طرحت بينهما قضية الإغارة على الشعر أو ما سماه النقاد القدامى "بالسرقة الشعرية" طرحاً بارزاً.

فالسرقات الشعرية قديمة في تاريخ الآداب العالمية، وتكاد تكون موجودة في جميع الآداب، والآداب العربية القديمة خاصة. وقد تفطن النقاد العرب القدامى إلى هذه الظاهرة وعابوها على الشعراء. ولعل "محمد بن سلام الجمحي" أول من أشار إلى سرقات الجاهليين إذ يقول(46) "كان قراد بن حنس من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله. وكانت شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه منه وتدعيه" وتبعه في ذلك "ابن قتيبة" في "الشعر والشعراء" إذ يرى أنّه قلما خلا شاعر من شعراء الجاهلية إلا وأغار على شعر غيره، "فامرؤ القيس" أخذ من شعر "طرفة بن العبد" و "أوس بن حجر" وغيرهم من الشعراء الذين سبقوه.

أصبحت قضية السرقات الشعبية موضوعاً نقدياً تعرض له جل المترجمين والنقاد القدامى، فإضافة إلى من سبق ذكرهم نجد أنّ "أبا الفرج الأصفهاني" قد أشار إليها في كثير من المواطن في "الأغاني" كما أشار إليها "ابن طباطبا" في "عيار الشعر" و "أبو هلال العسكري" في "الصناعتين" وابن رشيق في "العمدة" و "عبد القادر الجرجاني" في "أسرار البلاغة" وغيرهم من النقاد والعلماء.

إنّ المتأمل للشعر العذري عند رواده يلاحظ أنّ هؤلاء الشعراء لم ينجوا هم كذلك من الإغارة على شعر بعضهم بعض، خاصة وأنّ معانيهم وأسلوبهم وصورهم اتسمت بالتشابه، وذلك راجع لوحدة الموضوع الذي كتبوا فيه جل أشعارهم، ولظهورهم في مكان وزمان واحد. إذ تثبت الروايات التاريخية أنّ كثير كان راوية لجميل وهذا ما جعل النقاد يؤكدون في غير موطن على الإغارات التي أغارها كثير على شعر جميل، فحاول إحصائها والوقوف عندها "إحسان عباس" في أثناء تحقيقه لديوان كثّير.

حاول "إحسان عباس" تقسيم إغارات كثير على شعر جميل إلى نوعين من الإغارات.

إغارات على أبيات كاملة، وإغارات على المعاني دون اللفظ والتركيب ومن أمثلة النموذج الأول إغارة كثير على بيتي جميل:

هوَى واستَمَّرت بالرجالِ المَرائِرُ

أَفِقْ قَدْ أَفَاقَ العَاشِقُونَ وَ فَارَقُوا ال


بِهِ الدَّارُ أَوْ مِنْ غَيبتَهِ المقَابِرُ

وهَبهَا كَشيِّ لَمْ يَكُنْ أَوْ كَنَازِح




فأدخلهما في قصيدته التي أولها "عَفَا واسِطُ مِنْ أَهْلِهِ والظَّوَاهِرُ" وقيل إنّ البيتين من قصيدة لحسان بن يسار التغلبي" (47) كما "أغار على بيت جميل الذي يقول فيه:

إِذَا هِيَ لَمْ يُصْلَبْ عَلَى البَرْيِ عُودُهَا

وَلاَ يلبَثُ الوَاشُونَ أَنْ يَصْدَعُوا العَصَا




فأدخله في قصيدته التي مطلعها "نَظَرْتُ وَ الأَعْلاَمُ الشُّرْبَةَ دُونَنَا"(48).

أما النموذج الثاني "فقد وقف النقاد القدامى عنده مبرزين مواطنه وأشار "إحسان عباس "أنّ "كُثّير" استمد بعض المعاني من جميل من مثل قوله:

تَمثَّلُ لي لَيْلى بِكُلِّ سبِيلِ

أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا




فقد عرض له "الفرزدق" بأنّه مأخوذ من قول جميل:

تَمثَّلُ لي لَيْلى عَلَى كُلِ مَرْقَبِ

أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا




وروى "الزبير" أنّ كثيراً قال، وذكر جميلاً: أمت له ألف قافية يقول سرقتها فعليت عليها"(49).

ولم يقتصر إغارات كثّير على شعر جميل باعتبار العلاقة التي كانت تربط بينهما وإنّما تعدت إغارته إلى شعراء آخرين "مر الربيع بن أبي جهمة الجندعي على كثّير بالروحاء وهو ينشد:

وَرِجْلٍ رَمىَ فِيها الزَّمَانُ فَشلَّتِ

وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحيحَةٌ




فقال له: ويحك يا ابن أبي ضمعة، منذ متى قيل هذا الشعر؟ قال منذ زمان طويل، قال، فهذا يقوله صاحبنا "أمية بن الأسكر"، قال: هو ذاك يا ابن أبي جهمة، أنا أحظى به منه"(50).

والروايات كثيرة التي تثبت إغارات كثّير على جميل أو غيره من الشعراء الذين سبقوه، والمسألة في ظاهرها خطيرة ومشينة، ولكنها في حقيقة الأمر أبسط من ذلك بكثير، فنحن نعلم أنّ كثيراً كان راوية لجميل وعلى يده تخرج في الشعر فليس بالغريب أن ينشأ على محاكاة شيخه، وأن يستمد منه بعض المعاني، واعياً بذلك أو غير واع، وأن يتأثر به في قاموسه الشعري خاصة وأنّ شعرهما دار حول موضوع واحد. أضف إلى ذلك أنّ النقد الحديث ينظر لقضية السرقات الشعرية نظرة مغايرة لما كان ينظر بها القدماء.

فالنقد الحديث لا يعتبر السرقات الشعرية ظاهرة مشينة للنص الشعري وإنّما هي ظاهرة نابعة من تداخل النصوص، اعتباراً منه أنّ النص الشعري لا يولد من فراغ، وإنّما هو حصيلة تداخل لمجموعة من النصوص السابقة، وبذلك يطرح النقد الحديث إشكالية السرقات الشعرية طرحاً مغايراً لما كان يطرحه النقد القديم.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:50 am

فالسرقات الشعرية في النقد القديم شكل من أشكال "التناص" في النقد الحديث، وهي ظاهرة ملازمة للنصوص الإبداعية ومن هذا، يرى "بارث "BARTHE "أنّ التناص قدر كل نص، مهما كان نوعه وجنسه، ولا يقتصر حتماً على مسألة المنبع أو التأثير، والتناص مجال عام للصيغ المجهولة، التي نادراً ما يكون أصلها معلوماً والتي تأتي بصورة استجابات عفوية ولا شعورية"(51). إما عند "جوليا كريستيفا "Julia christiva "فالتناص أحد مميزات النص، فكل نص هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى، كما أنّها ترى أنّ كل نص عبارة عن لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى"(52). وبصورة قاعدية نستطيع القول وحسب جوليا كريستيفا julia Christiva "أنّ كل نص هو تناص"(53) وبذلك تكسر نظرية التناص في النقد الحديث إشكالية السرقات الشعرية التي طالما هيمنت على الكتابات النقدية القديمة وأعطتها بعداً جديداً لم يتفطن إليه النقد القديم، فأصبح التناص قدر كل نص إبداعي مهما كان منبعه.

أما إذا عدنا إلى النقد العربي الحديث فإننا نلفيه ينظر إلى إشكالية السرقات الشعرية نظرة مغايرة لما نظر بها النقاد العرب القدامى، ويراها من زاوية النظرة الغربية. "فمحمّد بنيس" يقدم صياغة جديدة، فيسميها "النص الغائب" ويرى أنّ النص الشعري بنية لغوية متميزة، ليست منفصلة عن العلاقات الخارجية بالنصوص الأخرى وهي ما يسميه بالنص الغائب، فيقول "إنّ النص كشبكة تلتقي فيها النصوص لا تقف عند حد الشعري بالضرورة، لأنها حصيلة نصوص يصعب تحديدها، إذ يختلط فيها الحديث بالقديم والعلمي بالأدبي واليومي بالخاص والذاتي بالموضوعي"(54). أما الدكتور "عبد الكريم مرتاض" فيربط "التناص" بفكرة التضمين في البلاغة العربية القديمة وبذلك يعود بالتناص إلى أصوله العربية. يقول (55) "فالتناص ليس إلا حدوث علاقة تفاعلية بين نص حاضر لإنتاج نص لاحق، وهو ليس إلا تضميناً بغير تنصيص". وبذلك فالنص الإبداعي يتكون من مجموعة نصوص متضاعفة التعاقب على المخيلة منسلة من ثقافات متعددة ومتداخلة في علاقات متشابكة ومتحاورة ويذهب الدكتور "مختار حبار" لدى وقوفه عند مصطلح التناص أنّ المراد به "تقاطع النصوص، أو الحوار فيما بينها...

وأنّ النقاد القدماء قد تناولوا هذا النوع من النقد فجعلوه باباً من أبواب نقودهم وسموه "السرقات الأدبية" ونظروا إلى السَّرَقِ منه في غالب الأحيان نظرة نقص وريبة، ثم ظهر هذا النوع في البلاغة العربية بمصطلح "الاقتباس" تارة إذا كان النص المقتبس من القرآن الكريم والحديث الشريف وبمصطلح "التضمين" تارة أخرى إذا كان النص المقتبس غيرهما، وبمصطلح "الأخذ" طور العموم، إذا أخذ الأديب معنى من المعاني أو صورة من الصور، ثم جودها وتجاوزها إلى صورة أحسن منها، فهو أحق بذلك من غيره، وبمصطلحات أخرى في أطوار أخرى، لكن أغلب المصطلحات العربية، كانت تتضمن في الأغلب الأعم معاني النص، أو روح التعالي والمجاوزة، ومعاني التناص في النقد الحديث غير ذلك"(56)، وهي وقفة ميز فيها الدارس بين النظرة النقدية القديمة لظاهرة السرقات الأدبية والتي كانت تحمل في مجملها نظرة النقص وذلك راجع إلى الخلفية المعرفية التي كان يتعامل بها النقد القديم مع ظاهرة "السرقات" أمّا النقد الحديث فنظرته مخالفة لذلك وذلك تمييز وقف عنده القارئ حتى لا يقع خلط بين المفهوم القديم للسرقات ومفهوم التناص في النقد الحديث وأنّ التناص مفهوم جديد نابع من رؤية معرفية جديدة أكثر تطور وعمق.

وباعتبار التباين بين مصطلحي "السرقات الشعرية" عند النقاد القدامى و"التناص" عند النقاد المعاصرين، وباعتبار أنّ النص العذري هو إفراز لواقع اجتماعي وسياسي وثقافي وحضاري واحد، توحد فيه الموضوع والإحساس والقاموس اللغوي مما أضفى عليه مسحة التشابك والتداخل، فصعب على الرواة والمترجمين والنقاد نسبة كثير من النصوص إلى أصحابها فذهبوا إلى أنّها منتحلة موضوعة، فبذروا أصول التشكيك فيها، وذهبت طائفة أخرى من النقاد إلى تتبع تداخل النصوص بين الشعراء العذريين فعدوها إغارة وسرقة شعرية وما هي في الحقيقة إلا تداخل للنصوص العذرية، لأن الذات العذرية ميزتها أنها لم تكن تعي نفسها إلا من خلال الآخر، غائباً كان أم حاضراً، فاللغة العذرية لم تكن لغة حيادية بل هي إفراز لسياقات اجتماعية وحضارية ونفسية واحدة مما أضفى على نصوصها طابع الحوارية في أشكالها ومضامينها، فكان تداخل بارز بين نصوصها، جعل المترجمين والنقاد يعتقدون انتحالاً وقع فيها، واتهام لشعرائها بالإغارة والسرقة الشعرية وما هي في الحقيقة لا "تناص" بين النصوص العذرية.

3-التفسير التاريخي الحديث لنشأة العذرية:

إنّ القراءة التاريخية الحديثة لنشأة الظاهرة العذرية في الأدب العربي القديم، تطرح رؤى مختلفة ومتباينة في تفسيرها لمصادر هذه الظاهرة، وذلك راجع لما اتسمت به العذرية من أصالة في الإبداع وتفرد في الطرح، وعمق في التعبير، وعرفانية في الرؤية، وتميز في المضامين، إذ أعطت للغزل في الأدب العربي بعداً صوفياً، قلما نجد له مثيلاً في الشعر الجاهلي، وبذلك انتقلت بالغزل العربي من بعده المادي الجسدي ذي الأبعاد الشبقية إلى بعد روحي عرفاني ذابت أمامها الشبقية المادية تأسيساً لغزل روحي ينظر من خلاله إلى المرأة من حيث هي قيمة روحية.

إنّ المتأمل في الظاهرة العذرية يدرك أنها ظاهرة تجمع بين معطيات عدة، وأنّ قصصها ونصوصها تدفع بالقارئ إلى تصور عدة أطروحات لمصادر هذه الظاهرة، وأنّها ظاهرة ذات منابع متعددة تحمل بعداً عربياً جاهلياً وبعداً إسلامياً متفرداً. لذلك اتجهت القراءة التاريخية الحديثة في تفسيرها لمصادر هذه الظاهرة إلى اتجاهين أساسيين، اتجاه يرجع مصدرها إلى الجاهلية واتجاه آخر يذهب إلى أنّها ذات مصدر إسلامي، وأنّها إفراز طبيعي للحضارة الإسلامية في العصر الأموي.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:51 am

آ-المصدر العربي:

إنّ الظاهرة العذرية لما تحمله من نظرة روحية وبعد إنساني ونزعة عاطفية، جعلت بعض الدراسات الحديثة لا توقف مصدر نشأتها إلى الحيز المكاني والزماني الذي نشأت فيه وإنّما تذهب إلى أنّ إرهاصاتها وجدت قبل الفترة الأموية ببعيد "إذ كان للبيئة العربية أثر في التمهيد لنشأة هذا النوع من الغزل، إذ كانت مهدا له والبادية بما فيها من مناظر جميلة رتيبة، وبما كانت تدفع إليه من الشظف والجهد في سبيل العيش وما كانت تستلزمه من تعاون قبلي، ساعدت على تكوين أخلاق وتقاليد جديدة، سرت في روح العربي وتمكنت من نفسه، ومنها البطولة في الحرب، والوفاء بالعهد، وحماية الجار، وقد طبعت العربي على الشهامة والنجدة والاعتداد بالنفس، وهي من صفات الفروسية التي ظهرت آثارها في عاطفته، وحبه، فهو يحب أن يظهر أمام حبيبته بمظهر القوي الذي يحميها ويخاطر في سبيلها" (57) فأخلاق العربي لها أبعاد حضارية اصطبغت بها نفسه وكان لها التأثير البالغ في نظرته للمرأة كمحبوبة، وبذلك يجد الدارس أنّ أخلاق العربي ما هي إلا مستلزمة وإفرازات للطبيعة التي كان يعيش فيها، فكان يريد أن يحقق ذاته من خلال الآخر "المحبوب" ولذلك كانت المرأة بالنسبة إليه طرفاً يحقق ذاته من خلاله فيخاطر بنفسه من أجل أن يظهر أمامها بمظهر الكمال المطلق لذلك يرى "شكري فيصل" أنه (58) "من العبث أن نحدد ولادة هذا الفن الشعري "الغزل العذري"، ذلك أنّه ظاهرة من الظواهر الفنية التي ترتبط أشد الارتباط بالظواهر الاجتماعية ومثل هذه الظواهر تمتاز بأنّها ليست مفصولة عما قبلها ولا منفصلة عما بعدها.. فليس لها هذا التوقيت، وليس في صورتها المكتملة التي نراها عليها مايبيح لنا أن نقول إنّها نشأت في هذا العصر أو استوت في هذه الفترة" فالظاهرة العذرية ليست وليدة العصر الأموي فقط وإنّما كانت لها إرهاصات قبل هذه الفترة، وأن اكتمال صورتها في هذه الفترة دليل على أنّ جذورها سابقة لها لأنه من غير الممكن أن تولد واقفة بغير إرهاصات سابقة لها، وما فروسية الجاهلي وتعلقه بالمحبوبة في قيمتها المطلقة إلا دليل على عذرية الجاهلي ولكنها ليست كعذرية الأموي في بعدها الروحي والعرفاني وإنّما إرهاص أولي للعذرية الأموية.

ويرى "يوسف اليوسف" في هذا السياق أنّه "يمكن القول بأنّ الغزل العذري بل والغزل الأموي جملة هو موروث جاهلي ففي حين يتحدر خط الوقائع، الذي يتمحور حول الإيروسية بالدرجة الأولى، والذي يقوده "عمر بن أبي ربيعة" من "امرئ القيس" نفسه، فإن الخط الروحاني، أو العذري، إنّما يتحدر من النتاج الرقيق "لعروة بن حزام"، والحقيقة أنّ هذا الشاعر يبدو عذرياً أكثر من العذريين، لا في أسلوبه فحسب.. بل في روحانيته كذلك أن أبرز ما يتسم به "عروة بن حزام" هذا الوجع العذري الناجم عن حظر العشق.. أياما كان الشأن، فإن نقاط التشابه بينها وبين النتاج العذري، يخولنا الحق أنّ نعدها أسا للحركة العذرية في الشعر العربي كله"(59).

إنّ رأي "يوسف اليوسف" يذهب إلى أنّ الخط العذري تعود أصوله إلى الموروث الجاهلي بناء على أن "عروة بن حزام" شاعر جاهلي، لكن الباحث في كتب التراجم وبخاصة منها "الأغاني" (في الجزء 20 ص159) و"الشعر والشعراء" في (الجزء الثاني ص519) يجد أنّ الشاعر "عروة بن حزام" شاعر أموي "من عذرة وهو أحد العشاق الذين قتلهم العشق، وصاحبته عفراء بنت مالك العذرية"(60) و"لما بلغ عفراء موته قالت لزوجها، يا هناه، قد كان من أمر هذا الرجل ما قد علمت.. فما زالت تردد هذه الأبيات حتى ماتت فبلغ الخبر معاوية، فقال: لو علمت بحال هذين الشريفين جمعت بينهما"(61) لذلك نلاحظ أنّ "يوسف اليوسف" يحكم حكماً مطلقاً قوامه أنّ الغزل العذري موروث جاهلي، وذلك لما وقع فيه من اعتقاد أنّ "عروة بن حزام" شاعر جاهلي النشأة، لذلك فالأساس الذي بني عليه "يوسف اليوسف" حكمه باطل ولا حجة له فيه. خاصة وأنّ حكمه اتسم بالمطلق عندما اعتبر الموروث الجاهلي أساس الظاهرة العذرية.

أما إذا عدنا إلى دراسة "علي البطل" للظاهرة العذرية فإننا نجده يرجعها إلى أصول ميثيولوجية أسطورية تتصل بعصور ما قبل الإسلام إذ "إنّ القصص العذري في العصر الأموي تمتد جذوره موغلة في القدم إلى حيث المأثور الأسطوري والشعبي في عصور ما قبل الإسلام. وقد حافظ هذا القصص على عناصر كثيرة من ميراثه القديم، مطوراً بعضها، ومضيفاً إليها عناصر أخرى فرضتها الظروف الجديدة"(62)، فيعود بجذور القصة العذرية إلى أسطورتين جاهليتين تتعلقان "بالثريا والقلاص"، والتي سبقت الإشارة إليها. هذا في جانبه الميثولوجي الأسطوري، كما يعود بها إلى القصص الجاهلي، وخاصة الذي يروي قصص بعض الشعراء الذين وقعوا في قصة حب مع فتيات من العرب ولاقوا صعوبات في الظفر بهن كقصة عنترة مع عبلة والمرقش الأكبر مع أسماء.

فالقصة العذرية الجاهلية لها عناصر أساسية هي "العشق الخطبة الرد الرحلة الزواج من الأجنبي استمرار العاشق في عشقه وملاحقته للمحبوبة"
(63)، وهذا ما تكرر في قصة عنترة مع عبلة والمرقش مع أسماء. ونجده يتكرر في صلب كل قصة عذرية في العصر الأموي مع إضافات جديدة فرضتها طبيعة المجتمع الإسلامي الجديد.

فعلي البطل يعود بالقصة العذرية الأموية إلى الفترات التاريخية الموغلة في القدم، والمتمثلة في المرحلة الأسطورية في الحضارة العربية، والمتأمل في هذا الطرح يدرك أنّه يؤكد الجذور الأسطورية والجاهلية للقصة العذرية في هيكلها العام، وهو طرح له ما يبرره، علماً بأنّ الفن هو استمرار وتواصل بين الحضارات والفترات التاريخية المتلاحقة وأجيالها. وما الفترة الأموية إلا حلقة من الحلقات التي صنعت العقلية العربية في رحلتها الطويلة مع التاريخ والتطور. وأنّ الفترة الأسطورية والفترة الجاهلية هي المرحلة التي عاشها الفن العربي في مهده الأول، وهي المرجع الأساسي للفن العربي على مدار التاريخ. وما القصة العذرية إلا حلقة من حلقات البناء الفني للقصة العربية في تطورها المتلاحق.

والذي نذهب إليه في النهاية، أنّ القصة العذرية لها إرهاصات في العصر الجاهلي إيماناً منّا أنّ الفن لا يولد واقفاً بالفطرة، وإنّما هو عصارة جهد من الأجيال والحضارات وأنّ العقلية العربية في بنائها الفكري، هي خلاصة حلقات متتالية ولكن هناك فوارق جوهرية بين القصة الجاهلية والقصة العذرية فالقصة العذرية الأموية تدور أحداثها في مجملها حول عذرية العشق بين الرجل والمرأة وأنّ هذا العشق خال منالأهداف الشبقية، وأنّه عشق لذات العشق، وأنّه رابطة يغلب عليها الطابع الروحي العرفاني، أما العشق الجاهلي فهو عشق يحمل طابع التحدي خاصة في قصة عنترة مع عبلة، وأنّه حب الهدف من ورائه إثبات الذات أمام المجتمع، لذلك نلفيه يحمل طابع الفروسية والمغامرة. ينضاف إلى ذلك أنّ النص العذري الأموي نص وهاج بعرفانيته الجنونية التي توحد بين الذات المحبة والذات المحبوبة إلى أن تصل إلى درجة الجنون والاتحاد، وهذا ما لا نلمسه في النص الجاهلي لأن هذا النص لا يعبر إلا على ظاهرة الحرمان والإخلاص للمحبوب والتحدي من أجل الظفر به، وبذلك فالعذرية الأموية أكثر شمولية وأكثر تعبيرية من العفة الجاهلية خاصة وأنّ الأولى امتزجت بالمبادئ الدينية، أما الثانية فتفتقر لذلك وأنّ الأولى كذلك تشكل ظاهرة متكاملة. أما الثانية فلا تشكل إلا عينات متناثرة.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:52 am

ب-المصدر الإسلامي:

أما الطرح الآخر فيذهب إلى أنّ الظاهرة العذرية ذات مصدر ديني إسلامي، إذ كانت البيئة الإسلامية ذات أثر أساسي في التمهيد لنشأة هذا النمط من الغزل الذي يتغنى بالحب الروحي، معبراً عن الحرمان واليأس والتسامي بالعاطفة، واستعذاب الألم في سبيله، لذلك "فالغزل العذري تعبير عن وضع طائفة من المسلمين كانت تتحرج وتذهب مذهب التقى وتؤثر السلامة والعافية على المغامرة والمخاطرة، وترى النفس أمارة بالسوء وأنّ النار قد حفت بالشهوات على حد تعبير الحديث الشريف، وأنّه من الخير لها أن تصبر.. وأن تلتزم ما أمر الله به أن يلتزم.. ولذلك آثرت هذه الطائفة أن تعدل عن شهواتها، فكانت مثلاً واضحاً للتربية الإسلامية، في سموها وتعاليها"(64). فطرح "شكري فيصل" يبدو أنّه أساس الطرح الذي يذهب إلى أنّ الغزل العذري إفراز طبيعي لأثر التعاليم الإسلامية في النفس العربية المسلمة، وأنّ هذا النمط من الغزل نشأ بدافع من التقوى الإسلامية، وبتأثير من مفهوم الحب في الإسلام وارتباطه بمبدأ "العفة". فمن "العفة التي كان يواكبها الدين، ومن الحب الذي كانت تواكبه الغريزة، من هذا كله كان هذا الحب العذري، وكان لا بد للمؤمن إلا عفة الذين أخفقوا في حبهم من أن يعبروا عن هذا الإخفاق، وأن يتحدثوا عنه في هذه الصورة أو تلك، ومن هنا وجدوا في الفن القولي سبيلاً إلى التعبير عن مشاعرهم. لنا أن نقول إذن أنّ الغزل العذري هو المظهر الفني للعواطف المتعففة والملتهبة في آن معاً، والتي وجدت أنّ الغزل العذري هو المظهر الفني للعواطف المتعففة والملتهبة في آن معاً، والتي وجدت أنّ التعويض هو خير ما تطفئ به لهبها وتتسامى به غرائزها"(65) فالغزل العذري إفراز طبيعي لتأثير الوازع الديني في نفسية المسلم، ومظهر من مظاهر الصراع بين طرفي النفس الإنسانية كما خلقها الله تعالى "ونَفْسٍ ومَا سَوّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاها"(66) فتغلبت فيه العفة على العبثية فكان تعبيراً عما قرّ في نفوس هؤلاء الشعراء من إحساس بالعفة، وتجنبا لما حرمه الدين في الحب، ويبرز ذلك من خلال كثير من الروايات التي تصف حدود صلاة هؤلاء الشعراء بمن يحبون. روى صاحب الأغاني عن جميل(67) قال: "سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما أنّ جميلاً عندها الليلة فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالساً حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه، ثم قال لها: يا بثينة، أرأيت ودي إياك، وشغفي بك، لا تجزينيه، قالت: بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابين. فقالت له: يا جميل، أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيداً عنه. ولئن عاودت تعريضاً بريبة لا رأيت وجهي أبدا. فضحك وقال ما قلت هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنّك تجيبينني إليه لعلمت أنّك تحبين غيري، ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا مع ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد، أو ما سمعت قولي:

وإنِّي لأَرضى مِنْ بثَيْنةَ بالذي

لَوْ أَبْصَرَهُ الوَاشي لَقَرَّتْ بَلابلُهُ


بلاَ وَ بأَلاّ أَسْتطيعُ، وبالمُنى

وبالأَمَلِ المَرْجُو قَدْ خَابَ آمَلُهُ


وبالنظْرِةَ العُجْلى وبالعَامِ تَنْقَضي

أوَاخِرُهُ لا نَلْتَقِي، وأوَائِلُهُ




فقال أبوها لأخيها: قم بنا ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما". وهي رواية وغيرها من الروايات المماثلة والتي يحفل بهم القصص العذري تؤكد طرح "شكري فيصل" من أنّ الغزل العذري "لم يكن من الممكن أن يظهر بقدسيته وطهارته قبل عصر بني أمية.. ويجب أن يكون أثراً لتربية جيل جديد تربية صادقة صارمة.. ويجب أن يكون أثرا لنوع من الحياة الاجتماعية تعرف الاستقرار وتساعد عليه من نحو آخر"(68). فالغزل العذري تعبير عن نفسية امتزجت وتأثرت بالحضارة الإسلامية في بعدها العقائدي والأخلاقي والإنساني، وعن النفس في صفائها الروحي وفي تقواها وعفتها الإسلامية لذلك لم ينجو منه حتى الثقاة الزهاد، ومن ذلك ما يروي عن "عبد الرحمن بن عمار الجشمي "الملقب" بالقس "لشدة تقواه وورعه والذي وقع في حب جارية مغنية عرفت في ما بعد به "سلامة القس". فكان حبه مثالاً واضحاً للنساك وذلك لما عرف منه من ورع وتقوى.

روى أنّ سلامة "قالت له يوماً: أنا والله أحبكَ، قال: أنا والله أحبكِ، قالت: وأحب أن أضع فمي على فمكَ، قال: وأنا والله أحب ذاك، قالت: فما يمنعك؟ فو الله إنّ الموضع لخال. قال: إني سمعت الله عزّ وجلّ يقول: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو، إلاّ المتقين وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول إلى عداوة ثم قام وانصرف وعاد إلى ما كان عليه من نسك"(69) وتلك رواية تؤكد أنّ الغزل العذري كانت له روافد في المدن والحواضر ولم يقتصر على البادية وأنّ طبيعته لم تقتصر على الشعراء، وإنّما تعدت إلى الفقهاء والزهاد فكان "عبد الرحمن بن عمار الجشمي الملقب" بالقس "في مكة و"عروة بن أذينة" و"عبد الله بن عتيبة" في المدينة وأخبارهم مفصلة في الأغاني وكلها أخبار تؤكد ورعهم وتقواهم وزهدهم وفقههم ووقوعهم في الحب. حب امتاز بالعفة والصفاء والبعد عن الشبقية الحسية، وذلك بتأثير من الوازع الديني والخلق الإسلامية، التي كان لها التأثير البالغ في النفس الإسلامية. فحولت نظرة المسلم إلى الحب من نظرة حسية مادية إلى نظرة عرفانية صوفية. وهذا ما جعل "إبراهيم عبد الرحمان محمد" يشير إلى علاقة التشابه بين حيوات العذريين وحيوات الزهاد في العصر الأموي وأنّ "حيوات الشعراء العذريين وشخصياتهم كما تصورها قصة المجنون تذكرنا بطبقة الزهاد من المسلمين الذين أخذوا يكثرون في البيئات الإسلامية المختلفة منذ أواخر العصر الإسلامي وأوائل العصر الأموي، وهي الفترة التي ثارت فيها العصبيات القديمة، وكثرت الحروب الأهلية. وتدلنا أخبار هذه الطبقة على أنّها راحت تمارس نمطاً فريداً من السلوك يتمثل في احتقار الدنيا والعزوف عن ملذاتها، والفرار من الناس والرغبة في الآخرة، وليس الجانب الديني هو وحده الذي يغرينا بالربط بين طبقة الزهاد وشعر الغزل العذري، وإنّما هناك بالإضافة إلى ذلك، هذه السلبية التي تميز بها سلوك العذريين، وانتهاء بهم إلى استعذاب الألم والتغني بالحرمان، واعتزال الناس وطلب الموت في سبيل الحب، وهي سلبية فرضت نفسها كذلك على طبقة الزهاد. فورطتهم في هذه المواقف القدرية إزاء أحداث الحياة.. وهذا ما يغرينا بأن نعدها ثمرة لهذا الصراع النفس والديني والاجتماعي"(70).

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:52 am

إنّ القول بالعلاقة بين الحركة العذرية وحركة الزهاد في العصر الأموي لا غرابة فيه، إذ من المؤكد أنّ الحركة العذرية في صبغتها الأساسية وليدة نفسية صقلها الإسلام بمبادئه، وغذّاها بعقيدته وصبغ جوانبها بأخلاقه الذي دعا إليها، فميزت نصوص العذريين بظلال إسلامية، إذ كان أساس خلجات نفوسهم ومحور تصوراتهم، فسيطر على مشاعرهم وعقولهم وقلوبهم وذلك كان العامل الديني أقوى من كل العوامل الأخرى التي ساعدت على ظهور الحركة العذرية، فطبعها بطابعه الروحي المتسامي، فكانت العفة أساس النصوص العذرية وقصصهم وهذا ما جعل النص العذري خاصة في تعبيره عن حرارة الوجد يمتزج امتزاجاً كبيراً بالطبيعة والرؤية الصوفية في عرفانيتها، فكان رافداً أساسياً من روافدها، ومنبعاً أساسياً من منابعها.

إنّ قصة المجنون وما دار حولها من روايات وأخبار سواء أكانت حقيقية أم منتحلة خاصة ما تعلق بجنونه وعيشه في الفلاة مع الوحوش، وهيامه على وجهه في الصحراء مفترشاً الأرض وملتحفاً السماء ومستأنساً بالوحوش قريبة من قلوب سكان الحواضر الإسلامية حتى اعتقدت فيه الكرامات فقربته من حضرة الصوفية، وربطت علاقة روحانية بين أخباره وما يفعله الزهاد والمتصوفة في ذلك الوقت، وهذا ما حدا "بغنيمي هلال" إلى الربط بين حركة العذرية ونشأة الحب الصوفي في العالم الإسلامي، وأنّ العذرية في تعبيرها عن الحب مشتركة أيما اشتراك مع الصوفية، لكن الحب العذري "ظل مع ذلك في دائرة الحب الإنساني، أي الحب العذري الذي يدفع فيه الحرمان إلى إضفاء نوع من المثالية على الحب، وما يكتنف ذلك من معان دينية تتوافر لدى من يهبون أنفسهم لصراع بين عقيدتهم وعاطفتهم تنتصر فيه عقيدتهم، فيطلبون المثوبة على مصايرهم فيما ابتلوا به، وكان أدبهم كله يدور حول هذه المعاني"(71)، وهو طرح يميز بين الحب العذري والحب الصوفي، وأنّ الحب العذري لم يكن إلاّ إرهاصاً أولياً للحب الصوفي، وأنّ الحب العذري مرتبط في أساسه بفكرة الحرمان وامتزاجها بالوازع الديني لدى النفوس العذرية، ولذلك -ومهما سما هذا الغزل في التعبير عن الحب -فإنّه لا يرتقي إلى ما ارتقى إليه مفهوم الحب عند الصوفية، إذ أخذ أبعاداً عرفانية غنوصية ارتبطت بمفاهيم كونية وفلسفية ومعرفية كانت نتيجة امتزاج الحضارة الإسلامية بالحضارة التي سبقتها.

ظهر الحب الصوفي في الأمصار الإسلامية مع "رابعة العدوية" في "القرن الثاني الهجري" التي ظهرت بدعوة جديدة هي دعوة التقرب إلى الله عن طريق حبه. ولكن الحب عند "رابعة العدوية" لا صلة له بالحب العذري إذا كانت تنادي بحبها لله، لأنّه أهل لأن يُحب أولا لأنّه مصدر النعم التي لا تنقطع فلا سبيل لأن ينتقص حب المنعم بها، وثانياً لأن الله أهل لأن يحب "لما هو أهل له من الحب، لجماله وجلاله وهذا الأخير هو حب الخواص من أمثال" رابعة العدوية"(72)، وبذلك يتميز الحب الصوفي عند "غنيمي هلال" عن الحب العذري باعتبار دافعه لا باعتبار معانيه وأساليبه، لأن الدارس لمعاني الحب وأساليبه في الاتجاهين يتجلى له تشاكل واضح بينهما "لأن المحب في كلا الأمرين يعبر عن عاطفة يفيض بها شعوره، ويلجأ في تصويرها إلى الألفاظ والصور الحسية للتعبير عما في وجدانه من الشوق ومظاهره. لذا كانت تتشابه طرق التعبير عن الحب والهيام في المتصوف من أمثال "رابعة العدوية" مع شعر المحبين من العذريين لأن الذي يعانيهم في كلا الحالتين إنسان"(73)، وباعتبار ذلك نستطيع القول بأنّ مفهوم الحب عند التيارين متقارب فالوازع الديني هو الذي أفرز النوعين معاً. فالأول كان نتيجة طبيعية للنفس المسلمة التي تشبعت بالقيم والمثل الإسلامية، فزهدت في الدنيا، وأيقنت أنّ قنوات تصريف الطاقة الجنسية عند الإنسان يجب أن تخضع للقنوات الشرعية، وأنّ المرأة يجب أن تنظر إليها من حيث هي روح لا من حيث جسد، وأنّ المتعة الشبقية آلية زائلة، أما السكن النفسي فهو الباق، لذلك كان العذري يبحث في المرأة عن جوهر السكن النفسي الذي افتقد إليه العربي قبل الإسلام. وذلك شأن الصوفي الذي عزف عن المتعة الآنية، وجدّ من أجل البحث عن المتعة الباقية، فأيقن أنّ حب الله والإخلاص له هو السبيل الأوحد إلى ذاك. فزهد في الدنيا وخلا بنفسه بحثاً عن المتعة السرمدية حتى وصل الأمر بكثير من المتصوفة إلى ادعاء الوصول إلى المحبة إلى درجة الخلة بينه وبين الله، بل الاعتقاد في الحلول، وبذلك فصل المتصوفة بين ماهية الحب العذري وماهية الحب الصوفي، لأنّ المتصوفة الأوائل كانوا يعتقدون أنّ الحب الإنساني مرحلة أولى ولازمة للحب الصوفي، "وهذا ما كان يقصد إليه بعض المتصوفة على ما يحكيه المكي: قال بعض المريدين لأستاذه: قد طولعت بشيء من المحبة، فقال: يا ابني، هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه إياه؟ فقال: لا. فقال فلا تطمع في المحبة فإنّه لا يعطيها عبداً حتى يبلوه"(74)، وكان ذلك ضرباً من القنوات التي ربطت بين العذري والحب الصوفي.

إنّ الحب العذري مرحلة لازمة وضرورية وتمهيدية لتذوق الحب الصوفي، لذلك كان المتصوفة في مجالسهم ومواعظهم يضربون الأمثال بالمحبين الذين تفانوا في الهيام بمحبوباتهم، حتى وصل بهم الهيام إلى درجة الذوبان في ذات المحبوب على نحو ما وصف "الشبلي" حب المجنون في كثير من مجالسه، فكان يقول: "يا قوم، هذا مجنون "بني عامر" كان إذا سئل عن "ليلى" يقول: أنا ليلى، فكان يغيب بليلى في ليلى، ويغيب عن كل معنى سوى ليلى، ويشهد الأشياء كلها بليلى، فكيف يدعي من يدعي محبته وهو صحيح مميز يرجع إلى معلوماته وحظوظه. فهيهات أنّى له ذلك، ولم يرمذ في ذرة منه ولا زالت عنه صفة من أوصافه"(75).

فالحب العذري الذي اتصف به المجنون لم يكن إلاّ ضرباً من الفناء والحلول الذي كان يعتقد فيه المتصوفة. فالذات المحبة لا تستشعر حلاوة الحب إلاّ إذا انصهرت في ذات المحبوب، وذابت فيه. ولذلك نخلص إلى أن ماهية الحب العذري كانت إرهاصاً، بل مرحلة جد متقدمة للحب الصوفي، وأن المتصوفة اقتدار بالمحبين العذريين في حبهم الإنساني ليؤسسوا للحب الصوفي.

إنّ عرفانية ماهية الحب العذري عند كبار العذريين أمثال المجنون هي التي دفعت بالمتصوفة إلى توظيف رمز المرأة في إبداعهم وخطابهم، فأعطوه طابعاً صوفياً محضاً، إذ "لم ينشأ التركيب الثيوصوفي لرمز المرأة في شعر الصوفية من فراغ خالص ذلك أنّنا نجد لهذا الرمز المرأة الذي بدا ذا طابع غنوصي، جذوراً بعيدة تتصل بأصول ميثيولوجية قديمة، وبإرهاصات الغزل العذري الذي نسجت حول أخبار وحكايات وأشعار تناقلها الرواد حتى ذاعت في بعض العواصم الإسلامية"(76). وباعتبار ذلك أضحى رمز المرأة من الدعائم الفنية التي يقوم عليها النص الصوفي، وأصبح معادلاً موضوعياً للحب الإلهي، وهكذا دخل رمز المرأة إلى عالم التصوف الرحب، وأصبح علامة تعبر عن عرفانية تحمل أبعاداً علوية عند المتصوف في وجده بين العلو المتجلي والصورة التي تجلى فيها. وبذلك وضع اللامرئي والمرئي، والروحي والفيزيائي في تجانس وانسجام، فتجلى من خلاله المحبوب المقدس، فأقام رمز المرأة بانتقاله من العذرية إلى الصوفية "علائق بين وحدات مترابطة تفضي كل منها إلى الآخر، فالحب الذي يوجد بين الفيزيائي والروحي، يحيل إلى التجلي الإلهي يفضي بدوره إلى المشاهدة التي ترتبط بالإبداع الخيالي أوثق ارتباط ومن خلال هذه الوحدات المتشابكة، يطل الجوهر الأنثوي وتبرز المرأة بوصفها رمزاً على الله المتجلي في شكل محسوس وصورة فيزيائية"(77) فعبر رمز المرأة عن الحب الإلهي في لغة وجدانية إنسانية مستوحاة من شعر العذريين الكبار. وبذلك أشار الصوفية من خلال رمز المرأة إلى الحكمة العرفانية والوجد الصوفي في مظهريه الإنساني والإلهي، فأخذت المرأة بوصفها مجازاً لجمال أكثر ديمومة وكلية تحمل في جوهرها طابعاً علوياً يتجلى من خلاله ما يعانيه في رؤيته للكون التي يتجاذبها قطبا "التأثير والقابلية" و"الفعل والانفعال".

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 7:53 am

وأخيراً يلاحظ الدارس للطرح الذي يذهب إلى أن مصدر العذرية في العصر الأموي كان إسلامياً، وأنها إفراز طبيعي للنفوس التي تشبعت بالقيم والأخلاق والمثل الدينية. طرح له مبرراته المعرفية والفنية، وأنّ الظاهرة العذرية لما تميزت به من عرفانية في تعبيرها عن قيمة الحب ليست إلاّ وليدة التغير الجذري الذي أحدثه الإسلام للقيم والمفاهيم التي كان ينظر بها العربي إلى المرأة، من حيث هي جسد قبل أن تكون روحاً، متعة شبقية قبل أن تكون عرفانية روحية. وأنّ ما عرف عن بعض الجاهليين من عذرية في نظرتهم إلى المرأة لم يكن سوى طفرات لم تسْمُ في نظرتها إلى ما وصلت إليه العذرية في العصر الأموي. لذلك فإنّنا نرى أنّ العذرية في أبعادها العرفانية والروحية التي أقصت الجسدية من مفهومها، والتي كانت إرهاصاً قوياً للصوفية الإسلامية، إنّما هي ظاهرة إسلامية في كل أبعادها، وليدة امتزاج القيم الإسلامية بالنفسية العربية التي آمنت بالعفة شعاراً وبالإخلاص طريقاً وبالنظرة الإنسانية للمرأة مبدأ، وذلكم هو جوهر ماهية الحب العذري عند أعلامه.

نخلص في الأخير إلى أنّ للظاهرة العذرية لما اتسمت به من أصالة في الطرح، وعمق في الرؤيا، وجمالية في التعبير، وأبعاد في الخصائص والمميزات أهلتها لأن تكون ميداناً خصباً للكثير من القراءات النقدية، كل واحدة تحاول أن تستجلي جانباً من جوانبها، فتبرز معالمه، وتجلي خفاياه بإتباع منهج الاستقصاء والبحث الجاد من أجل الوصول إلى إجابات كافية تجيب عن كثر من التساؤلات التي تطرحها القراءة الجادة خاصة وأنّ الظاهرة العذرية، ظاهرة تحمل العديد من القضايا التي تستحق البحث من أجل الوصول إلى تفسيرات علمية لها.

إن القراءة التاريخية بوصفها القراءة الأولى حاولت الاقتراب من الظاهرة العذرية، والبحث في جوانبها خاصة ما تعلق بوجودها التاريخي، فانكبت على العمل من أجل إثباتها كظاهرة تاريخية أو نفيها أو نفي ما علق بها من روايات وأخبار وقص كان لخيال الرواة الدور الأساسي في صنعها وإضافتها إليها، إما بهدف المتعة والترويج عن الملتقي حتى تصنع له جواً من الجاذبية الفنية التي يكون للخيال الدور الأساسي في بنائها دون مراعاة الواقعة التاريخية كواقعة يجب الوقوف عند حقيقتها، وإما بهدف إيجاد تفسيرات لبعض النصوص العذرية التي لم يعثر على مرجعيتها التاريخية.

دارت القراءة التاريخية للظاهرة العذرية في فلك النفي والإثبات، فراحت تطرح التساؤلات حول الوجود التاريخي لشعرائها محاولة نفي ما يثبت نفيه أو إثبات ما يمكن إثباته وكانت مرجعيتها في ذلك الرواية التاريخية والتراجم القديمة. ولم تقف عند البحث في الوجود التاريخي للشعراء فقط بل عملت من أجل التحقق من قصصهم ونصوصهم، باعتبارها دعائم أساسية للظاهرة العذرية.

لقد كان لإشكالية الرواية الشفهية -والتي كانت المصدر الأساسي للتدوين للظاهرة العذرية- دور أساسي في إضفاء ظلال الشك حول الوجود التاريخي لشعرائها وقصصها ونصوصها، ولذلك اهتمت القراءة التاريخية بهذه الإشكالية محاولة الإجابة عن تساؤلاتها واستفساراتها. والهدف من كل ذلك خدمة المنهجية العلمية التي تفرض على القارئ الموضوعية مع الدقة والتحقيق، لذلك قال "طه حسين"، وهو يبحث في شخصية المجنون التي دارت حولها تساؤلات عدّة: "أما نحن فأشد من هؤلاء القدماء طبعاً وأكثرهم تحفظاً، لا تكفينا أسماء الثقاة من الرواة، ولا يكفينا جمال القصيدة وجودة المقطوعة، وإنما نريد أن نتخذ كل شيء موضوعاً للبحث والنقد والتحقيق والتحليل، ولا نكاد نفرق في ذلك بين الأدب والعلم. ونحن محقون، لأننا لا نبتغي من الأدب والتاريخ رواية الأعاجيب والعظات، ولا إرضاء الذوق والميل الفني، وإنما نتخذ الأدب والتاريخ مرآة للأمم، وسبيلاً إلى فهم حياتها العقلية والشعرية"(78)، وهي قراءة تبتغي العلمية الصارمة في التعامل مع الظواهر الأدبية بعامة والعذرية بخاصة حتى تجردها مما علق بها من نحل وانتحال، الذي كان المصدر الرئيس لإشكالية الشك في كثير من الجوانب التاريخية للظاهرة العذرية.

فالقراءة التاريخية للظاهرة العذرية وقفت في جل طروحاتها عند البعد التاريخي للظاهرة ولم تجتهد لملامسة النص الإبداعي في أبعاده الفنية اللأسطاطيقية أو جوانبه النفسية الاجتماعية، التي كان لها الدور الرئيسي في تشكيل الظاهرة العذرية. وإذا كانت القراءة التاريخية لم تقف عند هذه الجوانب في الظاهرة العذرية فإننا نلفي قراءات أخرى حاولت أن تكشف عن هذه الجوانب مع إبراز أبعادها السياسية في تشكيل فضاء النص العذري. وهذا ما نعمل من أجل الوقوف عنده في الفصول اللاحقة مع إبراز المنطلقات المعرفية للقراءات اللاحقة وأسسها النقدية التي تعاملت بها مع الظاهرة العذرية.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:05 am

الفصل الثاني: القراءة النفسية

2-العشق بين المفهوم العربي والتحليل النفسي.

3-الوجع العشقي والانشطار الداخلي.

4-النوستالجيا.

5-الكبت.

6-تعطيل الإرادة.

7-النرفانا.

8-المازوشية.

1-العشق بين المفهوم العربي والتحليل النفسي:

لعل أهم ما يستوقف القارئ للقراءات التي تناولت الظاهرة العذرية بشكل خاص، وموضوع الغزل بشكل عام، الوقوف عند مفهوم الحب أو العشق بنوع من القراءة المتفحصة لمدلولات هذا السلوك النفسي الذي يصعب على القارئ الحديث عنه، وذلك لطبيعته المعقدة، كفعل نفسي نابع عن تجربة نفسية معيشة يعجز الدارس لطبيعته عن إدراك ملامحه والغوص إلى كنهه دون تجربة فعلية، قوامها المحب والحبيب والفعل الذي يربط بينهما، والمتمثل في العشق.

إن الظاهرة العذرية أخصب تجربة شعرية، فدار موضوعها حول العشق كسلوك نفسي في الشعر العربي والمتجسدة في روادها (جميل -كثير- والمجنون) والتي حاولت كثير من القراءات تناولها بالدرس والتحليل. ولعل أهم ما استوقف هذه القراءات الوقوف عند ماهية العشق في المفهوم العربي وماهيته في التحليل النفسي الحديث.

ومن بين أولى المحاولات العربية التي حاولت أن تقف عند ماهية الحب لتنظر فيها وقفة العلامة "ابن حزم الأندلسي" في "طوق الحمامة" الذي نجده يعترف منذ البداية بصعوبة التدقيق في هذه المسألة نظراً لخصوصية موضوعها، وغموض طبيعتها، إذ يقول: "الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة"(1). فحقيقة العشق وماهيته عصية على فهم القارئ، إذ لا يستطيع التدقيق في معانيها ووصف ماهيتها إلا بمعايشة التجربة والاشتعال بنارها والتململ على جمراتها، ثم يضيف قائلاً: "وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا، والذي أذهب إليه أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصول عنصرها الرفيع، لا على ما حكاه "محمد بن داوود" رحمة الله عليه عن بعض أهل الفلسفة: الأرواح أطر مقسومة، لكن على سبيل مناسبة قوامها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها"(2).

إن الطابع الروحاني لماهية العشق في المفهوم العربي هو الطاغي على التعريفات، وهذا ما نلمسه عند "ابن حزم" في قوله: "إنه اتصال بين أجزاء النفوس". وهذا ما يذهب إليه "يوسف اليوسف" في دراسته "الغزل العذري- دراسة في الحب المقموع"، إذ يقول: "ففي فهم تصور الشرقيين أن الحب ذو طبيعة شعائرية لها روح الأسطورة وليس مجرد فعل شبقي"(3). فالعشق، إذن، في المفهوم العربي ذو روحية نابعة من طبيعة الحضارة العربية الإسلامية ذات الصبغة الروحية، ولذا نجد معنى العشق في المعاجم العربية يدور في معظمه حول هذا الطابع الروحي. فالعشق عند صاحب لسان العرب هو "فرط الحب، وقيل هو عجب الحب المحب بالحبيب، يكون في عفاف المحب ودعارته". سئل "أبو العباس أحمد بن يحيى" عن الحب والعشق: أيهما أحمد؟ قال: الحب، لأن العشق فيه إفراط، ويسمى العاشق عاشقاً لأنه يذبل من شدة الهوى كما تذبل العشقة إذا قطفت"(4)، ولذلك جاءت مرادفات الحب دالة كل واحدة منها على درجة من درجات العشق، فهو الإقامة والثبات، والتتيم، وامتلاء وعي العاشق ووجده، والوله، والتعطيل عن أحوال التمييز، ولذلك "ليس صدفة أن تأتي ألفاظ العشق العربية بعيدة عن أن تكون مترادفات، إذ إن كلا منها تعبر عن درجة ما من درجات العشق، وهذا يعي أن قدرة العقل على التفاعل مع الوسط الخارجي تتناسب عكساً مع درجة الحب التي تهيمن على روح الفرد، فكلما تعمق العشق تعطل الذهن، وكلما برئ منه الروح أمعن الوعي في الاستيقاظ"(5).

إن المتتبع لمدلولات العشق في المفهوم العربي يدرك الطابع الروحاني لها، هذا المفهوم الذي جعل كثيراً من الحضارات تقف في وجه العشق، وترى فيه تعطيلاً لحركة الإنسان الهادفة إلى التطور، والتجديد على المستوى المادي لبناء أسس الحضارة، "إذ لا يعدو العشق كونه كسلا مطلقاً على المستوى الخارجي وتفجيراً فواراً على المستوى الداخلي، الشيء الذي لا يخدم الأغراض الكبرى للتاريخ.. فالعقل العربي يفهم العشق من حيث هو عطالة أو خمود"(6)، لذلك عمدت الدولة الأموية إلى تشجيعه في بلاد الحجاز، والتأصيل له لبعث روح الخمول في أهلها لصرفهم عن التفكير في التطلع إلى المعاني السياسية.

إن الحب العذري أصّل للمفهوم الروحاني لماهية العشق عند العرب، وأضاف إليها أبعاداً روحية جديدة، أصبحت بعد ذلك منطلقات أساسية لحركة التصوف الإسلامي، لذا نرى أن العذرية في منطلقاتها المعرفية ضرب من السكر الصوفي، وإرهاصات أولية للوجه العرفاني، إذ الصوفية بدأت من حيث انتهت العذرية.

الحب العذري هو نتاج تربية إسلامية صافية امتزجت فيه التعاليم الدينية بروح إنسانية، فنتجت عنها هذه العفة التي كانت أساس الظاهرة، وكان الخوف من الوقوع في الذنب الميزة الأساسية التي اتسمت بها العذرية. فالعذري نفس ممزقة بين الانجذاب المادي للجسد الأنثوي من حيث هو غواية، والتعلق الروحي بالمحبوب من حيث هو إنسان بالروح قبل أن يكون جسداً؛ لذلك نجد "في كثيرمن الأحيان يأخذ الخوف من الذنب شكلاً لا شعورياً يتبدى بصورة أساسية في التسليم المسبق بالعفاف العشقي.. إن تشبث العذريين بمقولة العفة ليست إلا النتاج الحتمي للخوف من السقوط في الذنب، بل هي الدرع الواقي الحاجز بين الفرد والإثم"(7). إن "يوسف اليوسف" يحاول أن يثبت أنّ العفة التي امتاز بها شعراء هذه الظاهرة لم تكن عفة خالصة، نابعة من نفس متشبعة بالحياء والعفة، وإنما هي سلوك مصطنع، إذ الشاعر فيه مكبل بقيود لا يمكن له التخلص منها.

إننا نرى أن هذا الفهم لم يراع طبيعة النفس المتشبعة بالمبادئ الإسلامية، والتي أصبحت هي الوجه الأساسي لها. وما العفة المرتسمة في شعر هؤلاء إلا نتيجة تلقائية لهذا الإيمان الصافي إذ يقول "ابن الدمينة"(8):

ومَا خَيْرُ حُبٍ لا تَعفُّ سَرَائِرُهُ

أحبُّكِ، يا لَيْلَى، على غَيْرِ ريبَةٍ




إن المتتبع لماهية العشق في المفهوم العربي يدرك أن دلالاته ذات اتجاه روحاني متصل في أساسه بالروح، من حيث هي قيمة مطلقة، لا بالجسد من حيث هو شهوات ونزوات وغرائز، وذلك تأثراً بالاتجاه الديني الذي كان العشق العربي ثمرة من ثمراته ولا سيما في الشعر العذري.

أما المتتبع لمفهوم العشق عند مدرسة التحليل النفسي، فإنه يجد لماهيته مدلولات مخالفة للمدلول العربي، نابعة من فلسفة تتسم في أساسها بالطابع المادي في تفسيرها لماهية العشق كسلوك إنساني.

إن التفسير المادي للعشق عند الغربيين ليس وليد التفكير الغربي الحديث، بل نجد له جذوراً في التفكير اليوناني الإغريقي. يقول "سوفوكليس" عن حقيقة الحب المركبة: "الحب ليس وحده الحب. ولكن اسمه يخفي في ثناياه أسماء أخرى متعددة، إنه الموت والقوة التي لا تحول ولا تزول، إنه الشهوة المحض، الجنون العاصف والنواح"(9)، وبذلك ندرك المسحة المادية التي يضفيها "سوفوكليس" على الحب "إنه الشهوة المحض".

فالنظرة اليونانية المادية للحب هي الأساس الأول للنظرة الأوربية الحديثة للحب خاصة عند مدرسة التحليل النفسي "فالعشق في التحليل النفسي فعل جنسي يقمع لكي يوظف فائض الطاقة الليبيدية. بعد تصعيدها في مشروع الإنتاج"
(10). فالتحليل النفسي الحديث يستبعد كل طابع روحاني للعشق، ويبني نظرته على أسس مادية، فطاقة الليبيدو هي المحرك الأساسي للسلوك العشقي، وإن البرهة الشبقية هي الهدف الأسمى لهذا التوجيه السلوكي عند الإنسان، وما القمع الذي سلّطته الحضارات على العشق إلاّ حفاظاً على طاقة الليبيدو حتى تُسْتَثْمر في البناء الحضاري للأمة عبر مشروعها الإنتاجي "لذلك نرى أن فهم التحليل النفسي هو فهم جسدي، في حين أنّ الفهم الشرقي له فهماً يتناوله من حيث هو فعل روحاني داخلي، مبدؤه القعود عن كل نشاط خارجي" (11). فالفهم الشرقي للعشق نابع من المنطلق الذي أسست له السلطة الأموية، حيث يجعل العشق وسيلة خمول لصرف أنظار الفرد عن التطلعات السياسية التي تُؤثر في الهيكل السياسي الأموي.

إن القارئ للظاهرة العذرية يدرك الفرق الشاسع بين فلسفة العشق في المفهوم العربي والتحليل النفسي الغربي، فإن أي قراءة للظاهرة العذرية بأدوات إجرائية نابعة من التحليل النفسي الغربي تقع في متاهات التحليل المادي للعشق العذري، وبذلك فهي تسيء للعذرية أكثر مما تضيف إليها، فالعشق العذري نابع من النظرة الروحية التي يُنَيتْ عليها الفلسفة العشقية العربية ذات الأصول الصوفية البعيدة عن الشبقية المادية.

إن الفلسفة العربية الإسلامية تفرق بين ما هو جنسي وما هو عشقي، لذلك فهي تمنع الاستفراغ الليبيدي عبر قنواته الشرعية (الزواج) فالرؤيا العربية الإسلامية في نظرتها لماهية العشق فرّقت بين ما هو عشقي عرفاني وما هو جنسي إفراغي، لهذا فإن التقاليد العربية لم تمنع تعدد الزوجات، اعتقاداً منها أن الجنسية (أو الاستفراغ الليبيدي) ليست نقيض العمل، بل إن النقيض هو العشق وحده، وهذا ما لم تنتبه إليه مدرسة التحليل النفسي التي لا ترى في الحب إلا شبقاً وطاقة جنسية. فالتحليل النفسي نظر إلى العشق نظرة مادية مجردة من روحانيتها. أما النظرة العربية الإسلامية فتبدو أعمق وأكثر شمولية، إذ تفرق بين العمل الجنسي كفعل إفراغي مادي، والعشق كصلة روحية ووجدانية.

3-الوجع العشقي والانشطار الداخلي:

إن المتأمل لمنهج التحليل النفسي عند "فرويد" يدرك أنه يقسم الحياة النفسية إلى ثلاثة أجهزة رئيسية هي: [الهو -الأنا- الأنا الأعلى]؛ إذ تؤلف هذه الأجهزة الثلاثة كياناً موحداً عند الإنسان السليم نفسياً، وحين تعمل معاً عملاً تعاونياً، تمكن الفرد من أن يمارس نشاطه بشكل جدي وفعال، وغاية هذا النشاط هو إرضاء الحاجات، وإشباع الرغبات الإنسانية أما إذا اضطربت موازين هذه الأجهزة الثلاثة ينشأ الشذوذ عندئذ.

فالوظيفة الوحيدة "للهو" هي تمكين انطلاق كميات الإثارة التي يطلقها في الكائن مؤثر خارجي أو داخلي، هذه الوظيفة ترضي ما يطلق عليه "فرويد" "مبدأ اللذة"، إذ هدف هذا الأخير هو تخليص الشخص من التوتر، أو الهبوط به إلى مستوى أدنى.

أما "الأنا" فهو الجهاز التنفيذي للشخصية، وهو الذي يتحكم في "الهوى" و"الأنا الأعلى"، ويدبر شؤونهما، وهو الذي يحفظ الاتصال بالعالم الخارجي. فحينما يُنجز "الأنا" وظائفه التنفيذية بحكمة، يسود الانسجام، ويعم الاتزان، وحين يستسلم "الأنا" "للهو" أو "الأنا الأعلى" أو للعالم الخارجي ينجم عن ذلك الاضطراب والشذوذ. فالأنا يحكمه "مبدأ الواقع" بدلاً من "مبدأ اللذة"، وهدف "مبدأ الواقع" تصريف الطاقة إلى حين اكتشاف الموضوع الذي يرضي الحاجة.

وأما "الأنا الأعلى" فهو ذلك الجانب الأخلاقي القضائي من جوانب الشخصية، إنه أقرب إلى تمثيل المثالي منه إلى تمثيل الواقع، وهو يسعى من أجل الكمال أكثر مما يسعى إلى الواقع واللذة.

تلكم هي الأسس المعرفية للتحليل النفسي الفرويدي، فهل كان للقراءة الحديثة للظاهرة العذرية نصيب في تطبيق مبدأ اللذة ومبدأ الواقع على هذه الظاهرة الشعرية التي تميز بها التراث الشعري العربي؟

إن القراءة الفاحصة لقراءة "يوسف اليوسف" لعوامل نشأة الظاهرة العذرية في الحضارة العربية الإسلامية يدرك أن هذه القراءة تعتمد في مرجعيتها المعرفية على أسس التحليل النفسي الفرويدي القائم على [مبدأ اللذة ومبدأ الواقع]، وبخاصة في تعليمها لأهم خاصية تميزت بها الظاهرة العذرية، والمتمثلة في [الوجع العشقي والانشطار الداخلي] الذي يتميز به كبار العذريين.

فقراءة "يوسف اليوسف" تذهب إلى أن الوجع العشقي الذي تتميز به الظاهرة العذرية، لم يكن إلا انعكاساً لميل حركة التاريخ الموضوعية في العصر الأموي نحو شكم العشق، ابتغاء استنفار الطاقات الفردية، وتوظيفها في معركة التوسع الإمبراطوري ذي الأغراض المتسامية على الأفراد، وغير العابئة بأرواح أفراده. إن ما يهمه، فقط، التدرج في التاريخ، لهذا فقد عانى الأفراد من القسر الذي كانوا يرفضونه، ويقبلونه في آن معاً، يرفضونه لأنه معاد لأرواحهم، ويقبلونه امتثالاً لمشيئة الروح التاريخي، لهذا كان "سر عظمة ذلك النتاج العذري هو الانشطار العميق القائم بين الفردي، وحركة التاريخ الموضوعية، إذ تتضارب مطالب الأفراد الذاتية التي ترقى إلى الأصالة، أو الطبيعة الأولى السابقة على التاريخ. تتضارب مع نزعات الروح الموضوعية.. والأهم من ذلك أن هذه الروح من طبعه ألاّ يهتم قط بأهواء الأفراد في سعيه نحو إدراجه في غاياته التاريخية الكبرى"(12) لذلك ترى قراءة "يوسف اليوسف" أن الفرد العربي دفع كمية هائلة من الوجع العشقي كإسهام في بناء الإمبراطورية، لأن الجانب التاريخي من الروح كان يضغط على الجانب الطبيعي الأصيل، وهذا ما ولد لدى الفرد انشطاراً بين القبول والرفض، القبول بمطالب الروح التاريخي الحاضن للتمثل، والرفض الذي تمارسه الطبيعة الأصيلة للروح الفردي على هذا الضغط الكلي كيما يشبع حاجاتها الأزلية.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:06 am

وتخلص القراءة في الأخير "أن الشعر العذري يعكس التمزق بين المثال والحاجة، بين الكلي والجزئي، أو بين رغبات المجتمع ومشاريعه، وبين رغبات الفرد وحاجاته. ونتيجة لهذا الانقسام تولد الوجع العشقي الذي كان في كثير من الأحيان ذا قيمة احتجاجية تبلغ حد الإدانة، وأخذ ينظر إلى الواقع الخارجي بوصفه لا عقلانية مرفوضة؛ الأمر الذي يتضمن أن الطبيعة الأولى كانت تدرك ما لحق من غبن حين تنبت الطبيعة الثانية التي من صنع التاريخ"(13) فالعذرية -في نظر قراءة "يوسف اليوسف" -وما اتسمت به من وجع عشقي إفراز ناتج عن التصادم بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع في نفسية العذري. فهذا الوجع العشقي ما هو إلاّ انزعاج حاصل في النشاط نتيجة تجنيب الفرد الحصول على اللذة، على اعتبار أن الانزعاج يرتبط بزيادة كمية الإثارة

وننتهي في الأخير إلى أن قراءة "يوسف اليوسف" للظاهرة العذرية من التفسير الفرويدي، المبني على مبدأ اللذة ومبدأ الواقع. فمبدأ اللذة يكون منبعه "الهوى"، إذ هو ليس شيئاً أثرياً منذ مستهل تاريخ الأجناس، وإنما هو أيضاً أثري في حياة الفرد، لأنه يعد الأساس الذي تبنى منه الشخصية. أما "الهو" فيظل يحتفظ بطابعه الطفولي مدى الحياة، حيث لا يطيق التوتر، وإنما ينشد الإشباع الفوري، لهذا فهو مندفع على الدوام، لا يحده منطق، ولا يلجمه مجتمع، فهو كالطفل المدلل الكامن في الشخصية، تغلب عليه الأنانية وعشق اللذة(14) ونظراً لاندفاعية "الهو" نحو إشباع مبدأ اللذة في نفسية الفرد فإنه يُصْدَمُ بمبدأ الواقع، إذ مبدأ الواقع يمثله في نفسية الفرد "الأنا"، فيعمل جاهداً من أجل تصريف الطاقة "مبدأ اللذة" إلى حين اكتشاف الموضوع الذي يرضي الحاجة، أو إنتاجه وإرجاء الفعل، يعني على "الأنا" احتمال التوتر إلى أن يكون في الإمكان تصريفه بصورة مناسبة من صور السلوك. وقيام مبدأ الواقع لا يعني التخلي عن مبدأ اللذة، وإنما يُعَلَّقُ مبدأ اللذة مؤقتاً من أجل مبدأ الواقع. ولا يلبث مبدأ الواقع أن يقود إلى اللذة، وإن كان على الشخص أن يحتمل بعض الضيق وهو يبحث عن الواقع"(15). فالواقع الذي يصطدم به الفرد واقع مادي ومعنوي، ويمثل الواقع المادي في مقاومة العالم الخارجي لسلوك الفرد، أما الواقع المعنوي فيُمَثَّلْ في الأوامر والنواهي الصادرة مقاومة العالم الخارجي لسلوك الفرد، أما الواقع المعنوي فيُمَثِّلْ في الأوامر والنواهي الصادرة عن المجتمع، وعلى الفرد أن يدرك التمييز بين ما هو مسموح به وما هو محظور. "غير أن استجابة الفرد للنواهي وموقفه من المحظورات والمحارم تثير في نفسه شعوراً غامضاً من الانزياح والقلق والخوف، هو الشعور بالحصر، وكثيراً ما يتحول هذا الشعور بالخطيئة والذنب، ولا يلبث الفرد طويلاً حتى تصبح ذاته ميداناً للصراع الداخلي بين الشعور بالخطيئة وشراهته إلى اللذة والسعادة.. والعالم الاجتماعي والخلقي الذي يلزم الفرد إنكار ذاته لكي يرضي عنه المجتمع. وأخيراً هذا الحصر الذي تظهر بوادره في الشعور كلما اصطدم طلب اللذة بمقتضيات الواقع"(16)؛ لذلك فإن قراءة "يوسف اليوسف" ترى أن الوجع العشقي الذي يتميز به النص العذري ما هو إلا نتيجة لتصادم مبدأ اللذة عند العذري بمبدأ الواقع.

ليست قراءة "يوسف اليوسف" هي القراءة الوحيدة التي أبرزت ملامح الانشطار الداخلي عند العذري، بل نجد قبلها قراءة "العقاد" التي تفطنت كذلك إلى هذا المنحى رابطة ذلك بتعطيل الإرادة عند العذري، إذ "قد يبلغ بها العذري هذا التقييد لإرادته أن يحول بينه وبين فهم إرادته فلا يعلم ماذا يريد، فضلاً عن أن يَعْلَمَهُ ويعجز عنه، فإذا به قد انقسم على نفسه كما ينقسم المعسكر الواحد إلى ضدين متحاربين، ولا غنيمة لأحد منهما في انتصار، إذ هو انتصار لا يخلو في الحالتين من خسار"(17). انشطار داخلي أساسه الصراع النفسي الذي يتميز به العذري.

وما يمكن أن نلاحظه في الأخير: أن قراءة "يوسف اليوسف" للظاهرة العذرية قراءة تحمل في طريقة طرحها بعداً ميكانيكياً. إذ تعاملت مع الظاهرة العذرية من خلال سيرة الشخصيات التي تمثلها، لا من خلال الاقتراب من النص الإبداعي، لذلك فإن صلب القراءة هي محاولة البرهنة على أن الظاهرة العذرية في الحضارة العربية الإسلامية، ظاهرة عصابية مرضية، تجلت في سيرة شعرائها، ولم تقف عند هذا الحد، بل حاولت أن تضفي ذلك على حركة التاريخ في العصر الأموي، على اعتبار أن "الظاهرة العذرية التي سادت الشعر عهد ذاك لبضعة عقود من السنين، لم تكن إلاّ انعكاساً لميل حركة التاريخ الموضوعية نحو شكم العشق ابتغاء استنفار الطاقات الفردية وتوظيفها في معركة التوسع الإمبراطوري العربي"(18). ومن هنا تتجلى لنا النظرة التعميمية لعصابية الشعراء العذريين على الظاهرة العذرية، ومن ثم على التاريخ العربي الإسلامي عهد ذاك، متجاهلةً بشكل مطلق النّص الشعري العذري الذي كانت من المفروض أن تعود إليه لتستنطقه، لعلها تجد من خلاله مبررات لما تذهب إليه، لا أن تعتمد على شخصية المبدع لتجعل من سيرتها وثيقة لتطبيق مبدأ اللذة ومبدأ الواقع على الظاهرة العذرية، وما اتسمت به من صدق في الوجع العشقي.

4-النوستالجيا: [الحنين]

إن القارئ للشعر العربي قديمه وحديثه، يلاحظ أن الأدوات الجمالية التي اعتمد عليها في بنائه الفني تتمثل على وجه الخصوص في [المكان والزمان والمرأة]، إذ أضفت عليه أبعاداً درامية وحساً مأسوياً أدى دوراً هاماً في إبراز هوية الكيان الجماعي، والتعبير عن المقومات الحضارية للمجتمع العربي، وقد أثرت العوامل البيئية في المفاهيم الجمالية والفنية للمكان والزمان والمرأة، أي في القيمة النوستالجيا لهذه العناصر مجتمعة في النص الشعري، وما يحمله من رؤية إبداعية، وبذلك أصبحت هذه العناصر النوستالجية إشكالية ذات أبعاد إنسانية ودلالة مأساوية بعثت في النص الشعري أبعاداً درامية، وحساً [تأويهياً] أضفى عليه مسحة جمالية.

إن إشكالية جمالية المكان والزمان المدغومة بعنصر المرأة من الإشكالات التي ظهرت بوادر توظيفها الفني الجمالي في القصيدة الجاهلية، وتعتبر المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي أبرز معلم فني تجسدت فيه نوستالجية العربي المهموم بحس المكان والزمان والمرأة، على اعتبار أن هذه الأسس الجمالية الثلاثة هي المكون الأساسي للطللية الجاهلية، التي أصبحت طقساً فنياً للقصيدة العربية فيما بعد، نظراً لما تحمله من أبعاد جمالية، ورؤى معرفية تجسدت فيها رؤية العربي في رحمها الأول المشبعة بالصفاء النفسي. يقول امرؤ القيس
(19):

بِسِقْطِ اللّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

قفَا نَبْكِ مِنْ ذكْرَى ومَنْزِلِ




ويقول زهير(20):

بِحَوْمالَةِ الدَّرَاجِي فَالمُتثلَّمِ

أَمِنْ أُمِّ أوْفَى دِمْنَهً لَمْ تَكَلَّمِ




تعد المقدمة الطللية الإطار المحدد لخصوصية اللحظة الدرامية المصورة للذات العربية في تاريخها الأول. هذه النزعة الدرامية التي صنعها الطلل تتضمن بعدا نفسياً يتجلى في صورة المكان الخرب الذي عبث به الزمن. ومما لا شك فيه أن الصورة الشعرية بتكوينها "الزماني" تزيد من خصوصية اللحظة الدرامية للطللية العربية، إذ يشير المكاني الزماني فيها عبر امتزاج جمالي بالمرأة [الحبيب] إلى الحس المأساوي النوستالجي الذي تحمله الطللية العربية في القصيدة الجاهلية.

إن النوستالجيا [الحنين] في أبعادها المكانية والزمانية المدغومة بالمرأة لم يقتصر توظيفها على المقدمة الطللية فقط، بل نجد القصيدة العذرية قد اعتمدت اعتماداً بارزاً على توظيف المكان والزمان والمرأة توظيفاً جمالياً أضاف إليها جمالية لم تكن تتوافر عليها القصيدة الجاهلية، وجعل من المرأة [الحبيب] المثير الرئيس لحس المكان والزمان، بعد ما كانت المرأة [الحبيب] تابعة للمكان في المقدمة الطللية.

ومن القراءات التي وقفت على ظاهرة النوستالجيا في الظاهرة العذرية قراءة "يوسف اليوسف" "الغزل العذري دراسة في الحب المقموع". إلاّ أن أول ما يستوقف القارئ عند هذه القراءة توظيفها مصطلح "النوستالجيا" في مرجعيته الغربية، للدلالة على التحسر على المكان والزمان المدغوم بحس المرأة. مما يجعلنا نتساءل: هل القاموس المعجمي العربي يفتقر إلى مصطلح معادل "للنوستالجيا" لتوظيفه في قراءة الظاهرة العذرية؟

إن العودة إلى المعاجم العربية تجعلنا نقف على كلمة [الحنين] الدالة على "الشوق وشدة البكاء والطرب أو صوت الطرب عن حزن أو فرح"(21)، في حين نجد أن مصطلح "النوستالجيا" في مرجعيته الغربية يدل على "تحسر على الماضي، أو البلد الذي أُبعد عنه"(22)؛ فالمتمعن لكل من كلمة [الحنين] في معجميتها العربية، ومصطلح "النوستالجيا" في مرجعيته الغربية يدرك أن كلمة [الحنين] تدل دلالة شاملة، إذ تشمل الشوق في حالتي المأساة والحزن والتفاؤل والفرح. أما الدلالة الغربية لمصطلح "النوستالجيا" يبدو أكثر محدودية، إذ يدل على حالة التحسر التي هي مرحلة من مراحل المأساة في بُعدها المكاني والزماني فقط، دون الإشارة إلى عنصر المرأة [الحبيب] الذي يعد المثير الأساسي في الحنين العذري. فالحنين "النوستالجيا" في الظاهرة العذرية مرتبط في أساسه بالمرأة، أما المكان والزمان فهما تابعان لها، ومن ثمّ كان الأجدر بقراءة "يوسف اليوسف" أن تُوَظفَ مصطلح [الحنين] ذا الدلالة العربية لأنه يبدو أكثر شمولية في دلالته على العناصر الحنينية الثلاثة بدل من مصطلح "النوستالجيا" الذي يبدو أكثر محدودية في دلالته على حالة التحسر على المكان والزمان فقط مع إهمال المثير الرئيس للحنين في الظاهرة العذرية المتمثل في المرأة [الحبيب].

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:07 am

إن الحنين أخذ بُعداً شمولياً في القصيدة العذرية. والمقصود بالشمولية توظيف العناصر الحنينية من بداية القصيدة إلى نهايتها، بعد ما كانت مقتصرة في القصيدة الجاهلية على المقدمة الطللية فقط وقد تجسد هذا التوظيف في القصيدة العذرية تجسيداً جماليا عرفانياً صوفياً أعطى للقصيدة العذرية رؤية جديدة مثلت ذلك الانقلاب الفكري الذي أحدثه الإسلام، فغيّر المفاهيم والرؤى العربية خاصة في التعامل مع كُبريات القضايا الفنية والجمالية التي كانت تعتمد عليها القصيدة الجاهلية.

إن قراءة "يوسف اليوسف" تؤكد أن المكان والزمان المدغومين بحس المرأة هي العناصر الأساسية في الحنينية العذرية، وأنه كلما توافرت هذه العناصر الثلاثة في النص الواحد كان نصاً في قمة بعده الحنيني "النوستالجي"، و"لعل خير قصيدة عذرية حققت هذا النزوع هي عينية الصمة القشري التي تدعم حس المكان والزمان بحس المرأة"(23) وأن أي قصيدة لا تتوافر على العناصر الثلاثة هي قصيدة أدنى مستوى من القصيدة التي تتوافر على العناصر الثلاثة، إذ "إنه كلما تناقصت العناصر الثلاثة السابقة، تناقصت فاعلية القصيدة وتأثيرها الانفعالي، بمعنى أن حذف عنصر واحد يؤدي إلى مستوى أدنى من مستوى قصيدة تنطوي على العناصر الثلاثة الكاملة، أما حذف عنصرين فيضع القصيدة دون مستوى تلك التي تحتوي على اثنين"(24) وهي قراءة لم تدرك أن النص العذري في شموليته نص في حنينيته يتوافر على العناصر الثلاثة سواء أكان مصرحاً بها في القصيدة أم كانت مضمرة، لأن تذكر الحبيب والشوق إليه يفضي بالضرورة إلى الحنين للمكان والزمان، فهو عملية نفسية مركبة في أساسها من استحضار الحبيب في مكان وزمان معينين. فالنص العذري في شموليته يحتوي على تلك العناصر السابقة الذكر سواء أصُرحَ بها أم لم يصرح بها؛ إذ التصريح بواحد منها يدل على العنصرين، وهذا ما لم تتفطن له قراءة "يوسف اليوسف" فجعلت عدم التصريح بعنصر أو عنصرين آخرين نقصاً يشين بجمالية القصيدة العذرية، لأنّ هناك ارتباطاً جوهرياً بين المكان والزمان، و"في بعض الأحيان نعتقد أننا نعرف أنفسنا من خلال الزمن في حين أن كل ما نعرفه هو تتابع تثبيتات في أماكن استقرار الكائن الإنساني الذي يرفض الذوبان والذي يود أن يحيا في الماضي -حين يبدأ البحث عن أحداث سابقة- أن يمسك بحركة الزمن. إن المكان في مقصوراته المغلقة التي لا حصر لها يحتوي الزمن مكثفاً وهذه هي وظيفة المكان تجاه الزمن"(25)، وبذلك ندرك أنّ الفصل بين العناصر الثلاثة فصلاً ميكانيكياً عمل يشين بالكون الحنيني العذري أكثر مما يزينه.

إن قراءة "يوسف اليوسف" للزمان والمكان في الظاهرة العذرية اعترتهما شمولية أوقعت القراءة في عمومية، فأبعدتها عن إدراك البعدين الجمالي والمعرفي للزمان والمكان اللذين يشكلان الخطاب العذري. فالزمن العذري المتمثل في الماضي بكل ذكرياته عنصر اطمئنان، لأن العذري كان يدرك أن الحياة محصورة بين قطب البداية والنهاية، ولذلك أضحت تجربة العذري خاضعة لقاعدة شرطية فحواها: أن كل وجود يفضي حتماً إلى العدم، وكل عدم قابل لانبثاق الوجود منه، وعليه فإن الزمان ضرورة حتمية لحركة الوجود، وأن العذري في صراع أبدي مع الموت الذي يدفعه الزمن نحو صيرورته الدائمة. فالعذري لا يخوض حرباً مع الموت بل إنه على الأصح يخوض حرباً ضد الخوف من الموت، لأنه يحس أن الموت علامة اكتمال للحياة، وأن ذلك لا يتحقق إلا بالذوبان في المحبوب. فالحنين إلى المرأة [الحبيب] في القصيدة العذرية يذوب في إطاره الزمان والمكان والوجود كله، وبذلك يرى العذري في حبيبته البداية والنهاية والحياة بكاملها، بل السرمدية في أبديتها. يقول جميل بُثَيْنَة:(26)

وَمِنْ بَعْدِ مَا كُنّا نطَافاً وفي المَهْدِ

تَعَلَّقَ رُوحي رُوحَهَا قَبْلَ خُلِقْنَا


وَلَيْسَ إذا مِتْنَا بمُنْصَرِمِ العَهْدِ

فَزَادَ كَمَا زِدْنَا، فَأَصْبَحَ نَامِياً


وَزَائِرُنَا في ظُلْمَةِ القَبْرِ واللَّحْدِ

ولَكِنَّهُ باقٍ عَلَى كُلِّ حَادِثٍ



إن الحنين في القصيدة العذرية مرتبط في بعده الزماني بالطيف، "إذ كانت الطيفية هي التعبير الأبرز عن تشبت الذاكرة بماضيها وأصالتها معاً" وفي هذا السياق نلفي "كثير عزة" يقول: (28)

تَمَثّلَ لي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ

أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فكَأَنَّمَا




وأما جميل بثينة فيقول:(29)

مِنَ الدَّهْرِ، إلاّ اعْتَادَنِي مِنْكِ طَائفٌ

فَمَا سِرْتُ مِنْ مَيْل، وَلاَ سِرْتُ لَيْلَةً


ولا لَيْلَةٌ، إلاّ هَوَى مِنْكِ رَادِفُ

ولا مَرّ يَوْمٌ، مُذْ تَرَامَتْ بِكِ النَّوَى




فالخيال عند العذري هو الصانع الأساسي للطَّيْف، وذلك ما وقفت عنده قراءة "يوسف اليوسف" إذ ترى أن من خلال الطيف يحاول العذري "استرداد الفردوس المفقود، وبالتالي فهو شكل خفي من أشكال مقاومة الانصياع، أو لنقل هو مظهر لا شعوري من مظاهر إدانة الزمن المسروق. إنه احتجاج مقنع ضد البرهة المفرغة، ومحاولة تعويضية لخلق برهة الفرح المنهوبة"(30) وعليه فالطيف العذري إدانة للزمن المسروق، ومحاولة تعويضية لخلق برهة الفرح المنهوبة، وبذلك يحقق العذري حريته اتجاه الردع متيقناً أن الخيال هو المجال الوحيد الذي لا يمكن للقهر أن يقهره، إذ يقوم الخيال عن طريق الطيف بوظيفة تعويضية يحقق التطهير من خلالها. الشيء الذي يجعل منها آلية دفاعية جبارة، وهذا يعني أيضاً أن الوظيفة الكبرى للطيف هي صيانة التماسك الداخلي للذات.

لقد ركزت قراءة "يوسف اليوسف" على الجانب الذاتي لوظيفة الطيف في علاقته بالزمن العذري، متجاهلة أبعاده الجماعية، إذ تعتبر العذرية إحدى النماذج الإبداعية العليا التي اصطفتها فلسفة الخطاب الشعري، لتحمل رسالة الهم الاجتماعي، وإن كان هذا الهم ممزوجاً بالذاتي إلاّ أن فيه صدق التعرف إلى الواقع، وتناقضاته وإدراك الفوارق الموجودة فيه، وقد كانت محنة العذريين تمثيلاً لديمومة الحياة النابضة بالحركة والمجاهدة من أجل صياغة التركيب الكلي للوعي السليم، وأن "الشعور المحايث بالزمان هو الصورة الجوهرية لهذا التركيب الكلي الذي يجعل جميع التركيبات الشعورية الأخرى في حيز الإمكان"(31).

لهذا فالخطاب العذري يحمل صوراً متعددةً لوظائف الزمان منها الطابع المأساوي الذي يجسد الحس الساخر من الحاضر باستخراج الذات من الماضي من أجل انقاذ الحاضر المشلول معتمداً على عنصر الطيف كأداة فنية جمالية فالذكرى "لا تُعَلَّمُ دون استناد جدلي إلى الحاضر، فلا يمكن إحياء الماضي إلاّ بتقييده بموضوعة شعورية حاضرةٌ بالضرورة.. لا بد لنا من معاودة وضع ذكرياتنا، شيمة الأحداث الفعلية، في وسط من الأمل والقلق، في تماوج جدلي. فلا ذكريات بدون هذا الزلزال الزمني.. حتى في هذا الماضي الذي نعتقده ممتلئاً، فإن الذكرى.. تعيد وضع الفراغ في الأزمنة غير الفاعلة، إننا حين نتذكر بلا انقطاع، إنما نخلط الزمان الغير المجدي وغير الفعال بالزمان الذي أفاد وأعطى. ولا تكون جدلية السعادة والتعاسة مستحوذة إلى هذا الحد إلا عندما تكون متوافقة مع جدلية الزمان. عندئذ نعلم أن الزمان هو الذي يأخذ وهو الذي يعطي"(32). فالزمن العذري زمن مرتبط في أساسه بالحس الباطني، هو زمن التجربة الداخلية للعاشق بعيداً عن الزمن الفيزيائي الذي يتحكم فيه الضبط والتدقيق. إنه زمان التجربة الداخلية، أو زمان الحس الباطن.. هو الديمومة التي يحياها العقل في صيرورة أفعاله وعملياته ورحلاته الداخلية.. هو الزمان النفسي أو السيكولوجي"(33).

أما إذا عدنا إلى حنينية المكان في الظاهرة العذرية فإننا نجد أن قراءة "يوسف اليوسف" لامسته ملامسة سطحية شمولية دون أن تقف عند أبعاده النوستالجيا [الحنينية] خاصة في جانبها الجمالي والنفسي. فالمكان العذري يحمل بعداً نفسياً داخل النص، وداخل الصورة الشعرية، إلى جانب وظائفه الفنية، وأبعاده الاجتماعية والتاريخية المرتبطة به خاصة في سياقاته المرجعية. فعلاقة العذري بالمكان علاقات شتى تجعل من معايشته له عملية تتجاوز قدرته الواعية في لا شعوره. فالمكان عند العذري له جاذبيته تساعده على الاستقرار وأخرى تلفظه، ولذلك فهو لا يحتاج إلى مساحة فيزيقية جغرافية يعيش فيها، ولكنه يصبو إلى رقعة يضرب فيها جذوره، وتتأصل فيها هويته، ومن ثمّ يأخذ البحث عن الكيان هويته شكل فعل على المكان لتحويله إلى مرآة ترى فيها "الأنا" صورتها. إن جمالية المكان في النص العذري تكمن في تحويل الحس إلى مكان شعري يتحول معه المكان المحسوس إلى مكان روحي ذي طابع قدسي، ساعدت على تحويله جمالية اللغة العذرية ذات المخزون الدلالي الحامل لعرفانية العلاقة القائمة بين العاشق والمعشوق التي حولت المكان من قيمة دالة على فعل شبقي إلى رمز دال على طهر وروحانية وعرفانية.

أخيراً نخلص إلى أن الحنين "النوستالجيا" في الظاهرة العذرية مرتبط بالمرأة [الحبيب]، أما الزمان والمكان فهما من فعل التداعي الذي يربطهما بها، لذلك فالنص العذري أعطى الصدارة في التوظيف للمرأة [الحبيب]، وجعل منها المركز الحنيني النوستالجي والمكان والزمان مرتبطان بها، وذلك ما لم تقف عنده قراءة "يوسف اليوسف" بل ساءت بين وظائف العناصر الثلاثة [المرأة- المكان- الزمان] في النص العذري، ولكن على الرغم من عمومية هذه القراءة وشموليتها على العناصر الحنينية "النوستالجيا" في العذرية، فإنّ ذلك لا يشين ولا ينقص من قيمتها النقدية، إذ الفصل الأول يعود إليها في إثارتها للقيم الحنينية للظاهرة العذرية خاصة في توظيفها للعناصر الثلاثة [المرأة- المكان- الزمان].

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:08 am

5-الكبت:

الكبت من أكبر الظواهر النفسية التي ركز عليها التحليل النفسي، إذ يُعتبر النواة الأساسية لدراسة النفس الإنسانية في باطنها، وتفسير السلوك الصادر عنها، محاولاً على أساسه الغوص إلى أعماقها من أجل معرفة دوافعها الباطنية، إذ إنّ "نظرية الكبت هي حجر الزاوية الذي تقوم عليه كل عمارة التحليل النفسي"(34) ومن ثمّ تتضح أهمية الكبت في الكشف عن الكثير من الجوانب النفسية.

فهو "الشحنة الانفعالية" "للهو" أو "الأنا" أو "الأنا الأعلى" التي تولد القلق، وقد تمنع من الانطلاق إلى سطح الشعور، أو قد تتصدى لها شحنات انفعالية مضادة، أو القضاء على شحنة انفعالية أو وقفها بواسطة شحنة انفعالية مضادة يسمى كبتا"(35) فالتركيب المعقد للنفس في انفعالاتها وشحناتها العاطفية خاصة في تدخل "الهو" تمثل الجانب الغرائزي المادي الذي يحاول دفع السلوك اللاّشعوري للانطلاق إلى سطح الشعور، حتى تتحقق على أرض الواقع، ولكن "الأنا الأعلى" الذي يمثل مجموعة القيم الروحية والاجتماعية والأخلاقية تحاول أن تقف في وجه "الهو" حتى لا يطفو على السطح، ويتجسد في سلوك الإنسان هذا الصراع بين "الهو" و"الأنا الأعلى" ينتج عنه كبت لكثير من السلوك والذي يكون مصدراً لكثير من النصوص الإبداعية.

إن الحديث عن علاقة الإبداع بالكبت، حديث يقودنا إلى عمق الدوافع الكامنة وراء ولادة النص الإبدعي في علاقته بالمبدع، والمحيط الذي وُلد فيه، على أساس أن النص الإبداعي نتيجة تفاعل بين واقع اجتماعي أو سياسي أو حضاري بشكل عام، ونفسيةٌ المبدع. "فالإبداع كالحلم، وما دام الحلم يتبدى على شكل صورة، فإن تلك الصورة التي تتبدى للحالم وللشاعر رموز المكونات اللاشعور"(36). فالنص الإبداعي -وفق هذه النظرية -ما هو إلاّ رموز تجسدت على شكل صورة لغوية حاملة لمكونات لا شعورية.

إن نظرة "فرويد" إلى المبدعات الفنية الكبرى لا تخرج عن كونها تؤكد الطابع الكبتي للإبداع، إذ إنّ المبدعات الفنية عنده ليست إلاّ تعبيراً عن مكونات الطفولة، ودوافعها الملحة.

ويؤكد هذه النظرة أحدُ أتباع "فرويد" بقوله "تبرهن لنا سيكولوجية اللاشعورية برهاناً قاطعاً لا مراء فيه، على أن الخلق الفني ليس في جميع تجلياته، إلاّ ظاهرة بيولوجية نفسية، إلاّ تعويضاً تصعيدياً عن رغبات غريزية أساسية ظلت بلا ارتواء بسبب عوائق من العالم الداخلي أو العالم الخارجي"
(37)، ومن ثمّ يصبح النص الإبداعي مجالاً من المجالات التي تفرغ فيها المكبوتات النفسية.

الظاهرة العذرية من الظواهر الإبداعية الكبرى في التراث العربي القديم التي حملت حساً مأساوياً [تأوهياً] أعطى للتغني بالعشق، والذوبان فيه، والعيش من أجله، بعداً جمالياً. وقف أمامه العديد من النقاد محاولين الوصول إلى العوامل النفسية والحضارية التي حوّلت العشق من قيمة إفراغية إباحية إلى قيمة فنية، تحمل بعداً جمالياً وحضارياً. ولعل قراءة "يوسف اليوسف" للغزل العذري من القراءات التي حاولت إظهار الجوانب الكبتية في الظاهرة العذرية، وهذا ما يؤكده بقوله: "الظاهرة العذرية التي سادت الشعر عهد ذاك لبضعة عقود من السنين، لم تكن إلاّ انعكاساً لميل حركة التاريخ الموضوعية نحو شكم العشق ابتغاء استنفار الطاقات الفردية، وتوظيفها في معركة التوسع الإمبراطوري العربي الساعي نحو الحفاظ على روح العالم حية ومتفجرة"(38). فحركة التاريخ في العالم العربي عهد ذاك والهادفة إلى تحقيق المجتمع الإسلامي بأبعاده الحضارية والسياسية والاجتماعية والروحية وخلق قوة سياسية واجتماعية تحقق الطموح الجماعي الأمة العربية الإسلامية، جعلتها تسخر كل الطاقات الفردية من أجل تحقيق الهدف الحضاري، لكنها لم تتغافل عن متطلبات الذات الفردية خاصة في جانبها الغرائزي، بل حاولت أن تخلّق توازناً بين ما هو جسدي وما هو روحي، فكونت فرداً آثر التضحية في كثير من الأحيان -على متطلبات المادية من أجل الهدف الحضاري الأسمى، لذلك أصبحت الذات مقبلة على أفعالها طواعية لا مرغمة، وهذا ما لم يدركه "يوسف اليوسف" فيما ذهب إليه عند تحليله لنشأة الظاهرة العذرية، فوقع في التعميم بدلاً من التخصيص. فالمجتمع الإسلامي الأول لم يشكم العشق، وإنّما وجهه ليصبح عاملاً بناء، بعد ما كان عامل خمول وركود. أما في العصر الأموي فالعذرية ظهرت بتشجيع من بني أمية، لصرف نظر كثير من الفئات الاجتماعية عن التطلع إلى الإمارة، التي كان أساسها الأول، أنها لمن هو أهل لها. فالعذرية اتسمت بحس تأوهي مأساوي، لأنها كانت تعبيراً عن الكبت الحضاري الذي سلط على الذات في العصر الأموي. كبت تجسد في الحركة الإبداعية التي أخذت أبعاداً موحدة بين كثير من شعراء البادية الحجازية.. "فالنحن إذاً قاعدة يستند إليها توازن الشخصية، ومن ثمّ فإنّ أي اختلال يصيب توازن الشخصية بخلل عميق، عندئذ تدفع الشخص في محاولات للتغلب على الصدع الذي أحدث هذا الاختلال، وتكون محاولاته عنيفة تبعاً لعمق الصدع وقوة "النحن"، بل تكون في شكل إعصار من النشاط أحياناً، وتختلف مظاهر هذا النشاط تبعاً لنوع الصدع وتاريخ الشخصية، وبالتالي يختلف مظهر التوازن الذي يتحقق بعد ذلك" (39). فالعذرية في رأي "يوسف اليوسف" تجسيد بارز لخيبة الأمل التي أصيبت بها الذات العربية الإسلامية في العهد الأموي، هذه الذات التي كبتت متطلباتها الغرائزية من أجل تحقيق المشروع الحضاري للأمة، لكن العهدة الأموية غيرت المسار الرئيس للمشروع؛ لذلك أصيبت الذات بصدع أفرز لا توازناً، وإحباطاً في الشخصية الإسلامية، فعادت الذات إلى التفكير في إشباع متطلباتها الغرائزية بعدما تنازلت عنها.

فالعذرية -إذن- صرخة عالية في وجه المجتمع "النحن" كيف لايقف أمام متطلبات الذات التي ترى أنّ العشق حق من الحقوق الأزلية للذات لايمكن التفريط فيه، وحتى وإن تنازلت عن هذا الحق الأزلي من أجل تحقيق طموح جمعي، وبالتالي التضحية "بالأنا" من أجل "النحن"، فعلى المجتمع أن يحقق المبادئ السامية التي ضحّت الذات بها، وتنازلت عن حقوقها الأزلية من أجلها، لكن ذلك لم يحدث في التاريخ العربي الإسلامي، وبخاصة في مرحلة الحكم الأموي، والتي كانت مرحلة خيبة أمل في التاريخ العربي الإسلامي، فحولت مجرى الأحداث التي تهدف إلى بناء مجتمع عادل وحر قوامه الشورى؛ لذلك كانت المرحلة الأموية تمثل شرخاً في مسيرة المجتمع الإسلامي، وحيث أحدث صدعاً وإحباطاً عاماً عند المسلم الذي ضحى بحقوقه الأزلية من أجل تحقيق المشروع الحضاري للأمة الإسلامية. إنّ هذا الصدع والإحباط تجسدت قيمه المعرفية والفنية في الحركية الإبداعية لدى الشعراء العذريين. فالعذرية -إذن- إفراز كبتي لصورة الإحباط والصدع الذي أصيب به العربي في المرحلة الأموية. "وثمة مفارقة أخرى فحواها أن أهداف الفرد لم تعد متوافقة مع أهداف التاريخ في العصر الأموي، وذلك لأن الإمبراطورية لم تعد مخلصة للخط الإسلامي الديموقراطي الذي يتبناه قاع الشعب. فهزيمة التيار الإسلامي النقي، وبتحول الإمبراطورية من الجمهورية الديموقراطية إلى الملكية الاستبدادية انفصل الفرد عن جسم الدولة، وأقامت بينه وبين ذلك الجهاز، الذي بات متعالياً على المواطن قطيعة لم يعد بالإمكان ردمها. وهنا دخل العقل العربي في مشاقة مع شرطه التاريخي وأخذ يفرز فكراً سلبياً ينطوي على المعارضة انطواء صريحاً ومضمراً" (40). فالظاهرة العذرية تعبير عن الشرخ الحضاري الذي انعكس على الذات العربية الإسلامية في فترة من فترات ردتها السياسية والاجتماعية، من مجتمع يعمل من أجل الوصول إلى غايته الكبرى. إلى مجتمع يعمل من أجل بلوغ غايات عائلة مالكة، كبحت النفوس، وقسرتها بقوة الدم والحديد.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:09 am

إنّ تأوهية الشعر العذري على الرغم مما يمثله من جمالية فنية يعبر كذلك عن ذات مكبوتة لها أهدافها الكبرى ومتطلباتها الغرائزية التي تريد تحقيقها وإشباعها "فنحن نفترض أنّ الذي تتعرض له الشخصية بين أهدافها الخاصة والهرم المشترك للجماعة، يمكن أنْ يكون منشأ العبقرية كما أنه يمكن أن يكون منشأ الجنون" (41). ولهذا فالظاهرة العذرية إفراز لانشطار الذات بين القبول والرفض. القبول بمطالب الروح التاريخي الداعي إلى مبادئ إنسانية سامية، أصبحت تشكل جوهر الفرد الذي صاغه التغيير التاريخي، داخل حركة المجتمع الإسلامي من كل جوانبه الروحية والمادية، والرفض الذي تمارسه الذات من حيث هي طبيعة غرائزية تشكل ضغطاً من أجل إشباع حاجاتها الأزلية. هذا الانشطار الذاتي ولد كبتاً جمعياً داخل المجتمع ذي الطابع الحظري للعشق من حيث هو عطالة وسكينة لحركية الذات، واندفاعيتها في اتجاه صنع التاريخ، والحفاظ على المجتمع في كليته من حيث هو هدف جمعي، إذ "اعتاد الروح التاريخي عهد ذاك أن يشكم العشق في المجتمع الإمبراطوري العربي، لأن العشق، من حيث هو نزوع إلى السكينة يتعارض مع تربية الفارس، صانع الإمبراطورية وحامي الحضارة من التفسخ، فكان الانشطار بين القبول والرفض، القبول بمطالب الروح التاريخي للمثل وهو ما يعدُ جزءاً من الداخلية للأفراد، والرفض الذي تمارسه الطبيعة الأصلية للروح الفردي على هذا الضغط الكلي كيما تشبع حاجاته الأزلية"(42). إنّ الذات المكبوتة ذات انشطارية ميالة إلى السكينة، عاجزة عن مواجهة متطلبات الحياة الواقعة. فهي ذات سلبية في صنع حركة التاريخ، وتلك ميزة العذري. إذ "إنّ الشخص الذي يعاني الكبت، يتسم بالفقر والجذب في طاقاته النفسية، وتعجز عن مواجهة متطلبات الحياة والواقعة والمهام اليومية المطلوبة" (43). فالذات العذرية في سلبيتها وانطوائيتها في مواجهة الواقع، ذات مكبوتة في أهدافها الحضارية والغرائزية الفطرية.

إنّ "يوسف اليوسف" في قراءته لكبتية الظاهرة العذرية نلفيه يجمع بين التحليل النفسي والدراسة الاجتماعية فهي قراءة مزجت بين القراءتين، فأعطت للظاهرة العذرية بعداً حضارياً قلما وقف عنده النقاد. فقراءته النفسية انطلقت من أنّ الظاهرة العذرية سلوك كبتي ولده التصادم بين أهداف "النحن" ومتطلبات "الأنا" من نظرة فرويدية في تفسيرها للسلوك الإنساني المنتج للمبدعات الكبرى. فجوهر "التحليل النفسي، عند "فرويد" يقتصر على أنّ التطور النفسي للإنسان، ليس إلاّ تحولاً للدوافع الجنسية، وأنّ الحياة الاجتماعية ترجع في الأساس إلى نشاط العمليات اللاشعورية والغريزية المختلفة لشخصية الفرد، ويعتبر "فرويد" أنّ الشخصية ذات بيولوجية تعيش في المجتمع وتخضع لتأثيره، ولكنها تعارضه"(44). فالعذرية -إذن- شكل من أشكال المعارضة، وصيحة في وجه المجتمع الذي يحاول -وبكل قوته- أن يخضع الذات لتوجيهاته العامة، وإرغام الفرد على التنازل عن طبيعته الأصلية.

إنّ ظاهرة إخفاء الهوى والتكتم، والسر، خشية الافتضاح من السمات الأساسية للنص العذري. يقول جميل بثينة: (45)

لَكيْمَا يَرَوْا أنَّ الَهوَى حَيْثُ أَنْظُرُ

سَأَمْنَحُ طَرْفِي، حِينَ أَلْقَاكِ، غَيَرَكُمْ


يُوَافقُ طَرْفي طَرْفَكُمْ حِينَ يَنْظرُ

أُقَلِبُ طَرْفِي في السَّمَاءِ، لَعَلَّهُ


زِيَارَتَكُمْ والُحُبُ لا يَتَغَيَّرُ

وأُكَنِي بِأَسْمَاءٍ سِوَاكِ، وأَتَّقِي


إذا خَافَ، يُبْدِي بُغْضَهُ حِينَ يَظْهَرُ

فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا وَاجِداً بِحَبِيبَةٍ



فالرقابة والحظر أساسا التكتم الذي اتسم به الشعر العذري، فهو يعبر عن موقف حضاري، لأنّه "لايمكن الجزم في أنّ التصعيد الرامي إلى إنتاج الحضارة كان نصب أعين القوى المانعة، أو الكابحة، حين أقدمت على التحريم، وذلك لأن التصعيد لم يكن إلاّ نتيجة الكبت لا سببه" (46).

فالكبت إذن أساس أولي في ولادة النص العذري، هذا النص الذي كان أساس الظاهرة العذرية ذات الأبعاد الحضارية المتصلة بعمق المجتمع العربي الإسلامي، في فترة من فترات تاريخه المتسم بالإحباط، الذي عانت منه الذات العربية الإسلامية، وعاشت بين طموح مأمول، وواقع مفروض ومرفوض، لكن الذي يلاحظ على قراءة "يوسف اليوسف" -وعلى الرغم من إدراكها لكثير من الجوانب المهمة في الظاهرة العذرية- أنّها حاولت أن تقرأ التاريخ العربي الإسلامي في الفترة الأموية من خلال مجموعة اجتماعية معزولة داخل المجتمع، ومن ثمّ وقعت في تعميم الجزء على الكل انطلاقاً من زمرة اجتماعية هامشية. فإذا كانت الظاهرة العذرية تمثل زمرة داخل المجتمع الأموي فمن الخطأ أن نقرأ التاريخ انطلاقاً من الجانب المهمش فيه فقط.

6-تعطيل الإرادة:

إنّ موضوع الإرادة من الموضوعات الفلسفية والسيكولوجية التي وقع خلاف حول تحديد طبيعتها والعوامل الموجودة لها؛ إنّ المدارس السيكولوجية باختلاف توجيهاتها لم تفلح في تحديد ماهيتها ودوافعها والعوامل. إذ يخضعها بعضهم للعقل، وبعضهم الآخر يضع العقل تحت سيطرتها، ويرى آخرون أنّ محك الإرادة هو الاختيار والعزم، دون التنفيذ، ويرى أنّ الفعل الإرادي لايتم إلاّ بالتقييد. وتذهب المدرسة السلوكية الآلية إلى أن الإرادة وهمٌ من الأوهام. لكن الحقيقة التي يستخلصها الدارس من إشكالية الإرادة بأبعادها السيكولوجية والفلسفية. هي أنها قوة نفسية وعامل سيكولوجي، لايمكن للدارس أن ينكر حقيقتها أو يغفلها، أما دوافعها فمختلفة المصادر، منها ماهو بيولوجي ومنها ماهو اجتماعي وسيكولوجي. فحياة الإنسان ليست حياة فرد مستقل، بل حياة فرد يعيش في مجتمع، إنّها حياة تسهم في نشاطها مجموعة من العوامل، وليست الإرادة في مظهرها الأول سوى مجموعة هذه الدوافع عندما تتآزر لتحقيق هدف ما، وبذلك فهي أكثر صلة بالحوافز، لأنها في الواقع تنظيم لهذه الحوافز، ولايتم تنظيم الحوافز إلاّ بانضمام البواعث إليها بفضل تهذيب المجتمع.

إنّ قراءة متأملة لكبريات القضايا التي وقف عندها النقد العربي الحديث في اتجاهه السيكولوجي، إشكالية تجعلنا نطرح الأسئلة التالية: هل الإبداع وليد اللحظة الواعية أم وليد اللحظة اللاواعية؟ ابن الشعور أم اللاشعور؟ وماهي علاقة الفعل الإرادي بشخص الكاتب وإبداعه الفني.

إنّ الظاهرة العذرية في التراث العربي، تحوم حولها ظلال إشكالية الإبداع وعلاقته بالإرادة، لأنّ العشق بوصفه سلوكاً إنسانياً مرتبط في وجوده بأغوار النفس البشرية، ويجعل منها في كثير من الحالات نفساً تصدر عنها بعض السلوك الذي يقف أمامه الدارس موقف المتأمل الفاحص، وبخاصة إذا كان المترجم لهذا السلوك النص الإبداعي، ومايدور حول ولادته من ملابسات اجتماعية وتاريخية، تنسج حوله تراجم وسير للمبدع تنم في جوهرها عن علاقة حميمة بين المبدع وإبداعه.

وقراءة "العقد" لجميل بثينة" من القراءات التي حاولت أن تقف عند إشكالية الإرادة وعلاقتها بالظاهرة العذرية من خلال مقاربة لسيرة أحد روادها وإبداعه، إذ ترى أنّ "تعطيل الإرادة أصيل في الهوى كله، ولاسيما الذي نسميه بالعشق أو نسميه بالغرام، لأن المرء يرتبط فيه بإرادة شخص آخر فهو مقيد بهذا الارتباط الذي لاتتفق فيه الإرادتان في جميع الأحيان.... وينتهي به الأمر إلى البقاء على حاله عجزاً عن تغييره لا سروراً به ولا رغبة فيه... فهو لا يتعلق بمعشوقته لأنه راض عن هذه العلاقة يتلذذها، ويتشهاها، ويتذوق النعمة والهناء فيها، ولكنه يتعلق به لأنه عن فراقه، مقيد بضروب من العادات والوساوس لاحيلة له فيها ولا قدرة له عليها" (47) فالمتأمل لقراءة "العقاد" يدرك فهمه للإرادة على أنها سلوك مرتبط في أساسه بالوعي وهذا مايجعلنا نلاحظ أن المعجم النقدي "للعقاد" في مناقشته لإشكالية الإرادة وعلاقتها بالعشق معجم يوظف مصطلح الإرادة توظيفاً بعيداً في مرجعيته الفلسفية عن المعنى الدقيق لمصطلح الإرادة خاصة عند "شوبنهاور" الذي يرى أن الإرادة هي "الطبيعة الأعمق، وهي بمثابة اللب لكل شيء جزئي كما هي بالنسبة للكل، وهي تظهر في كل قوة عمياء في الطبيعة كما في كل فعل إنساني مدروس" (48). "فالعقاد" يرى أنّ الإرادة معطلة في العشق العذري، وهذا مايجعلنا نتساءل: هل يمكن للإرادة أن تتعطل في جوهر السلوك الإنساني وهي التي يبنى عليها كل السلوك؟.

إنّ "العقاد" يقف عن إشكالية الإرادة معتقداً أنّها فعل مرتبط بالوعي والعقل، إنّ الذي لم يدركه أنّ مفهوم الإرادة أوسع وأشمل من أن يدل على الأفعال القصدية، ولأنّه يدل أيضاً على العادات والغرائز والاندفاعات والميول من أي ومن كل نوع، لذلك فهي لاتدل فقط على الرغبة الواعية، ولكنها تشمل أيضاً الغريزة اللاواعية، ومن ذهب إلى القول بتعطيل الإرادة في العشق العذري فمذهبه يحمل كثيراً من المثالب والمغالطات النابعة من سوء فهم لإشكالية الإرادة في بعدها الفلسفي والنفسي، إذ الإرادة ليست هي الوعي، ولكن الإرادة في جوهرها هي اللاوعي.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:09 am

فالعذرية -إذن- لاتفتقد إلى الإرادة. بل هي تجسيد للإرادة، التي حاولت أن تمحقها الظروف السياسية، والاجتماعية التي سادت المجتمع الإسلامي في العصر الأموي، فالعذرية هي إرادة اللاوعي الذي صدع في وجه الواقع بعد أن كبل الوعي، وحُظر. هي إرادة التغلب على القهر والسلب الذي مورس على الفرد داخل المجتمع الأموي، ومورس على جميع الأصعدة -سياسية، واجتماعية، وفطرية. إنّ العذرية صرخة إرادية تجسدت من خلال اللاوعي في نص إبداعي حمل جوهر الواقع الأموي المرفوض من الفرد المسحوق الذي خابت طموحاته الكبرى، التي ضحى من أجلها بفطرته وفكره وسيفه، ليجد في النهاية أنّ الهدف والغاية قد حورت عن مبتغاها الجوهري، من مجتمع يحس فيه الفرد بإنسانيته وحريته إلى فرد تحطمت فيه أمانيه على صخرة الاستبدادية الملكية الأموية.

لم تقف قراءة "العقاد" للظاهرة العذرية -ولاسيما في جانبها العشقي- عند القول بتعطيل الإرادة فقط، بل ذهبت إلى إبراز الشذوذ العذري في التعارض بين الغرائز النوعية وإرادة الفرد، ووضعهما موضع الصدام الذي يتولد عنه الشذوذ السلوكي: إذ "لاشك أنّ الغرائز النوعية أقوى من إرادة الفرد إذا تحكم النزاع بينها وبلغ مبلغ الصراع الذي لامحيص فيه من الغلبة لأحدهما، ولكن المسألة هي أنّ الغريزية النوعية والإرادة الفردية لايبلغان هذا المبلغ من النزاع والصدام إلاّ لعارض طارئ ليس بالمتكرر في جميع الأحوال، وهذه هي الندرة التي يدل وقوعها على الشذوذ في الفرد أو الشذوذ في الأحوال التي تعرضت لها علاقته الغرامية (يعني جميل)، فإذا اصطدمت الغريزة والإرادة الإنسانية على اطراد دائم مدى الحياة فهناك شذوذ لا محالة في الإرادة أو في الأحوال التي أحاطت بها ولابستها، وذلك الشذوذ النادر الذي نشاهد مثلاً من أمثلته الواضحة في قصة "جميل" (49). فشذوذ "جميل" ومن ورائه العذريين -لأنّهم يشكلون خطاً واحداً في تعبيرهم عن العشق كعلاقة روحية بين الرجل والمرأة- نابع من تعطيلهم لإرادة الحياة التي تتجسد من خلال "الزواج" الذي تشذ عنه العذرية فلم تحدثنا الروايات التاريخية على أنّ شاعراً عذرياً انتهى في حبه إلى الزواج بمحبوبته. فالعذرية عدوة الإرادة النوعية فليس هنا من سبيل إلى تحقيق الغريزة النوعية إلاّ سبيل التناسل. "فإرادة التناسل هي الوسيلة الوحيدة لاستمرار إرادة الحياة، وبالتالي حفظ النوع"(50). ومن هنا ندرك أنّ قراءة "العقاد" تفطنت في هذا الجانب إلى نقطة جوهرية تميزت بها الظاهرة العذرية، مرجعيتها.

في ذلك فلسفة "شوبنهاور" التي تذهب إلى أنّه "لكي تضمن الإرادة قهر الموت فقط عمدت ألاّ تضع إرادة التناسل تحت رقابة العقل أو المعرفة، فحتى الفلاسفة قد تناسلوا وأنجبوا أولاداً. فإرادة التناسل تبدو مستقلة عن المعرفة فهي تعمل عملاً أعمى. وأعضاء التناسل هي وسيلة حفظ الحياة؛ ولذلك عبدها الإغريق والهندوس، ووصف "هَذْيوُدْ" و "بارمينيدس" إله الحب EROS على أنّه الأول، والخالق والأصل الذي صدرت عنه جميع الأشياء لذلك كان الحب عند "شوبنهاور" وسيلة تديرها الطبيعة لأداء أغراضها عن طريق التناسل. وما غرض الطبيعة سوى استمرار الحياة" (51). فالعذرية شذوذ عن الأصل المعرفي لماهية الحب، وتعطيل لإرادة الحياة، وتلك نظرة للحب في جانبه المادي لا في جانبه الروحي العرفاني. فالعذرية وإن تصادمت مع إرادة الحياة، وعطلت من دورها الحياتي إلاّ أنها ارتقت بالنفس الإنسانية إلى ملامسة جوهرها الروحي، فسمت بالعشق من الطابع المادي الإفراغي إلى الطابع العرفاني، فكانت فيما بعد إرهاصاً للصوفية في وجدها الروحاني. وبذلك حاولت العذرية أن ترتقي بالإرادة من مفهومها المادي، إلى مفهومها العرفاني الذي عطل الإرادة في فعلها الملموس، ونقلها إلى فعل لاتفهمه إلاّ الأرواح وبذلك زودت القاموس اللغوي الشعري برؤية جديدة لم تكن من قبل موجودة في تاريخ الإبداع العربي.

7-النرفانا:

إنّ القارئ للدراسات النقدية التي تناولت "الظاهرة العذرية" يلاحظ أن من بين الظواهر النفسية التي وقف عندها النقاد "مبدأ النرفانا". "فلقد شدد العذريون ولاسيما كثير عزة، على تصوير الجسد الأنثوي بألفاظ ذات طابع جمالي لاشبقي؛ وبذلك طرحوا ضمنياً ماخلاصته أنّ الجسد الأنثوي هو إمكانية سعادة وتتلذذ، إمكانية نيرفانا"(52)، ويقتصد بها تلك النزعة نحو تخفيض توتر الإثارة الداخلية، وثباتها، والقضاء عليها.

لقد اقترحت المحللة النفسية الإنجليزية "بربارة لوف" هذا المصطلح ثمّ عاد إليه "فرويد" للدلالة على نزعة الجهاز النفسي نحو إرجاع أي كمية من الإثارة ذات منشأ خارجي أو داخلي إلى مستوى الصفر أو على الأقل اختصارها إلى أقصى حد ممكن"(53) وهو مبدأ يدل على تقليص الرغبة الإنسانية، والقضاء على "الأنا" لتذوب في "النحن"؛ وذلك خدمة للطموحات الحضارية الكبرى.

إن النرفانا العذرية تسامي للعذري الذي كان يعيش صدام شبوب عاطفي مع هوية أصلية تناديه من الأعماق للإشباع الغريزي، وبذلك "يمثل العذريون حركة ارتقاء وظيفتها الأساسية مجابهة الاتضاع العاطفي المضيع للهوية الأصلية (هوية ماقبل الخطر النرفانيا"(54). فتسامي العذري عملية حضارية قوامها أن العذري تخلى عن النزعة الجنسية في التماس اللذة الجزئية، واتخذ لها هدفاً آخر يتصل تكوينياً بما تخلت عنه الذات؛ وبذلك توصف بأنها عملية ذات طابع نفسي اجتماعي جعلت العذري يتسامى بذلك عن الأهداف الجنسية الشبقية التي هي في نهاية الأمر أهداف أنانية إلى أهداف ذات طابع حضاري تضحي فيه "الأنا" بمتطلباتها الغريزية من أجل بناء "النحن" بناء متكاملاً. فالنرفانا العذرية في إطارها الحضاري توحي بمعنى غير قانون الثبات أو ضبط التوازن الذاتي، أي أنّها تدل على مابين اللذة والتلاشي النابعة من دلالتها على انطفاء الرغبة الإنسانية، والقضاء على الفردية التي تذوب في الروح الجماعية مؤدية إلى حالة من السكينة والسعادة الكاملة.

إن التسامي يتضمن التعبير عن غريزة كبتت بأسلوب يقبله المجتمع فالظاهرة العذرية التي سادت العصر الأموي كانت مقبولة؛ لأن الإسلام قد عدل من مفهوم الحب، فنقله من مفهوم حيواني بهيمي إلى مفهوم روحي متسام قوامه الحياء والنقاء. يقول "قيس بن ذريح" (55):

حَيَاءً، وَمِثْلِي بِالحَيَاءِ حَقِيقُ

تَتُوقُ إِلَيْكِ النَّفْسُ ثُمَّ أَرُدُّهَا




إن تسامي العذرية أفرزه تغلب الحياء والنقاء الناتج عن التربية الإسلامية على توق النفس ذات الدوافع الشبقية؛ ولذلك "فمن مميزات الحب العذري اعتقاد العشاق بقوة خارقة لا حول لهم ولا قوة في ردها أو السيطرة عليها.... فيرتفع عنهم اللوم في جميع أعمالهم، وترتفع عنهم المسؤولية. باعتبارهم مجبرون لامخيرون خاضعون لسلطات العشق... وسحر المحبوب الذي لايفك، فهم معذورون في تحديهم للأعراض والقيم" (56). إذن- فتسامي العذري يشير بشكل أو بآخر إلى تلك الحواجز التي يقيمها المجتمع في طريق التعبير (الفاضح) عن الرغبة في الوصال، لذا يقوم الشاعر بالتعبير عنها بأسلوب آخر يقبله المجتمع.

لقد عدل التوجه الجديد للمجتمع العربي الإسلامي كثيراً من المفاهيم التي كانت سائدة في المجتمع العربي في فترته الجاهلية، إذ كان الحب شبقياً "ينطلق من الجسد، ثمّ تأتي النتائج النفسية والذهنية، توفر اللذة الجسدية غبطة الاكتمال والتملك. يجد فيها الجاهلي جنته الأرضية، المرأة له، الواحة والماء والجمال كله... العيد الأول في حياة العربي هو عيد الجسد حيث تتوحد الشهوة واللذة والنشوة. فالشاعر دائم الصلاة وهذه آية الصلاة: العالم جسد لكن اجعله، أيها الحب أكثر امتلاءً وحضوراً" (57) فالحب الجاهلي ذو نزعة شبقية الأولية فيها للجسد، هو المطلب والهدف، وهذه الرؤيا للحب نابعة من الطبيعة المادية التي كانت تستحوذ على الرؤيا المعرفية للجاهلي. يقول "امرؤ القيس"(58):

عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ القَيْسِ فَانْزِلِ


تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الغَبيطُ بِنَا مَعاً


وَلا تُبْعِدِني مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ


فَقُلْتُ لَهَا سِرِي وَارْخِي زَمَامَهُ


فأَلَهيْتُها عَنْ ذِي تَمَائمِ مُحْوِلِ


فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضَعٍ


بِشِقٍ وَتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحوَّلِ.


إذَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ




إنّ النظرة العرفانية المتسامية للعشق عند العذريين في العصر الأموي لم تكن هي النظرة الوحيدة السائدة في هذا العصر، بل بقيت النظرة الشبقية للحب قائمة، وهذا مايجعلنا نقول إنّ المجتمع الأموي كان يعيش ازدواجية في التعبير عن الحب نظرة عذرية عرفانية، ونظرة شبقية هي امتداد للنظرة الجاهلية وقد مثل الاتجاه الثاني في العصر الأموي خير تمثيل "عمر بن أبي ربيعة"؛ إذ "إنّ عمر لم يكن عذرياً، ولم يكن يريد أن يذهب مذهب العذريين، وإنّما كان عملياً محققاً يلتمس الحب في الأرض لا في السماء"(59). حب يكون فيه الجسد هو المبتغى والمرأة، من حيث هي خلق ومتعة مبدأه، وتكون كذلك غايته. أما ماوراء ذلك مما يحققه الحب من معنى التصفية النفسية، فيقود إلى التجرد من النزعة المادية، وأما الآفاق البعيدة التي تطلقها هذه الهزة الداخلية، فشيء لم يشأ عمر أن يقف عنده. "إنّ اللبانة والجاهلية وما إلى ذلك مما يتصل بالشهوة هي أكثر الكلمات دوراناً في الشعر وأبرزها فيه" (60) فشبقية عمر كانت معارضة لنرفانية العذريين التي كانت تصور الجسد الأنثوي عندهم بألفاظ ذات طابع فني. بينما عند عمر "لو أمعنا النظر في القصائد لما وجدنا بها تلك النزعة الحسية التي يشير إليها الكثير من الدارسين، إذ لم نرد بالحسية مجرد المقابلة بين العواطف المجردة عند العذريين، والإشارة العابرة إلى محاسن المرأة أو لقائها، بل الوصف الحسي المفصل للجمال الجسدي والمتع والشهوات"(61). يقول عمر بن أبي ربيعة(62):

أُقَبِّلُ فَاهاً فَأُكْثِرُ.

فَبِتُّ قَرِيرَ العَيْنِ، أُعْطِيتُ حَاجَتِي


إِذا تَمَايُلُ عَنْهُ، البُرْدُ وَالخَصْرُ.

وَبِتُّ أَلْثُمُهَا طَوْراً، فَيَمْنَعُنِي

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:10 am

المرأة عند عمر جسد وشهوة، متعة وشبقية. أمّا إذا تأملنا نرفانية العذرية في نظرتها إلى المرأة نجد أنّ البعد الصوفي العرفاني هو الطاغي عليها، لذلك نجد اللغة الغزلية العذرية ذات طابع فني متسم بالحمولة العرفانية الصوفية، لذلك يعد الكثير من الدارسين من أمثال "جودت نصر" أنّ "الغزل العذري إرهاص، ومدخل لرمز المرأة في الشعر الصوفي"(63)، لكن الصوفية أعطته أبعاداً جديدة اتصلت بالذات الإلهية، فنقلوه من حب عفيف إلى حب إلهي صوفي، ومن خلال ذلك "يتبين لنا الوشيجة المتينة بين الغزل العذري والحب الصوفي، أو قل بين مسلك الشعراء المتعففين، ومسلك الزهاد الأتقياء؛ وذلك لما بين العفة في الحب وبين الزهد من سمات مشتركة وملامح متشابهة ففي كليهما نزوع إلى الإعلاء والتسامي، وشعور حاد بالتحريم الجنسي، ورغبة في تحقيق ضرب من الإشعاع والتوافق بين مايرغب فيه ومايخشى منه، ومن خلال شعور أخلاقي ينظمه "الأنا الأعلى"، ويعد المحب للدخول في علاقة متوترة بين المادي والروحي، بين السماوي والأرضي"(64). فالعذرية في تعبيرها عن العشق أعطت للحب بعداً روحياً كان إرهاصاً حقيقياً لدخول رمز المرأة بحمولة معرفية عرفانية، إلى حقل النص الصوفي، إذ يظفر دارس الأدب الصوفي على شعر وفير بدت فيه المرأة رمزاً روحياً دالاً على الحب الإلهي، ويعد الشعر الصوفي من هذه الناحية شعراً غزلياً تم للصوفية فيه التأليف بين الحب الإلهي والحب الإنساني، والتعبير عن العشق في طابعه العرفاني الناتج عن نرفانية تعامل بها العذري مع الجسدالأنثوي. يقول"أبو منصور الحلاج"(65):

وَطَرْفُ فِيهِ تَقْويسُ

وَقَدْ حَيَّرنِي حُبٌّ


أَنَّ القُرْبَ تَلْبِيسُ

وَقَدْ دَلَّ دَليلُ الحُبُّ




فمن يتفحص القراءات التي تناولت الظاهرة العذرية يدرك رحابة هذه الظاهرة الفنية التي وسعت اجتهادات تلك المقاربات، وما الوقوف على نرفانية الظاهرة إلاّ دليلاً على عمق هذه القراءات وجديتها. فالنرفانية العذرية أسس لها الصدام بين الشبوب العاطفي والهوية الأصلية للإنسان وغذّاها صراع تاريخي أقصى الذات من فعلها التاريخي، فنحت منحى فنياً في تصويرها للجسد الأنثوي بلغة غير شبقية كانت إرهاصاً حقيقياً للصوفية العرفانية فيما بعد.

8-المازوشية: Masochisme

من مهمات النقد الأدبي مواكبة الأثر الفني لمعرفة أسسه الفنية والإبداعية في جوانبها التاريخية والسيكولوجية والاجتماعية واللغوية. ونظراً للطابع الشمولي للنّص الإبداعي تفرعت المدارس النقدية كل حسب منطلقاتها المعرفية محاولة الاقتراب من النص الإبداعي للكشف عن جانب من جوانبه لمساءلته مساءلة الباحث المكتشف، لذا نجد المنهج النفسي يوزن مدى نجاح البواعث النفسية في إفراغ النشاط أو التعبير عنه بأي صورة حقيقية أو مجازية، وعلى قدر مايمتلئ النص الإبداعي بهذه البواعث يكون حظاً في التعبير عن الحق والجمال والقوة. وبذلك فهو يحاول فهم أسرار الأدب عن طريق نظريات علم النفس مرتكزاً على استنطاق منطقة اللاشعور "العقل الباطن" التي يرى فيها مركز تخزين تجارب الحياة النفسية، وغالباً ماتكون مؤلمة ومرة، فهي في مجملها رغبات مكبوتة لاتستدعي إلى منطقة الشعور بالطرائق العادية، ولكن عن طريق التنويم والأحلام، وتتجسد في كثير من الأحيان عند الفنانين في مبدعاتهم، وبفضلها تحل العقدة النفسية؛ وعليه يرى أصحاب التحليل النفسي أنّ أغلب دوافع الإبداع الفني وليدة التجارب التي مصدرها اللاشعور؛ إذ إنّ "العقل الباطن ليس خامداً عاطلاً ولكنّه فعال يؤثر في حياة الإنسان العقلية على غير شعور منه" (66). لذا يرى "فرويد" أنّ اللاشعور أساس الحياة النفسية. لأنّه يختزن جميع الدوافع المكبوتة والرغبات المقموعة منذ الطفولة، إذ تتسم بالنمو والاضطراب والانفعال، وتحاول الظهور بشتى الأشكال إلى منطقة الشعور، فتتخذ أقنعة ورموزاً ملونة أهمها الحلم والإبداع الفني.

انطلاقاً من هذه الأسس المعرفية حاول النقد النفسي العربي الحديث الدخول إلى دراسة الكثير من القضايا الفنية في التراث العربي القديم. فحاول "العقاد" دراسة جملة من الشعراء الذين كانوا رموزاً لكثير من الظواهر الفنية في التراث الشعري القديم. ومايستوقفنا في هذا المقام دراسة "العقاد" لشخصية "جميل بثينة"، إذ وقف عند ظاهرة بارزة تميز بها الشعراء العذريون. وهي أنّ القص العذري يكرس في كليته حقيقة فحواها أنّ الشاعر العذري لا يمكن بأي حال من الأحوال أنْ تنتهي علاقته بحبيبته إلى الرباط الشرعي "الزواج"، بل تنتهي إلى استحالة ذلك بفعل العرف الاجتماعي الذي كان يمنع كل من يشبب بالمحبوبة، بل يحرم عليه الزواج بها، وعلى الرغم من علم هؤلاء الشعراء بصرامة العرف، إلاّ أنّهم كانوا يتعمدون التشبيب بالمحبوب تعمداً كانت وراءه دوافع اللاوعي التي تضمر أنّ العذري كان من العصابيين الذين يهوون تعذيب الذات: أي "مازوشي" الطبع، إذ يرى أنّ قصة "جميل" في "هواه لبثينة قصة من أراد الوقوع في الهوى، ثمّ وقع، وليست بقصة من أوقعته المصادفة وحاول الخلاص من البداية فامتنع، يقول جميل (67):

بَوَادِي بَغِيضٍ يَابُثَيْنَ سِبَابُ

وأوَّلُ مَا قَادَ المَوَدَّةً بَيْنَنَا




فمن خلائق بعض الضعفاء أن تغريهم الإساءة والحرمان، وتزيدهم كلفاً على كلف بمن أحبوا من النساء ولاسيما التي تحسن المنع والإغراء والإطماع بالإقصاء وفي ذلك يقول "جميل" من قصيدة أخرى:(68)

وَلَكِنْ سَبَتْنِي بِالدَّلاَلِ وَالبُخْلِ

وَلَسْتُ عَلَى بَذْلِ الصَّفَاءِ هَوَيْتُهَا




فالسباب استهواه والبخل سباه، ولج به في هواه، وتلك أبداً آية من آيات العجز، وضعف الثقة في النفس، وتعليق تلك الثقة بمشيئة غيره.. وفي بعض الضعفاء خليقة قريبة من هذه الخليقة أو هي هي، في مظاهرها المختلفة. ونعني بها "حب التعذيب" والحنين إليه. ومن هؤلاء من يلتمسون الضرب والإيجاع في بعض الأحيان ويسعون إليه، وقد يستأجرون من يضربهم، ويوجعهم كما يصنع أناس من أصحاب هذه الخليقة في بعض العواصم الأوروبية، ويقترن ذلك دائماً بالنزاعات الجنسية على نحو من الانحاء.

فإذا كان "جميل" من أصحاب هذه الخليقة فهواه على تلك الصورة مفهوم، وأسباب اللجاجة في الهوى عنده أكثر من أن تحتاج إلى مزيد"(69). "فجميل بثينة" عند "العقاد" ومن ورائه العذريون -"مازوشي"- بالطبع، إذ المازوشية "شذوذ جنسي يرتبط فيه الإشباع بالعذاب والألم أو بالإذلال الذي يلحق الشخص"(70). فالعذري عند "العقاد" مريضاً نفسياً ومصاب بالعصاب الهستيري.

إن قراءة "العقاد" لشخصية "جميل" في جانبها العصابي ماهي في الحقيقة إلا تقليداً واقتداءً بما أنجزه "فرويد" في دراساته لكثير من الفنانين خاصة "ليوناردو دافنتشي"، إذ انطلق "فرويد" في دراسته من اقتناع مسبق قصد الوصول إلى نتائج معينة، لذلك كان بحاجة إلى التاريخ العائلي للفنان الباكر لإثبات صحة مسلمات التحليل النفسي. فكان ينتقي من سيرة حياته الجوانب التي تثبت الرغبات الجنسية في حياة الإنسان، وأن أعمال "ليوناردو" الفنية الأولى "رؤوس نساء ضاحكات، وفتيان جميلون" تجسد الإحساس بالحرية والسهولة الذي كان يشعر بها الفنان في مرحلة لم يكن يعاني فيها بعد من تأنيب الضمير بسبب رغباته اللاشعورية. إن قمع الرغبات اللاشعورية في المرحلة الأكثر تقدماً يبدو كأنه قد انعكس في رسم "العشاء السري"؛ لذلك يرى "فاليري ليبين"(71) "أنّ الانتقاء الأحادي الجانب، والتفسير الوحيد المنهج لمعطيات سيرة ليوناردو ينصبان عند مؤسس التحليل النفسي، في تأويل متعمد لجوهر الإبداع الفني، ولمضمون لوحات "ليوناردو"، وهذا أبعد من أن يتفق مع مهام التحليل الموضوعي" ومايقال ويلاحظ أيضاً دراسة "ليوناردو" يقال ويلاحظ على دراسات "فرويد" لمسرحية "هملت" ورواية "الإخوة كرامازوف"؛ إذ الدراسة تستنطق سيرة المؤلف أكثر من استنطاق الإبداع، وأن هدفها مُبَيّتٌ للتدليل على عصابية المؤلف لا غير.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:11 am

إن أول مايستوقف في قراءة "العقاد" ودراستها لشخصية "جميل" التي ترى مازوشية في الظاهرة العذرية هو تعاملها مع الظاهرة العذرية من خلال "جميل" تعاملاً إكلينيكياً معتمداً في مذهبه على سيرة الشاعر لاعلى إبداعه الفني. وبذلك فهو ينطلق في دراسته من الظروف التي أحاطت بالشاعر مستنطقاً سيرته للتدليل على مايذهب إليه من عصابية للشاعر، وتلك قراءة أهملت الإبداع الفني الذي يجب العودة إليه لمعرفة نفسية صاحبه، وإن استشهدت ببعض النصوص فلم تختر منها إلا ما هو مدعم لمذهبها، لأنها ترى في "الأعمال الأدبية شواهد على مرض صاحبها النفسي، لأنها تتضمن العقد والطباع والتأويلات الباطنية. فنتاج الأديب صورة لنفسه وتاريخ لحياته الباطنية"(72). لذلك حاولت قراءة العقاد "لجميل" أن تظهر الشاعر بمظهر الإنسان المريض العصابي الذي تكون فيه الأعراض تعبيراً رمزياً عن صراع نفسي، مهملة القيم الفنية، بالأصالة الفردية والشخصية المتميزة. هذا الأصالة الفردية التي لولاها لما كان كلف "العقاد" نفسه عناء دراسة شخصية "جميل"، وتفسير حياته في ضوء عقده وطباعه.

إن المنحى الإكلينيكي لقراءة "العقاد" المنطلق من نفسية صاحب النص، المهملة لإبداعه الفني هي التي جعلت "طه حسين" يقول(73): "فالأستاذ "العقاد" -إذن- لم يبعد عن مذاهب الأدباء في حديث النرجسية، ولكنه غلا فيما اعتقد غلواً شديداً في تعمقها على مذهب المحللين، النفسين، فذكر من مذهبهم وتجاربهم فنوناً توشك أن تلحق كتابه بكتب العلماء، لولا أنه ليس له معمل ولامستشفى يجري فيهما التجارب كما يجريها العلماء". وبذلك عبر "طه حسين" عن موقفه الذي يرى في تطبيق "العقاد" للقراءة السيكولوجية تعسفاً على الأديب وأدبه، ويحمل كثيراً من الغرابة في الطرح والتحليل والمعالجة.

ليست قراءة "العقاد" هي القراءة الوحيدة التي تطرح مازوشية العذريين، بل نجد "سليمان موسى"(74) يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن "الحبّ العذري يعبر عن حالة مرضية متغلغلة في نفس العاشق، وتتبين في ولعه بسقمه وهزاله وحرمانه وتلذذه بألمه وشقائه وتعاسته واستمتاعه بحرقة الشوق الذي لا أمل في إشباعه، ولا تخلو ظاهرة الحب العذري من خصائصه "السادو مازوشية". من حيث إنّه يميل ميلاً شديداً إلى تعذيب النفس والغير (الحبيب) بدون مبرر واضح، أو غاية محددة، وإنما لمجرد الاستمتاع، والتلذذ بالألم والعذاب باعتبارهما جزءاً لايتجزأ من عنف التجربة الغرامية العذرية وشدة انفعالاتها. فهم يستلذون مرارة العشق مثل الضرب، فمنهم من يموت من أوهام غرامه ومنهم من يموت بهيام سقامه"، وبذلك نلاحظ أن النظرة العصابية المرضية الإكلينيكية للظاهرة العذرية لم تنحصر في قراءة العقاد بل تجاوزته إلى قراءات أخرى. هذه الأخيرة التي لم تطرح مازوشية العذرية فقط، بل تعدته إلى القول بالازدواجية في عصابية العذري التي تجمع بين المازوشية والسادية، على اعتبار أن السادية تتجلى من خلال رغبة العذري في تعذيب الغير (الحبيب).

إنّ قراءة "العقاد" للظاهرة العذرية وذهابها إلى أنّ العذريين، وبخاصة "جميل"، كانوا مازوشي الطبع، لأن تعذيب الذات أصيل في طبائعهم، لم تدرك أن التعذيب الذي تجسد في قصص العذريين وإبداعهم لم يكن نابعاً عن عقدة نفسية "المازوشية"، وإنما كان تعبيراً صارخاً في وجه الإقصاء الذي مورس على الفرد داخل المجتمع الأموي، فتجسد بفعل الانتقال من الحكم ذي الطابع الشوري، الذي كان يحس فيه الفرد بحريته وإنسانيته ومكانته، إلى حكم ذي طابع ملكي إقصائي غابت فيه كل القيم التي ضحى من أجلها بحقوقه الطبيعية الأزلية ومجهوده الجهادي، يقول "جميل بثينة"(75):

وَأَيُّ جِهَادٍ غَيْرَهُنَّ أُرِيدُ؟

يقَولُونَ: جَاهدْ، يَا جَمِيلُ بَغَزْوَةٍ




فالعذرية -إذن- تعبير يضمر الرفض المطلق للواقع الذي كان يعيش فيه الفرد الأموي، خاصة في البادية، والذي كان قوامه التهميش والإقصاء.

فالعذرية ضرب من التسامي حاول من خلاله العذري أن يرتفع عن واقعه المرفوض ليعيش في عالم رومانسي، شبيه بالعالم الذي كان يطمح إليه ويحلم به معتمداً في ذلك على الخيال، لأنَّ الخيال عامل حاسم في رسم الصورة الشعرية عند العذريين، والارتقاء باللغة من مستويات الخطاب التقريري الإخباري، إلى مستويات استشراقية، يكون فيها الخيال خيال ابتكار مطلق لاتحكمه الإرادة العاقلة، ولا يتقيد بالزمان في ماضيه أو حاضره، فهو خيال نابع من الصورة المثال المرتسمة في مخيلة الشاعر، التي لايجب أن يطلع على كنهها أو جوهرها أحد.

وفي الأخير نخلص إلى أنّ قراءة "العقاد" -على الرغم مما وقعت فيه من جنوح إلى الإكلينيكية في التعامل مع "جميل" ومن وراءها الظاهرة العذرية-. فهي قراءة استكشفت النقاب عن جانب مهم من الجوانب النفسية للظاهرة العذرية في عمومها، وشخصية "جميل" على وجه الخصوص. وبذلك أضافت بعداً جديداً إلى الظاهرة العذرية لم تدركه القراءات التي سبقتها. وإليها يعود الفضل الأول.

تلكم هي جملة المقولات السيكولوجية التي طرحتها القراءة النفسية في دراستها للظاهرة العذرية عند "العقاد" و"يوسف اليوسف"، فحاولت أنْ تستخلص من خلال تطبيق أسس المنهج النفسي، نتيجة مؤداها أنَّ الظاهرة العذرية التي سادت العصر الأموي، ماهي إلاّ إفرازاً طبيعياً لتعارض "مبدأ اللذة" مع "مبدأ الواقع" في نفسية العذري. فالعمل الفني -في رأي التحليل النفسي- ليس وحيد الجانب. ففيه يتفاعل الاتجاهان المتضادان وأنَّ الحياة النفسية والعقلية تتركب من تضاد وتفاعل وتكيف متبادل بين البواعث الغريزية ومطالب الواقع على نحو ماتعبر عنها التقاليد الاجتماعية والأنظمة الأخلاقية؛ لهذا كلّه اصطبغ العمل الفني العذري بصبغة الدراما والصراع، وأصبح الجانب الحزين والتراجيدي يؤلف جزءاً أساسياً من حساسية العذري، لذلك فالعذري ضرب من الخلاف، ومعنى من العزاء، وحاجة إلى الإعلاء، وقدر من الرفض.

لكن الملاحظ على القراءة السيكولوجية للظاهرة العذرية أنّها تعاملت معها تعاملاً "إكلينيكياً" يحمل روح المعيارية في الأحكام النقدية، جاعلة من العذري فرداً عصابياً شاذاً معتمدةً في ذلك على سيرة الشعراء، ومايحيط بهم من ملابسات تاريخية وسياسية وحضارية، ناظرة إلى أنّ نتاجهم الإبداعي لايعدو أن يكون نتيجة تلقائية لشخصياتهم. وفاتها أنّ العمل الإبداعي يتحرك حركة ذاتية خاصة به لاحركة تابعة لذاتية صاحبه؛ وبذلك ندرك أنّ اهتمام القراءة السيكولوجية بشخصية الشاعر وسيرته في معظم الأحيان، ماهو إلاّ هروباً من النّص ومشتقاته أو تسوية وهمية بين النّص وصاحبه. إذ من الإسراف أن نظن أنّ العمل الفني وثيقة تحتاج إلى تجارب "إكلينيكية" لتبرير طروحات مسبقة، "فالفن ليس تعبيراً فحسب، الفن يحتوي على كثير من العناصر التي يضع الفنان يده عليها حين يقرأ تاريخ الفن، ولاتنبع من حاجاته الشخصية وأهدافه الذاتية وقد قال "فرويد" في بعض كتاباته الأخيرة أنّ العمل الفني لا ينمو على مايُحبُ ويختار، بل هو يواجه مؤلفه أحياناً مواجهة خلق مستقبل غريب عنه"(76). وهذا مالم تدركه القراءة السيكولوجية للظاهرة العذرية، إذ ذهبت تقرأ الظاهرة من خلال سيرة أعلامها، وتبحث عن مبررات لعصابيتهم وشذوذهم متجاهلة النّص العذري، ومايحمله من جمالية ورؤية عرفانية وهبته الديمومة والحياة النّابضة التي خلّدته، وارتقت به إلى مصاف الإبداعات العالمية الكبرى.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:13 am

القراءة الاجتماعية

1-الأصول الطبقية للظاهرة العذرية.‏

2-القهر والقمع الاجتماعيان.‏

3-التدجين الاجتماعي.‏

4-الاحتجاج.‏

5-هدم مؤسسة الزواج.‏

1-الأصول الطبقية للظاهرة العذرية:‏

لقد كان تركيز القراءة التاريخية للظاهرة العذرية منصباً على تمييز جانب الحقيقة من الخيال لهذه الظاهرة من خلال توثيق أخبارها، وفحص مصادرها، والتحقق من نصوصها وبيان وجه الصدق والكذب في مانسب إلى شعرائها من قصص وحتى نصوص شعرية. وهذا ماحدا بالقراءة التاريخية إلى التفصيل في الروايات والأخبار، مهتمة بالخبر كخبر ومقصية بذلك أبعاده الجمالية والنفسية والاجتماعية.‏

إن انحصار القراءة التاريخية فيما سبق ذكره، دفع النقد الأدبي إلى البحث عن مناهج جديدة تتخطى القراءة التاريخية، وتهتم بسياقات النص الإبداعي وأبعاده الثقافية وفعالية المجتمع ودوره في صنع العالم الإبداعي لهذه الظاهرة؛ وبذلك انكبت القراءات السياقية على تأمل التاريخ الأدبي من حيث هو حامل لعقليات ووجدانيات جماعية مفسرة الظواهر الإبداعية من حيث هي ظواهر متكاملة في طرحها للوعي الجماعي للمجتمع.‏

إن تأثير العلوم الإنسانية الحديثة في النقد الأدبي بدا واضحاً في القراءات السياقية الحديثة للتراث العربي، فأمدّتها بأدوات إجرائية جديدة لم تكن تمتلكها في ظل القراءات القديمة.‏

تعد القراءة الاجتماعية من القراءات السياقية التي فتحت المجال أمام النقد الحديث ليتعامل مع التراث العربي برؤى وأدوات جعلت من التاريخ عنصراً مرجعياً أساسياً في تشكيل الفضاء الإبداعي للظواهر الأدبية؛ لذلك أضحى البعد الأيديولوجي الذي تقوم عليه هذه الظواهر مصدر اهتمام خاص لدى القراءة الاجتماعية التي كانت تركز دائماً على تلك العلاقة القائمة بين الأدب والمجتمع، فبدون هذه العلاقة لم يكن تصور وجود الظواهر الإبداعية الكبرى، وأن البيئة الاجتماعية هي المصدر الأساسي للتصورات الجماعية التي تميز طبقة عن طبقة أو عصر عن عصر آخر بأبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية، إذ الأثر الإبداعي في عمومه فضاء واسع تظهر فيه الصراعات التاريخية والتناقضات الاجتماعية من العصور، وعليه فإن جدلية علاقة الأدب بالمجتمع تبدو ضرورية للقراءة الاجتماعية، وبذلك ربطت هذه القراءة الظواهر الإبداعية بالتحولات الاجتماعية محاولة الكشف عن سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية.‏

فالصراع الطبقي من المقولات الأساسية التي تمثل منطلقات القراءة الاجتماعية التي حاولت من خلالها مقاربة الكثير من الظواهر الإبداعية الكبرى على اعتبار التناحر الطبقي داخل المجتمعات أحد الروافد الأساسية لتشكيل الوعي الجمعي داخل هذه المجتمعات، وأن الظواهر الإبداعية ليست نتاج وعي فردي مستقل بذاته، بل هي تعبير عن لحظة الوعي الجماعي الذي يشكل لحظة فريدة في التاريخ تتولى الكتابة الأدبية تسجيله والتعبير عنه تعبيراً إيجابياً.‏

فالظاهرة العذرية من الظواهر الإبداعية الكبرى في التراث العربي التي كانت ميداناً رحباً لكثير من القراءات النقدية. فالقراءة الاجتماعية واحدة من هذه القراءات التي حاولت مقاربتها، والوقوف على جوانبها الاجتماعية التي كانت من العوامل الأساسية في تشكيل فضائها التاريخي والإبداعي.‏

إن الأساس الطبقي للظاهرة العذرية من أولى الجوانب التي أثارتها القراءة الاجتماعية معتمدة في ذلك على جوانبها التاريخية والسياسية التي واكبت ظهورها في العصر الأموي، ولا سيما أن العصر الأموي في حد ذاته، يشكل تحولاً بارزاً في التاريخ الإسلامي في بعده السياسي والاجتماعي والديني في بناء الحضارة الإسلامية بأبعادها المختلفة.‏

يعد "طه حسين" من أوائل النقاد الذين أضفوا على الظاهرة العذرية بعداً طبقياً، وأنّ التجديد الذي لحق بالغزل في العصر الأموي سماه بالتجديد "الفقراء واليائسين، وهو هذا الشعر الذي شاع في البلاد العربية في الحجاز وفي نجد، والذي إن صور شيئاً فإنما يصور الطموح إلى ماليس له سبيل، والنزوع إلى مالا أمل في الوصول إليه، وهو ماتعودنا أن نسميه الغزل العذري. "فجميل" عندما كان يتغزل بصاحبته "بثينة" لم يكن يفكر في "بثينة" بقدر ماكان يفكر في هذا الترف الكثير الذي كان يراه من حوله، والذي لم يكن له فيه حظ أو نصيب، ومثل ذلك يقال في هؤلاء الشعراء الكثيرين الذين جعلوا يتغزلون بالمرأة، ويظهرون هذا الحب، ويصورون العشق اليائس الذي لا أمل فيه.... كل هذا لايصور حباً يائساً بالفعل، وإنّما يصور اليأس العام، اليأس من الوصول إلى ماكان الأغنياء والمترفون يصلون إليه مصبحين وممسين... فهذا النوع من التجديد تجديد المترفين من ناحية وتجديد الفقراء واليائسين من ناحية‏

أخرى"(1). فالتجديد الذي لحق بالغزل العربي في العصر الأموي، واستقل في قصائد كاملة بعدما كان متعلقاً بالمقدمات الطللية، لم يكن تجديداً اعتباطياً، وإنّما كان بتشكل الوعي الاجتماعي نتيجة التحول الذي حصل في المجتمع الأموي، إذ انفرد الأغنياء بالقصيدة الإباحية ليصوروا فيها ترفهم ولهوهم، وكان الرائد في ذلك "عمر بن أبي ربيعة". أما الفقراء فقد تشكل وعيهم وفق حالتهم البائسة، ووضعهم المزري، فعبروا عن يأسهم وحرمانهم من خلال القصيدة العذرية.‏

فالمجتمع الأموي كان يتألف -في نظر "طه حسن"- من طبقتين متباينتين "الأغنياء الذين تسقط لهم الثروة، ويتاح لهم الغنى، ويخضع لهم كثير جداً من الرقيق وطبقة الفقراء الذين يرون، ولكنهم لايستمتعون بشيء مما يرونه.. ومن أجل هذا نشأ في الشعر العربي الذي كان يقال في تلك البلاد نوعان مختلفان من التجديد نستطيع أن نسمي أحدهما تجديد الشعراء والأغنياء والمترفين، وأن نسمي الآخر تجديد الشعراء والفقراء واليائسين"(2). وهذا التقسيم الطبقي*(3) للمجتمع تمخضت عنه جمالية شعرية تمثلت في الغزل الإباحي والغزل العذري.‏

ومن هذا المنطلق قرأ "طه حسين" الظاهرة العذرية في بعدها الاجتماعي من منظور طبقي، فلم تكن هذه الظاهرة إلاّ إفرازاً لصراع طبقي يصور الحرمان واليأس الاجتماعيين في قالب فني يحمل حساً مأساوياً، فالظاهرة العذرية "انعكاس، ولكنه ليس انعكاساً سلبياً، بل هو إسهام في التعرف إلى الواقع... الواقع الذي يبدو أكثر غنى من الحقيقة الواقعة، إنّ الفن لا يقف عند الواقع في معطياته الخارجية المباشرة، إنّما يتخطى هذه المعطيات إلى إدراك جديد لها، فيبدو الواقع في صورة جديدة له: صورته الفنية، وهذه الصورة الفنية أكثر كمالاً من أصلها، لأنّها تلم مابدا مبعثراً من عناصره، وتوضح مابدا غامضاً من مغزاه"(4)، ولكن الانعكاس الذي يقصده "عبد المنعم تليمة" ليس هو المنظور الذي تعامل به "طه حسين" مع الشعر العذري.‏

فقراءة "طه حسين" تبدي ربطاً واضحاً بين الظاهرة العذرية كظاهرة إبداعية وبين الوسط الاجتماعي الذي ظهرت فيه، وأنّ العامل الاجتماعي والاقتصادي لهما الدور الرائد في تشكل أبعاد العذرية التي أخذت من موضوع الحرمان والياس موضوعاً لها، ومن المرأة رمزاً فنياً للتعبير عن الشرخ الطبقي الذي بدا واضحاً في المجتمع العربي أيام بين أمية.‏

إنّ المتأمل في قراءة "طه حسين" يلاحظ عليها أنّها تفتقر إلى بعض الانسجام في تأويلها للظاهرة العذرية تأويلاً اجتماعياً. فإنّ الحقائق التاريخية التي نستخلصها من تراجم شعراء هذه الظاهرة تؤكد أنّ هؤلاء الشعراء كانوا في مجملهم من الشخصيات الميسورة مادياً ومالياً في المجتمع الأموي، بل كانوا من طبقة الأشراف والميسورين.‏

روى أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني في ترجمته لجميل أنّه(5) "لما نذر أهل بثينة دم جميل وأباحهم السلطان قتله، أعذروا إلى أهله.. فمشت مشيخة الحي إلى أبيه. وكان يلقب صباحاً وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله- فشكوه إليه وناشدوه اللّه والرحم وسألوه كف ابنه عما يتعرض له، ويفضحهم به في فتاتهم، فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع، ثمّ انصرفوا".‏

ويروي كذلك في ترجمة للمجنون(6) "أنّ أبا المجنون وأمه ورجال عشيرته اجتمعوا إلى أبي ليلى، فوعظوه، وناشدوه اللّه والرحم، وقالوا له: إن الرجل لهالك.. وإنك لفاجع أباه وأهله، فناشدناك اللّه والرحم أن تفعل ذلك، فو اللّه ماهي أشرف منه، ولا لك مثل مال أبيه، وقد حكّمك في المهر، وإن شئت أن يخلع نفسه إليك من ماله فعل، فأبى، وحلف باللّه وبطلاق أمها أنه لايزوجه إياها أبداً...". وهي روايات تثبت أن شعراء بني عذرة لم يكونوا من الفقراء اليائسين كما يذهب إلى ذلك "طه حسين"، وإنما كانوا من الموفورين مالاً، وأنّ أهلهم من أغنياء العرب، وبذلك فإنّ القول بأن الظاهرة العذرية إفراز لصراع طبقي كان المجتمع الأموي يعيشه، قول يحتاج إلى إعادة نظر؛ لأن الروايات التاريخية التي بين أيدينا تشكك في هذه القراءة التي نفتقر إلى السند التاريخي الذي يدعم تفسيرها.‏

إن القراءة الاجتماعية ذات التوجه الماركسي لاتنظر إلى المبدعات الكبرى إلاّ في إطارها التاريخي رابطة إياها "بمتطلبات المجتمع المادية، وحكم الضرورة فيه، وكشفها وجه الخطأ في أخذ الظواهر بمعزل عن ظروفها التاريخية، أو أخذها جامدة في عالم متغير"(7). فمن باب تحصيل الحاصل القول بأن القراءة الاجتماعية تعتمد على التاريخ. فلا علم إلاّ التاريخ في نظرها، فهو دليل قوي، ومرجع أساسي في تحليل الواقع الاجتماعي وتراكيبه. إلاّ أن المتأمل في قراءة "طه حسين" الظاهرة العذرية يلفيه يضفي عليها بعداً طبقياً كان المجتمع الأموي مسرحاً له، وأنها إفراز للحرمان والبؤس اللذيْن كانت تعيشه بادية الحجاز. وهو تفسير يحاول أن يبرر للظاهرة تبريراً مادياً، ولكنه يفتقر إلى السند التاريخي- كما سبقت الإشارة إليه من قبل- على أساس أن أعلام العذرية لم يكونوا من المحرومين ولا من البائسين والفقراء، وإنما كانوا من الموفورين حالاً. وبذلك تفقد قراءة "طه حسين" إحدى المقومات الأساسية في تفسيرها الطبقي للظاهرة. على اعتبار أن هذا الصراع في بعده العام عامل ذو فعل شامل ومباشر وحاسم في التحولات الاجتماعية الكبرى على مدار التاريخ الحضاري للإنسانية؛ وبذلك نلاحظ أنّ "طه حسين" انزلق من القراءة الاجتماعية إلى القراءة السياسية. وأن وعيه بقراءة الظاهرة العذرية سياسياً أوفر حظاً من قراءته الاجتماعية وفق المنظور الماركسي، ويبدو لنا أنّ "طه حسين" لم يكن الفكر الماركسي قد تبلور لديه بوعي تام حتى يأخذ منه مرتكزاً معرفياً يقرأ من خلاله العذرية، مثلما نلمس ذلك الوعي عند تلاميذه من أمثال "الشوباشي" أو "عبد المنعم تليمة" أو "لويس عوض" وغيرهم؛ وبذلك نرى أنّ قراءة "طه حسين" لطبقية العذرية هي قراءة أقرب من النظرات الانطباعية منها إلى القراءة المنهجية الواعية.‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:14 am

إنّ الشعر العذري في تصوير "طه حسين" وليد ظروف سياسية تميزت بها الفترة الأموية؛ حيث "نستطيع أن نستنبط أنّ بلاد العرب بعدما تم الفتح للمسلمين، وبعد أن جاهدت في الاحتفاظ بالسلطان السياسي، وأخفقت في الجهاد إخفاقاً شنيعاً، وانتقل مركز الحكم منها إلى الشام، كما انتقل مركز المعارضة منها إلى العراق انصرفت أو كادت تنصرف عن الاشتراك في الحياة العامة، وفرغت للحياة الخاصة، فانكبت على نفسها، وأحست شيئاً من اليأس والحزن غير قليل، فهي كانت مهد الإسلام ومصدر قوته، ومنها انبعثت الجيوش الفاتحة التي أخضعت الأرض وأزالت الدول، وفيها نشأت الخلافة ومنها امتد سلطان الخلافة على الأرض، ثمّ هي ترى نفسها جُردت من كل شيء، فانتقلت عاصمة الخلافة إلى الشام، وانتقل جهاد الأحزاب السياسية إلى العراق، وأساء خلفاء الشام ظنهم ببلاد العرب، فعاملوها معاملة شديدة قاسية، وأخذوها بألوان من الحكم لاتخلو من العنف"(8). فاليأس استشرى في المجتمع الأموي الذي شعر بأنّه قد بدأ يفقد امتيازاته التي كانت تمنحها إياهم الدولة الإسلامية الأولى.‏

يستمد "طه حسين" من التاريخ الأموي ومعاملته للمجتمع الحجازي مادة لقراءته السياسية. وعليها ارتكز في تفسير الظاهرة العذرية تفسيراً سياسياً وتاريخياً- كما ألمحنا في السابق- على الرغم مما رافق هذه القراءة من المبالغات التي تهدف إلى تصوير التاريخ الأموي تاريخاً كله استبداداً وقهراً. خاصة ونحن نعلم أنّ هذا التاريخ في الكثير من تدويناته قد كتب بيد شيعة وعباسية كانت تكن العداء لبني أمية، ولهذا فهو لايخلو من المبالغة والإضافات التي لاتمت إلى الحقيقة التاريخية بصلة.‏

ويضيف "طه حسين" إلى قراءته السياسية قراءة ذات بعد ديني، حيث يرى فيه دعماً للقراءة السياسية، ذلك لأنّ العذرية بقدر ماهي إفراز للسياسية الأموية تجاه المجتمع الحجازي، هي إفراز كذلك وراءه تأثير العامل الديني في نفوس الحجازيين، وهو عامل روحي له الدور الأساسي في تشكيل الفضاء الفني للعذرية إذ "كان أهل البادية الحجازية يائسين، ولكنهم كانوا فقراء، فلم يتح لهم اللهو وقد حيل بينهم وبين حياة الجاهلية، وقد تأثروا بالإسلام وبالقرآن خاصة، فنشأ في نفوسهم شيء من التقوى ليس بالحضري الخالص وليس بالبدوي الخالص، ولكن فيه سذاجة بدوية وفيه رقة إسلامية، وانصرف هؤلاء الناس عن حروبهم وأسباب لهوهم الجاهلي، كما انصرفوا عن الحياة العملية في الإسلام إلى أنفسهم فانكبوا عليها، واستخلصوا منها نغمة لاتخلوا من الحزن، ولكنّها نغمة زهد وتصوف"(9).‏

فالبعد الطبقي والسياسي والديني يشكل أسس قراءة "طه حسين"، وبذلك يعطي للظاهرة العذرية بعداً حضارياً متشعب الدلالات، وهو مايتجلى في قوله "والحق أننا إذا أردنا أن ندرس تلك الظاهرة الفنية وصلتها بالمجتمع والعصر، لاينبغي أن نقف عند تعبيرها الظاهري عن عواطف الحب، فليس من المعقول أن ينشأ هذا العدد الكبير من الشعراء العذريين الذين يتفقون في طبيعة التجربة العاطفية وصور التعبير عنها، دون أن يكون لذلك جذور أعمق مما تراه على سطح تلك الصور والمعاني الشعرية المشتركة. وليس من خير في أن نلتمس في هذا الشعر دلالات ورموزاً تتجاوز التجربة العاطفية.. ولو تدبرنا مانصادف من الصور العاطفية عند هؤلاء الشعراء لأحسسنا أنّها لو انتزعت من -سياقها- يمكن أن تكون تعبيراً ومشاعر أكثر شمولاً، قد نجد فيها تصوراً لموقف عام من الحياة"(10) وبذلك تجتمع العوامل السياسية والاجتماعية والدينية لتشكل الفضاء الكلي للظاهرة العذرية لتعبر عن موقف حضاري شامل.‏

إنّ قراءة "طه حسين" في تركيزها على البعد الاجتماعي والسياسي وقعت في النظرة التجزيئية للظاهرة، محاولة التعامل مع جوانبها الخاصة ومهملة في الوقت نفسه النص الإبداعي، فاعتمدت فقط على السياقات التاريخية دون الخصائص الفنية للشعر العذري، وهذا ماجعلها تتجنب الإحاطة بالبعد الشمولي للظاهرة العذرية، بوصفها ذات أبعاد متعددة ومتكاملة في إطار شمولي إذ لايمكن الانطلاق من الجزء لإدراك الكل. وهذا ماستحاول أن تتفاداه القراءة البنيوية التكوينية التي تحتكم إلى مبدأ الكلية، والشمولية، بين المسألة الفنية والمسألة الاجتماعية.‏

إنّ التفسير الطبقي للظاهرة العذرية لم يكن وقفاً على "طه حسين" فقط، وإنما وقف عنده "يوسف اليوسف" كذلك، فاليأس والحرمان والنزعة التدميرية التي تميزت بها العذرية في خضم التحولات الحضارية، كانت نتيجة إحساس العذري بالضياع إذ "أصبح الفرد يناضل كي يبني دولة امبراطورية لايستفيد منها إلاّ السراة، وطالما أنّ الامبراطورية أخذت تعزز التراتب الطبقي وتمارس التغريب على روح الفرد... فقد باتت الامبراطورية شيئاً لايعنيه، لأنّها لم تعد ملكه، بل ملك جلاديه ومستغليه، ولهذا كان لابد من أن ينقص إلى طبيعته الأصلية التي أصبح لها الحق في المطالبة بحاجاتها الأزلية"(11) فالعذرية عند "يوسف اليوسف" ارتداد داخلي للفرد داخل المجتمع الأموي، بعد أن أحس بالتهميش وضياع حقوقه الاجتماعية والسياسية، وبذلك فإنّ هذا الطرح يمزج بين القراءة الاجتماعية والقراءة النفسية للظاهرة العذرية، ومن هنا كان يصعب علينا التصنيف النقدي لتلك القراءات التي درست الشعر العذري، فمن غير اليسير أن نضع قراءة "يوسف اليوسف" في خانة التحليل الاجتماعي الخالص، وهو لايخلو من التركيز على البعد النفسي ضمن رؤية اجتماعية نفسية.‏

فالعوامل الاجتماعية والسياسية كان لها الدور الرائد في تشكيل الفضاء الشعري للنص العذري، والذي كان تعبيراً عن إحساس الطبقات البائسة بالاحتباس العشقي المادي لدى الفرد الأموي، هذا الاحتباس الذي كان مقبولاً عندما كان الفرد يقبله طواعية من أجل إنشاء المشروع الحضاري في صدر الإسلام، والذي كان يرى فيه جزء منه، يضحي من أجله، لأنه يرى أنّه المثل الذي يتبناه جميع الأفراد، مشكلاً بذلك ائتلافاً اجتماعياً وسياسياً بين الفرد والمجتمع، لأنّ التنازل عن الحاجات الطبيعية يعود بالفائدة النفسية على جميع أعضاء المجتمع. أما وقد انتقل مشروع المجتمع من مشروع يتبناه المجتمع إلى مشروع يكرس الطبقية في جميع مجالاته الاجتماعية والسياسية والمالية، فلم يبق لفرد إلاّ النكوص والانطواء واليأس تعبيراً عن الغبن المادي والمحتوى الذي أفرزه الواقع الطبقي داخل المجتمع الأموي، والذي أصبح مجالاً تستفيد منه طبقة دون الطبقات الأخرى.‏

إنّ قراءة "يوسف اليوسف" كما يبدو تنطلق من الطبقية السياسية لامن الطبقة المادية، التي أفرزها الواقع السياسي الأموي، والذي كان لها التأثير الكبير في المجال الاجتماعي. فقراءة "يوسف اليوسف" هي بخلاف قراءة "طه حسين" التي تذهب إلى الأصول الطبقية المادية المبنية على الفقر والبؤس الذي كانت تعانيه البادية الحجازية.‏

إنّ الأساس الطبقي للظاهرة العذرية الذي انطلقت منه القراءتان، ليس له مايبرره على الصعيد المادي المعيشي، المرتبط بالفقر والبؤس والحرمان، أمّا العامل السياسي المبني على الحيف والظلم والتهميش والحرمان السياسي الذي تعرضت له بلاد الحجاز في الفترة الأموية، فله مايبرره في التاريخ الأموي. لذلك كان العامل السياسي أوفر حظاً من العوامل الأخرى التي قدمتها القراءتان السالفة في تفسيرها لنشأة الظاهرة العذرية. فالفرد كما يذهب إلى ذلك "يوسف اليوسف" أحس بالتهميش والإقصاء عن صنع مصيره التاريخي والسياسي والحضاري الذي كان يوفره له المجتمع الإسلامي في عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم.‏

إنّ الأصول الطبقية للظاهرة العذرية تنطلق من أنّ الأدب مرآة للحياة وأنّ "الأدب يصور حياة الناس، فلا يكون أدباً حتى يصور حياة الناس، وليس في الأرض أدب إلا وهو يصور حياة أصحابه"(12) وهو الأساس النظري الذي انطلق منه "طه حسين" في قراءته للشعر العذري بناءاً على التصور السابق. فمقولة "المبدع ابن بيتئه" أسهمت في توجيه قراءة "طه حسين" توجيهاً اجتماعياً، أفضى به إلى القول بالبعد الطبقي، الذي وقف وراء ظهور الظاهرة العذرية، وقد نبهنا إلى أن "طه حسين" لم يستند في ذلك إلى التفسير الاجتماعي الماركسي وإنما كانت قراءته قراءة انطباعية لاتسنتد إلى أصول معرفية.‏

2-القهر والقمع الاجتماعيان:‏

إن الربط بين الظواهر الإبداعية الكبرى والوسط الاجتماعي الذي نشأت فيه، من المرتكزات الأساسية للقراءة الاجتماعية، اعتقاداً منها أن المجتمع لايقدم ببساطة أعمالاً إبداعية خالصة، ولكنه ينمي أدباً وأدباء يستخلصون أعمالهم ومهاراتهم الفنية ونظرتهم منه، وبذلك تؤكد على العلاقة المنسجمة بين الأدب والمعتقدات السياسية السائدة فيه، إيماناً منها أن الأدب انعكاس للحس الاجتماعي بكل أبعاده وخلفياته الفكرية والسياسية.‏

ولعل المؤثر السياسي من أهم المؤثرات الاجتماعية التي كان لها دور أساس في بلورة الرؤية المعرفية التي تكون القاعدة الأساسية لتشكيل الظواهر للمبدعات المتميزة. والقهر والقمع الاجتماعيان كانا من أبرز العوامل السياسية التي أسهمت في تشكيل الرؤية المعرفية للأعمال الإبداعية الكبرى عبر الحضارات الإنسانية، باعتبار أن الحس المأساوي من المصادر الأساسية للإبداع الأدبي، وأن هذا الحس في غالبيته شكل من أشكال التعبير عن القهر والقمع السياسيين، في تاريخ الحضارات الإنسانية.‏

إن معيار القهر والقمع كان الأساس لقراءة "يوسف اليوسف" حيث (13) "غدا المثال الأخلاقي في العصر الأموي أداة في خدمة الاستبداد الملكي الخالع للأفراد والساحق لهم تحت وطأة آلة الدولة، ولهذا راح الأفراد يلتزمون بالمثال ويطالبون بحقوقهم العشقية في آن معاً، فكانت العذرية أي النقاء العشقي والانقهار أم الحضر، ومن هنا كان القهر هو العنصر الأول الذي تتأسس عليه عظمة الشعر العذري ومزاياه الوجدانية، وبالتالي فإن القهر هو المعيار الأول لتقدم ذلك الشعر، وربما لنقد التراث الشعري كله" فالاستبداد الملكي في نظر "يوسف اليوسف" الساحق للفرد هو الدافع الأساسي للحس التفجعي الذي اتسم به الخطاب العذري.‏

إن قراءة "يوسف اليوسف" تجنح للغلو عندما تجعل من القهر بكل أبعاده أساساً لقراءة الظاهرة العذرية، وتعده معياراً عاماً لقراءة كل التراث الشعري العربي وهو حكم يحمل مثالب كثيرة، تجعل من الحضارة العربية الإسلامية حضارة قمعية قهرية للفرد في كل المستويات.‏

ولعل هذا التوجه الذي رسمه "يوسف اليوسف" في قراءته للظاهرة العذرية، يرجع في أساسه للمرجعية التاريخية التي تجعل من الفترة الأموية فترة استبدادية قهرية في جانبها السياسي والاجتماعي، وهي مرجعية تاريخية كان الأساس في تصويرها الصراع السياسي الذي كانت تدور رحاه في دواليب الحكم الأموي، والتشويهات التي ألحقها خصوم الأمويين وخاصة الشيعة -بالتاريخ الأموي "فإنه لما قوى ملك بني أمية مرة أخرى بالشام، جاء "الحجاج بن يوسف الثقفي" وحاصر مكة، وضرب الكعبة بالمنجنيق، وقتل "ابن الزبير" ودخل البيت للحرم، وهذا مايثير المسلمين لما لابن الزبير من فضل، وما للحرام من حرمة، وما للكعبة من قدسية، ومع هذا فإن هذه الحادثة تبقى دون فاجعة كربلاء، من حيث التسجيل وإثارة المسلمين، إذا سجلت كل منهما بأسلوب. الأمر الذي يوضح الأيدي التي سجلت التاريخ لهذه المدة من الزمن أو ذلك العهد من العصر الإسلامي. لقد استغل خصوم "بني أمية" هذه الأحداث التي وقعت في عهدهم، واستفادوا من بعض الحوادث التي سبقت عصرهم فعملوا على تشويه التاريخ بشكل عام"(14).‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:15 am

فالتاريخ الأموي كما تقدمه المصادر التي دونت في العصر العباسي، مليء بالتحريف والتشويه الذي لحق بهذه الحقبة الزمنية من التاريخ الإسلامي، الأمر الذي يوجب على القراءة التي تعتمد في مرجعيتها على السياق التاريخ للظاهرة العذرية في جانبها السياسي والاجتماعي على تصورات تاريخية ليست مؤسسة، ثم الاعتقاد أنها أحكام مطلقة، وهذا ما لم يعلم به "يوسف اليوسف" في قراءته للظاهرة، بل تعامل مع التاريخ الأموي ذي البعد القهري القمعي تعاملاً مطلقاً دون أن يتحقق من صدق مصدرها أو كذبه أو تشويهاته.‏

إن القهر والقمع الاجتماعيين للظاهرة العذرية عند "يوسف اليوسف" لايحصرها في البعد السياسي فقط، وإنما يعيدها إلى أبعاد اجتماعية تتمثل في القيم والتقاليد والأعراف التي تشكل في مجملها البناء الاجتماعي للعصر الأموي.‏

فالرقابة التي كانت تسلطها القيم الاجتماعية، يراها "يوسف اليوسف" أساساً مركزياً، تقف وراء الظاهرة العذرية "فالرقابة الكابحة، إذن هي العامل المشوه لأرواح الشعراء العذريين الذي صدقوا واقعهم وأرواحهم، وقلما تجد الشاعر العذري عاجزاً عن إدراك سر المكابدة التي يعيشها" (15) فالقهر الذي يمارسه المجتمع على الأفراد بواسطة القيم الاجتماعية المفروضة، سواء أكانت ذات مصدر خلقي أم من صنع العادات والتقاليد، تجعل الأفراد قسراً أو طواعية يقبلون المنزلة التي يفرضها عليهم الوضع الاجتماعي، كما لو كانت طبيعة فيهم ويؤدون الأدوار المفروضة عليهم معتقدين أنهم يتصرفون بحرية.‏

مثل هذا التصور يذهب إلى أن الرقابة كانت تثقل كاهل الشعراء العذريين اجتماعياً، مبرراً آثارها في نفسية أولئك الشعراء الذين كانوا يتأوهون من جبروتها وسلطتها القهرية في المجتمع العربي الأموي، فالرقابة بوصفها قيمة اجتماعية تطرح فكرة الصراع الاجتماعي والنفسي الذي هو ظاهرة "تصادم أو تعارض بين قوى متكافئة إلى حد ما، فتوافق هذه القوى وتمانعها يؤديان في وقت ما إلى أنّ الأثر الذي يحدثانه في الوضعية أو في الجماعة، أو في الأفراد هو أثر يعيشه الأفراد كما لو كان حالة توتر" (16) وهذا التوتر في جانبه النفسي، ذو المنبع الاجتماعي هو أحد العوامل الأساسية في تشكيل مظهر الاحتجاج في شعر العذريين.‏

لكن مايلاحظ على هذه القراءة، أنّها ترجع العذرية إلى الرقابة الخارجية فقط، والمتمثلة في القيم والأعراف الاجتماعية، مهملة البعد الخارجي الروحي للرقابة الداخلية في تشكيل الظاهرة العذرية، وبذلك تفسرها تفسيراً مادياً مقصية البعد الديني والروحي، وهذا ما وقف عنده مطولاً "محمّد غنيمي هلال" معتبراً‏

(17) "أنّ شعراء البادية اتجهوا اتجاهاً آخر في غزلهم العفيف، دفعهم إليه الانصراف عن الحياة السياسية، واليأس من حياة مترفة لاهية، إذ كانت تعودهم أسباب تلك الحياة، لبعدهم عن المدن، ثمّ لتمكن التقاليد العربية منهم، وقوة سلطان الخلق الإسلامي فيهم" فبقدر ماكان للرقابة الخارجية دور في تشكيل الظاهرة العذرية، كان للرقابة الداخلية في بعدها الروحي الإسلامي دور كذلك في تشكيل الخط العفيف الذي اتخذته منحى لها.‏

يركز كذلك "عبد القادر القط" على الرقابة الاجتماعية، فيجعلها من بين العوامل الأخرى التي تنضاف إلى العوامل الدينية والخلقية التي أسهمت في بناء الكون العذري، بناءاً تجسد في ذلك اللغة الشعرية الشفافة وفي فضائها الواسع الذي اختلط بقصصهم وأخبارهم الشعرية: إذ "من يتتبع قصص هؤلاء الشعراء وأحوالهم يدرك أنّ فشلهم لايعود إلى أسباب دينية وخلقية بقدر ما يرجع إلى عوامل ترتبط بتقاليد المجتمع العربي وقيمه، خاصة مايتصل بعلاقة الرجل بالمرأة" (18). فعلاقة الرجل بالمرأة التي تطوقها القيم العربية السائدة بالخطر والرقابة، كانت سنداً قوياً لرؤية العذرية بكل أبعادها، وماتحمله من روح استسلامية أمام المحافظة الشديدة التي تحكم المجتمع العربي "فنحن إذن أمام مجتمع شديد المحافظة تتحجب فيه المرأة عن الرجل وتلقي على وجها برقعاً إذا لقيت رجلاً من غير أهلها.. ويضطر المحبون إلى أن يظهروا غير مايبطنون ويبدو البغضاء لمن يحبون حتى يجنبوا أنفسهم عداء الأهل والناس"(19) لذلك كانت الوشاية والوشاة من أهم الصور التي تجلت في فضاء النص العذري. فالشاعر العذري في صراع دائم مع الوشاة الذين كانوا يتسقطون أخباره، ويتصيدون هفواته، ويتربصون به، لأنّ العذريين كانوا "أعفة يسعى الرقباء والوشاة إليهم يتبعونهم في كل مكان"(20) وقد تحول الصراع بينهم إلى أن أصبح مصدر قلق للعذريين، انضاف إلى عنائهم وعذابهم من المجتمع المغلق.‏

يطرح "عبد القادر القط" الوشاية على أنها مظهر من مظاهر الرقابة الاجتماعية للمجتمع على العذرية، فالعذري ذات مقموعة أمام سلطة القيم الاجتماعية العربية، وما النزعة الاستسلامية التي كان يتصف بها العذري إلاّ عنواناً للرضوخ الإجباري الذي فرض عليه فرضاً قسرياً، لم يكن له فيه حيلة.‏

فالوشاية معادل موضوعي(21)* في الشعر العذري للسلطة الاجتماعية بكل قيمها، ومدى تسلطها وتأثيرها في العذري. واستسلام هذا الأخير لها استسلاماً لامرد له. وبذلك تنازل العذري عن ذاته أمام الرقابة الاجتماعية فعبر عن الخط "الرضوخي المعبر عن القبول الانصياعي في المجتمع العربي والذي كان نتاج تعمق حس القهر الذي يثمر الحظر التاريخي المفروض على الروح، سواء أكان طوعياً أم قسرياً"(22) وفي كلتا الحالتين كان مصدراً لشقائه ومعاناته.‏

إن الرؤية الاجتماعية المبنية على التفسير المادي للفن، هي التي فرضت على "عبد القادر القط" القول على أن العذرية في جانبها الاجتماعي هي إفراز لقهر المجتمع ورقابته، على تلك العلاقة التي كانت تقوم بين الرجل والمرأة، وأنّ المحافظة الشديدة التي فرضتها قيم المجتمع العربي من هذه الناحية هي التي أفرزت العذرية كمعادل موضوعي للتعبير عن قهر المجتمع العربي وقمعه لتطلعات الشاعر العذري. وهي قراءة بقدر ماتقف على رافد من أهم روافد العذرية، إلا أنها تهمل روافد أخرى، خاصة ماتعلق بطواعية تخلي العذري عن النظرة الشبقية بمفهومها المادي للمرأة، وتعويضها بنظرة روحية أساسها إيمانه العميق بالخلق الديني.‏

إن الشعور بالقهر والرقابة بكل ماتحمله من أبعاد سياسية واجتماعية في الشعر العذري هي التي دفعت الإحساس بالحرمان لدى العذري لأن يطغى على وجدانه ورؤيته المعرفية؛ وهذا ما حدا "بعلي البطل" إلى اعتبار العذرية تعبير عن الإحساس بالحرمان السياسي على وجه الخصوص وأنه الدافع الرئيس للعذرية في العصر الأموي "وأما أبناء البوادي فقد اختلف حالهم، إذ كانت حياتهم تميل إلى الشظف والخشونة، لذلك فقد اختلفت الصورة في الشعر الحجازي بين بواديه وحواضره، وتركز هذا الاختلاف في تعبير كل منهما عن حظه من الحياة من خلال صورة المرأة... ففي شعرهم نجد الهدف الأساسي هو التعبير عن هذه العاطفة، وعن الحرمان الملازم لها، لا التعبير عن المرأة التي هي هدف العاطفة، ومجالها، فشعرهم يهتم بالروح أكثر مما يهتم بالصورة الجسدية"(23) وبذلك يطرح "علي البطل" العذرية طرحاً مغايراً لطرح "يوسف اليوسف"، فالمرأة عند "علي البطل" معادل موضوعي لصورة الحرمان الذي كان يعيشه العذري في العصر الأموي في باديته التي افتقرت إلى أدنى الشروط التي يجب أن تتوافر لإنسان يعيش في مجتمع يهدف إلى بناء حضارة بكافة مستوياتها الروحية والمادية. وهو طرح يأخذ أصوله من طرح "طه حسين" الذي سبق وأن أشرنا إليه.‏

فالعذرية تعبير عن الإحساس بالحرمان الذي أخذ طابعاً مأساوياً، وأنّ المرأة ماهي إلاّ صورة أو رمز للمنهوب سياسياً واجتماعياً، وبذلك يعطي "علي البطل "تفسيراً حضارياً للعذرية، انطلاقاً من أنّ صورة المرأة في الشعر العذري لم يقصد منها الجسد فقط، وإنّما الماهية كذلك، وهي قراءة تجاوزت المحدودية التي تميزت بها القراءات الاجتماعية السابقة للعذرية. لتعطيها بعداً شمولياً. فالعذرية لم يكن هدفها تصوير المرأة الجسد، وإنّما المرأة الماهية.‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:16 am

فالحرمان لم يكن حرماناً شبقياً كما ذهب إلى ذلك "يوسف اليوسف"، وإنّما هو حرمان حضاري يتعدى محدودية النظرة الشبقية إلى النظرة الشمولية، وتلك الميزة الأساسية التي أهلت العذرية لأن تكون ظاهرة إبداعية ذات مدلول إنساني، يعبر عن الحرمان بهذا المفهوم تعبيراً شاملاً.‏

فالعذرية بهذا المفهوم تجسيد للصراع داخل المجتمع الأموي من خلال صورة الحرمان التي انعكست بصورة عامة في صورة المرأة. لذلك "يرى عدد من علماء النظرة السوسيولوجية أنّ الصراع بمفهومه الواسع يجب أن يكون سبباً للتعبير الاجتماعي، وتنطلق هذه النظرة من منطلق أنّه لو كان هناك إجماع أو اتفاق في المجتمع، ولو أنّ القطاعات المختلفة له كانت متكاملة فإنّ الحاجة بالتالي إلى التغيير تكاد تكون ضئيلة، ومن ثمّ فإنّه لابد من وجود صراع بين مختلف قطاعات المجتمع أو طبقاته أو بين مختلف الأجزاء المتنوعة المكونة للأنساق الثقافية والاجتماعية، لابد من وجود ذلك الصراع حتى يحدث التغير"(24)، فالتعبير عن الحرمان قد جسد ذلك الصراع المحتدم الذي كان يصطرخ داخل المجتمع الأموي، فبقدر ماكان هذا الصراع عامل بناء داخل المجتمع الأموي. إلاّ أنّه بدأ يتجلى سلبياً في الذات العربية الإسلامية من خلال عدم تحويل هذا الصراع لما يخدم المجتمع ذاته, لأننا لا ينبغي أن ننظر نظرة سلبية إلى هذا الصراع. فلولاه لما تقدمت المجتمعات، وهو ماكان يطمح إلى تحقيقه المجتمع العربي.‏

فالعذري عندما عبر عن حرمانه كان يعبر عن موقفه من الواقع الاجتماعي، وبالتالي كان يحاول أن يسهم في بناء المجتمع العربي الإسلامي على نحو يلبي طموحاته، وهذا مالم يدركه "يوسف اليوسف" الذي عدّ العذرية استسلاماً وتنازلاً عن الذات والهوية "لأنّ هذه الرضوخية المعبرة عن القبول الانصياعي هي من نتاج تعمق حس القهر الذي يثمر الحظر التاريخي المفروض على الروح، سواء أكان طوعياً أم قسرياً. مثل هذه الحالة الاستسلامية المتنازلة عن الذات، والتي تعكس حداً من حدود أزمة الهوية، قد نجدها على نحو سوي في بعض الأحيان"(25)، وهي قراءة تركز على الجانب الاستسلامي في العذرية، ولا تدرك ذلك الطموح الذي تسجد في الصراع بشقيه الداخلي والخارجي، وكله من أجل بناء المجتمع بناء عادلاً.‏

فالإقصاء النابع عن القهر والقمع هو العامل الاجتماعي الرئيس عند "يوسف اليوسف" في إفراز الخط العذري في العصر الأموي "فلفظة "ناي" الشديدة التواتر في الشعر العربي القديم، ينبغي أنّ تفسر تفسيراً كأنه معادل اجتماعي للإقصاء، وهذه اللفظة الأخيرة من معجم العذريين أنفسهم"(26)، فالإقصاء السياسي والاجتماعي هو الذي يكرس فكرة التعويض، بوصفها دافعاً أساسياً في تشكيل الفضاء الشعري للعذرية.‏

إنّ فكرة التعويض التي أشرنا إليها لا يطرحها "يوسف اليوسف" من زاوية اجتماعية خالصة، بل من زاوية اجتماعية وسياسية، لذلك نجدها قد جنحت إلى الخيال الذي يقوم مقام التعويض الدفاعي "وكل هذا يؤكد أن الخيال قطاع لا يمكن للقهر أن يقهره، فهو يواظب على صيانة حريته تجاه الردع، ويحتضن جملة الصور المحرمة ويخصبها فيثبت فيها الحياة، وهو يحتضن جملة الصور المحرمة كافة ويجعل منها ممارسات وهمية. وبذلك يقوم بوظيفة تعويضية يحقق التطهير من خلالها، الشيء الذي يجعل منها آلية دفاعية جبارة. وهذا يعني أن الوظيفة الكبرى للمخيلة هي صيانة التماسك الداخلي للذات"_(27)، فالخيال يستمد قوته مما ينطوي عليه من فعالية لا غناء عنها في منجزات الإنسان الإبداعية عبر التاريخ.‏

فالوعي التاريخي عندالإنسان هو الذي يجعله يوظف خياله للتعبير عن كبرى اهتماماته في أنساق فنية وإبداعية تحمل بصمات الوعي التاريخي باللغة التي تتخذ الخيال مطية للمزج بين الواقع واللا واقع، وبين الحقيقة والمتوهم، لأن "سياق العلاقات بين الخيال والذاكرة يرى أرسطو أنّهما يتصلان بجزء واحد من النفس، وأنّ للأشياء التي هي موضوعات جوهرية للذاكرة، هي نفسها موضوعات الخيال"(28)، والتي ستتحول إلى مادة فنية خصبة.‏

إنّ التعويض عند العذري في منظور "يوسف اليوسف" يتجسد من خلال عدة أدوات، ويعدّ "الطيف" من أبرز هذه الأدوات الفنية التي وظفها العذري من أجل تحقيق التعويض الفني والنفسي للمردوع الاجتماعي "وهذا يعني أنّ الطيف وهو الطيف وهو الوعي المردوع، ينطوي على رفض العقل لجهار الردع الخارجي من هنا كان "الطيف" إفرازاً خيالياً للقبول بالقيم، ولكنه في الوقت نفسه موقف استنكافي من لا عقلانية الحؤول والكبح أي موقف عقلاني يتخذ وجه اللا عقلانية الوافد من الخارج الاجتماعي"(29). إنه واقع اجتماعي قهري بلغ حد التطرف والكبح حيث دفع العذري إلى الاستعانة بالطيف كأداة فنية للتعبير عن المكبوت، وهي نظرة تصور الواقع الأموي تصويراً قهرياً في مستوياته الاجتماعية والسياسية، وتجعل من العذرية حركة رفضية لكل القيم التي كانت تشكل الرؤية الأموية في جميع مستوياتها.‏

فقراءة "يوسف اليوسف" بقدر ما وقفت على جانب أساسي من الدوافع الاجتماعية للعذرية. نجدها قد تطرفت في تفسيرالعذرية على أساس أنها رفض لكل ما كان أموياً، وهي قراءة سقطت في التحريفات التي ألحقها التدوين المشوه للتاريخ الأموي بخاصة في العصر العباسي، ومن الخصوم السياسيين للأمويين.‏

إن القراءة المادية للعذرية هي التي جعلت من "الطيف" أداة تعويضية للمكبوتات الاجتماعية. فالطيف "هو محاولة لاسترداد الفردوس المفقود، وبالتالي فهو شكل من أشكال مقاومة الانصياع، أو لنقل هو مظهر لا شعوري من مظاهر إدانة الزمن المسروق، إنه احتجاج مقنع ضد البرهة المفرغة ومحاولة تعويضية لخلق برهة الفرح المنهوبة، ولذا فهو النتاج الضروري لنظام الرقابة"‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:16 am

(30)، وفي هذا الاتجاه يمضي.‏

إن تأويل "الطيف" تأويلاً اجتماعياً خالصاً، يجعل القراءة تحمل بعداً فنياً لم يكن العذري يريدها له، ويجعل من اللغة العذرية لغة ذات أبعاد مادية مجردة من الجمالية الفنية، كما يُحمل العذرية بعداً جمعياً للتاريخ الأموي، ويجعل القراءة تسقط في التعتيم القهري، وكأنه سمة مطلقة للمجتمع الأموي، على الرغم من أنه يمكن أن يكون مظهراً جزئياً هامشياً داخل المجتمع. فليس من الموضوعية تعميمه على التاريخ الأموي في كليته. وتلك قراءة تحمل من التعميمية مايجعلها تنحرف في قراءتها للعذرية كظاهرة فنية في العصر الأموي.‏

إن التعامل مع فكرة القمع من هذا المنظور تنطلق من بيان أهمية المجتمع في عملية الإبداع معتبرة الإبداع ضرباً من ضروب الإنتاج الاجتماعي، وليس إنتاجاً فردياً. وأنه يتأثر بالأوضاع الاجتماعية والتاريخية، ويخضع لظروفه. وبذلك تصبح جماليته شيئاً تاريخياً محلياً.‏

فالعذرية -إذن- في نظر القراءة الاجتماعية تعبير عن لا شعور جمعي، بوصف هذا الأخير حصيلة نهائية للوعي الاجتماعي، وأنه "ينحدر من السابق إلى اللاحق، ويكون متحداً لدى الأفراد جميعاً بمعنى أنه يورث ويكون محمّلاً بخلفية اجتماعية وتاريخية تمتد في التراجع إلى البدايات الأولى للإنسان، وسوف تستمر في التقدم نحو الأجيال القادمة"(30). ومن ثمّ فالإبداع مطبوع بطابع سوسيولوجي تاريخي.‏

إنّ القراءة الاجتماعية للظاهرة العذرية مبنية على الأسس السابقة الذكر، هي أسس مبنية على نظرية "يونغ" حول اللاشعور الجمعي، والتي حاول من خلالها تفسير عملية الإبداع. "فيوسف اليوسف" يرى (32): "أنّ مقولة القهر هي المعيار الأول لنقد معظم التراث الشعري القديم". فالقهر لا شعور جمعي ترسب في النفسية العربية، وبذلك شكل بعداً اجتماعياً في التراث الشعوري العربي، وبخاصة العذرية.‏

لكن الإشكال الذي يواجه القراءة الاجتماعية في نظرتها إلى الإبداع هو لئن كان لا شعورياً مشبعاً بالروح الاجتماعية والتاريخية. فلماذا يتميز المبدع عن سائر الناس بالإبداع الفني؟ وأين هي ذاتية المبدع، وأصالته، وتفرده إن كان صدى للاشعور الجمعي؟...‏

فهذه الظاهرة تعبير عن ذاتية عذرية أصيلة تعيش العشق بمفهوم خاص نابع من رؤية متميزة للحب، وهي تجسيد لتجربة نوعية، قبل أن تكون تجسيداً لهمٍّ اجتماعي، وإن كنا لاننفي الدور الاجتماعي والبعدالتاريخي في بلورتها وتشكيلها.‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:17 am

3 - التدجين الاجتماعي:

إن ربط الظاهرة العذرية بعامل القمع والقهر هو الذي حذا “يوسف اليوسف” إلى اعتبارها ظاهرة تعبر عن التدجين الاجتماعي الذي وجدت فيه النفس العذرية نفسها في الفترة الأموية، فوطأة المجتمع بكل قيمة على روح الفرد، هي التي فرضت عليه الاستسلام والرضوخ للمجتمع كقوة منظمة لنزوات النفس ومتطلباتها الغريزية.

فالتدجين الاجتماعي الذي هيمن على الظاهرة العذرية، انطلق من فكرة أن الإبداع بما فيه النص العذري -خاصة عند المجنون- نتاج "لشدة الصراع بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع، بين إرواء الدافع (حتى وإن كان عذرياً، مصعداً) وبين إخماده قسرا"(33). فالقسرية التي تمارس على الفرد روح التسلط والتدجين التي يعاني منها، جسّدها التاريخ الإنساني تجسيداً واضحاً من خلال ذلك الصراع الأزلي الذي يحتدم في النفس البشرية. فالقيم الاجتماعية تغرس في الفرد روح التنازل عن الهوية الأصلية، وتعمل على استبدالها بهوية مصطنعة تراعي الآخر وتعمل من أجل إرضاء رغباته وإشباع حاجاته.

إن رضوخ الفرد لرؤية المجتمع وآلياته هو الهدف الأول الذي يعمل المجتمع من أجل تحقيقه، لأن المجتمع يرى في الفرد الأساس الأول لبناء الحضارة التي لا تتحقق شروطها إلاّ إذا انصاع الفرد لخدمة أهدافها الكبرى، لذلك يعمد المجتمع من أجل توجيه طاقة الفرد إلى الخارج، إلى صنع حركة التاريخ، التاريخ الذي لا يتحقق على الصعيد الحضاري، إلاّ إذا تنازل الفرد عن غرائزه، لذلك عملت الحضارات على إنشاء مبدأ التحريم، كمبدأ اجتماعي يسعى إلى الوقوف أمام غرائز الفرد لتنظيمها والحد من هيمنتها على حساب نفس الفرد وروحه. وهذا ماجعل "يوسف اليوسف" يقتنع (34) "قناعة تامة بأن من بين الأسباب التي دفعت بالحضارات إلى ترذيل الحب وشجبه هو كون الحب "عطالة عن التمييز"، وقعوداً عن النشاط والفاعلية"، النشاط والفاعلية التي يعمل كل مجتمع من أجل المحافظة عليها لدى الفرد حتى يكون عنصر بناء داخل المجتمع.

فالرضوخ تعبير عن القبول والانصياع، الذي يعده "يوسف اليوسف"
نتاجاً(35): "لتعمق حسن القهر الذي يثمر الحظر التاريخي المفروض على الروح، سواء كان طوعياً أم قسرياً، مثل هذه الحالة الاستسلامية المتنازلة عن الذات والتي تعكس حداً ما من حدود أزمة الهوية"، هي التي أفرزت الظاهرة العذرية في التاريخ العربي الإسلامي، فالفرد المسلم داخل المجتمع ممزق بين قبول الواقع بقيمه التي آمن بها وأصبحت تطغى على وعيه و شعوره، وبين مبدأ اللذة الذي يشكل جوهر النفس الإنسانية في أعماقها الغرائزية. فالعذري تعبير عن عمق الشرخ الذي أحدثته "الرقابة الكابحة إذ هي العامل المشوه لأرواح الشعراء العذريين الذين صدقوا واقعهم وأرواحهم، وقلما نجد الشاعر العذري عاجزاً عن إدراك سر المكابدة التي يعيشها"(36)، مكابدة عبر عنها بحس مأساوي ممزوج بعاطفة مرهفة، وهذه النظرة المأساوية للحياة في كليتها نابعة من عامل الحؤول، الذي أضفى على الحياة نظرة مأساوية. لذا نجد العذري برهافة حسه وامتلاك العشق لوجدانه جعل منه إنساناً لا يرى جمالية الحياة إلا في ملاقاة الحبيب، فوطأة المجتمع وقيمه، وعامل التدجين الذي عمل المجتمع من أجل تعميقه في نفس الفرد هي التي حذت بالعذري إلى امتلاك حس التمرد على القيم الاجتماعية، وصرف نظره عن ضرورة التاريخ، وإعلانه صراحة أن لا دخل له في صنع تاريخ لا يؤمن بجوهر الإنسان، ولا يعترف له بحقوقه الأزلية في العشق، وتلبية مطالب الذات، يقول جميل: (37).

يَقُولُونَ جَاهِدْ يا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ

وَ أَيُّ جِهَادٍ غَيْرَهُنَّ أُرِيدُ


لِكُلِّ حَدِيثٍ بَيْنَهُنَّ بَشَاشَةٌ

وَكُلُّ قَتِيلٍ، عِنْدَهُنَّ شَهِيدُ




فالعذرية عند "يوسف اليوسف" ظاهرة تجسّد من خلالها عمق الشرخ الذي أحدثته الرقابة والقهر الاجتماعيان، وتعبير عن التدجين الذي وصلت إليه النفس في أعماقها، فلقد بلغ التخوف من الإدانة بالإثم حداً بات معه العاشق العذري مقتنعاً بأن التلوث تدمير لامتلاء البرهة العشقية، وهذا ما عبر عنه أحد الشعراء بقوله: "إذا نكح الحب فسد"، الأمر الذي يتضمّن أنّ كل اتصال جسدي -حتى لو عبر الزواج- هو خنق للفرح العشقي. وهذا يعني أنّ الشبقية لم تعد للنزوع اللذي، بل أصبحت الروحانية هي السبيل الوحيد إلى التلذذ، وبذلك يكون الروح الاجتماعي قد أرغم الفرد على التنازل عن الكثير من عناصر هويته، وجره إلى التدجين الذي يريد"(38)، وهكذا أضحى التدجين جوهر انصياع طوعي لحركة التاريخ وللقيم الاجتماعية في العصر الأموي، فأصبح العذري لا يعبر عن أعماق نفسه وإنّما يعبر عن لسان اللاشعور الجمعي الذي غرسته فيه القيم الاجتماعية فشوهت روحه وجعلته يعبر عن الذات الجماعية بدل التعبير عن الذات الفردية.

تنطلق هذه المقاربة من أنّ "الأنا" قوة من القوى التي توجد في مجال سلوكنا كما أنّ "النحن" قوة من بين قوى هذا المجال، تضم "الأنا" بحيث يصبح جزءاً من الكل، ولا يقوم كقوة مستقلة تفصلها عن سائر الأنوات الأخرى حدود واضحة، "فالفرد يعيش في الشعور بالكل، ويجد الأهداف الرئيسية لإرادته ماثلة في ذلك الشعور"(39)، فهو داخل "النحن" يشعر ويفكر ويعمل لا باعتباره "الأنا" في مقابل أنوات أخرى، بل كعضو في جماعة فنجد أن عمله وفكره يعيش للآخر.

لكن قراءة "يوسف اليوسف" تواجه ذلك السؤال الذي يطرحه كل من يتأمل الظاهرة العذرية... هل كان الفرد داخل المجتمع العربي الإسلامي في الفترة الأموية مؤمناً إيماناً عميقاً بأفعاله؟ أم كان مرغماً على العمل وبذل الجهد لبناء حضارة وصنع تاريخ هو غريب عنه في الجوهر؟

إنّ القراءة المتفحصة للتاريخ الإسلامي في مهده الأول، ومع الرعيل الأول يدرك أن الفرد كان مؤمناً إيماناً عميقاً بما يفعل، وأنّ حركته داخل المجتمع كانت نابعة عن نفس صافية لا تشوبها شائبة مادية ولا غرائزية، بل كان يشعر بأنّ صنع التاريخ من مسؤولياته الخاصة.

إن التفسير المادي للتاريخ الإسلامي يحمل مغالطات كبرى، تجعل القارئ يستنبط أحكاماً، ويخلص إلى نتائج مبنية على مقدمات غير عارفة معرفة دقيقة بنفسية الفرد العربي المسلم، والتحولات الكبرى التي أحدثها الإسلام في نفسية العربي. إذ نقله من رؤيته المادية المرتبطة بالأرض ونزواتها إلى إنسان علا بفكره وسما بروحه، فجعلها مرتبطة بالسماء، بعدما كانت مرتبطة بالأرض. كما ندرك أنّ هذه المقاربة تقرأ التاريخ الإسلامي انطلاقاً من جزئيته لا من كليته، فهل الظاهرة العذرية بما تحمله من جزئية في حركة التاريخ الإسلامي يمكن أن نجعل منها أساساً لأحكام تعميمية؟... فالعذريون زمرة منعزلة في الزمان والمكان داخل المجتمع الإسلامي، ولم يكن لهم أي تأثير في حركة التاريخ الإسلامي في شموليته.

وهذا ما حاول الوقوف عنده الطاهر لبيب في دراسته "سوسيولوجيا الغزل العربي، الغزل العذري نموذجاً"- خاصة في الفصل الذي خصصه الحديث عن الزمرة العذرية، والذي سنقف عنده مطولاً في الفصل القادم، لأنها دراسة تجعل من المنهج البنيوي التكويني "للوسيان غولدمان" أداة إجرائية في مقاربة الظاهرة العذرية، لذلك فقراءة التاريخ الإسلامي من خلال العذرية يحمل مثالب كبرى، يجب على كل قراءة جادة أن تتفطن إليها، حتى لا تقع في الأحكام التعميمية.

إنّ جدلية التأثير والتأثر بين الواقع الاجتماعي والعمل الأدبي، والقول بأنّ العمل الأدبي مرآة عاكسة للواقع بأمانة مسألة تحتاج إلى إعادة نظر "لأن الآثار الكبرى في الآداب العالمية ترسم بدقة وعناية السمات الفكرية لأشخاصها" (40). وبالتالي فهي نقض للرأي الذي يرى أنّ الادب يمثل نظاماً اجتماعياً ينطوي على نوع من العمل الجمعي، فبقدر ما ينطوي على البعد الجمعي والعناصر الموضوعية، فإنّه يحمل أبعاداً ذاتية فردية يصعب على القارئ الوقوف عندها، لأنها خاصة بالمبدع كفرد متميز، فالتفسير الذي يخضع الأعمال الفنية الكبرى للعامل الاجتماعي، ويعتبره كفيلاً بتفسير جميع الأبعاد التي تحملها الظاهرة الإبداعية، تفسير مجحف في حق الظواهر الإبداعية، ومقص لسياقاتها المتشبعة ولجماليتها الفنية.

إنّ القراءة الاجتماعية التي تركز على عامل التدجين كما ذهب إلى ذلك "يوسف اليوسف" بقدر ما تثير أهمية البعد الاجتماعي في تشكيل الرؤية الفنية والمعرفية للظاهرة الإبداعية الكبرى، فهي تحاول إسقاط السياقات الاجتماعية لمسألة القهر والردع والتحريم، من أجل تنظيم أفعال الإنسان في جانبها الغرائزي مما يجعل هذه القيم تعرقل الانطلاق الحر للغرائز حتى تلبي احتياجاتها الجسدية في إطار شبقية مطلقة، وهو تناقض بين الحاجة النفسية والردع الاجتماعي.

يحاول هذا التصور أن يعرب عن رفض التدجين الذي يحمل في أساسه صرخة عالية في وجه المجتمع، وقيمه القائمة على القهر، مما عزز لدى الفرد مبدأ الرفض للاشعوري تجاه القيم الاجتماعية التي يريد التخلص من جبروتها وتسلطها، والانطلاق بحرية لتحقيق رغباته الجسدية وهي قراءة تنظر إلى التاريخ الإنساني بعامة والتاريخ الإسلامي بخاصة نظرة قهرية، استبدادية، تدعو إلى الحرية المطلقةٍ لأفعال الإنسان، وكأنها دعوة إلى النظرة الحيوانية من خلال الهجوم على القيم الاجتماعية المنظمة لغرائز الفرد.

والذي نذهب إليه، ولم تدركه قراءة "يوسف اليوسف": أنّ الحاجة عندما تشتد تخلق حالة من التوتر والهيجان لدى الفرد، ولابد للمجتمع أن يعمل من أجل خفض هذا التوتر بواسطة غرس المبادئ والقيم الخلقية في نفسية الفرد، وبذلك نجد أنّ الحاجة الملحة للإشباع سوف تصطدم بالواقع، مما يؤدي إلى قيام صراع بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع في داخل الفرد. ويتمثل الواقع المادي في مقاومة العالم الخارجي لرغبات الفرد وغرائزه. أم الواقع المعنوي، فيتمثل في القيم التي يفرضها المجتمع، والتي تشكل جملة النواهي والأوامر الاجتماعية. فالمجتمع لا يهدف إلى قمع الفرد وتدجينه وإنما يهدف إلى دمجه داخل الإطار الاجتماعي حتى يكون فرداً سوياً نافعاً، وهو ما تنتبه إليه قراءة "يوسف اليوسف" أو حاولت تجاهله.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:18 am

4 - الاحتجاج:

تركز القراءة الاجتماعية في تعاملها مع الظواهر الأدبية على الأثر الإبداعي نفسه، وعلاقته بالواقع الذي يعرضه، هذا الواقع المتكون في جوهره من حركة التاريخ، بكل ما تحمله هذه الحركة من تفاعلات وتناقضات "فالإبداع انعكاس، ولكنه ليس انعكاساً سلبياً، بل هو إسهام في التعرف على الواقع، وأداة للم شعثه وسلاح لتغييره، إنّ الواقع يبدو في الإبداع أكثر غنى من حقيقته الواقعة، لأن الإبداع لا يقف عند الواقع في معطياته الخارجية المباشرة، وإنّما يتخطى هذه المعطيات إلى إدراك جديدها، فيبدو الواقع صورة جديدة له: صورته الفنية، وهذه الصورة الفنية أكثر كمالاً من أصلها، لأنها تلمّ ما بدا مبعثراً من عناصره، وتوضح ما بدا غامضاً من مغزاه"(41). فتعبر عنه بلغة تكون في أغلبها ذات أبعاد رمزية، تحمل في دلالتها الرؤية التي يرى من خلالها المبدع واقعه الذي تحاول تحريره من المباشر الذي يقف عند حد المرئي والملموس، فيقع الشوق إلى الاكتمال، والحلم بما لم يقع، واستشراف مستقبل آت.

إنّ استشراف المستقبل رؤية أساسية في الإبداع الكبرى، وذلك ما نلمسه في الظاهرة العذرية، لكن هذه الرؤية المستقبلية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان الإبداع يحمل حس التمرد على الواقع، وبعداً احتجاجياً يهدف إلى العمل من أجل تغيير الواقع، ونقد معطياته ومفاهيمه.

وكما أسلفنا الذكر فإن قراءة "يوسف اليوسف" انتهت إلى أنّ العذرية تحمل بعداً احتجاجياً متحمساً ومتناقضاً على دنيا الواقع الأموي، لذلك "راح القهر يعبر عن ذاته دون أن يلجأ إلى مثل هذه الظواهر -الطيف والنوستالجيا- ولعل هذا الشعور من أبرز السمات المهيمنة على الغزل العذري، بل وربما على الشعور العربي كله. وهو لا يتبدى إلا من حيث هو شعر مأزوم، من جهة ومفجوع من جهة أخرى، الشيء الذي لا يعني سوى أنّ الأفراد في حضارة الحظر والتحريم، يشعرون بأنّهم لا حول لهم في المجابهة إلا غير نبش حس الفجيعة الذي ينطوي على احتجاجية هائلة"(42). فهو احتجاج كان يقوم على الحظر والقهر منذ عهوده الأولى في المجتمع العربي "فالشاعر العربي منذ امرئ القيس وحتى السياب، بل منذ بابل حتى اليوم، لا يتعامل مع شيء بقدر تعامله مع النواح والدموع، الشيء الذي يؤسس ظاهرة كبرى في الثقافة العربية، ويحيل على واقع جائر. إنّ ما يوصل الشعر العذري هو بعده الاجتماعتي، هو احتجاجه ضد الحظر"(43)، وهذا تعميم فيه مبالغة لا يؤيدها أي منطق.

وهكذا تنتهي هذه القراءة إلى السقوط في الأحكام العامة والمطلقة على تاريخ الشعر العربي منذ مراحله الأولى، فالسمة المأساوية للشعر العربي، والتي كانت تعبر عن التمزق الذاتي للفرد العربي، هو المعيار الأساسي الذي انطلقت منه قراءة "يوسف اليوسف"، لتضفي في الأخير على القصيدة العربية مسحة مأساوية، وتردها إلى إحساس العربي بأنه يعيش وحيداً في مواجهة العالم الخارجي، ويشعر بأن كيانه ناقص غير مكتمل، وأنّ مكانته الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الآخر، الذي يمثل بالنسبة إليه حاجزاً في وجه فرديته. وأنّ الذات العذرية ماهي إلا حلقة من بين الحلقات المتعاقبة في تاريخ المأساة العربية، وصراعها ضد الحظر المفروض على الذات، فالتاريخ العربي جحيم للذات العربية، كما تذهب إلى ذلك هذه المقاربة، أو تخلص إليه على الأصح.

وهي قراءة تقف على إحدى السمات الأساسية للإبداعات الكبرى، فالمسحة المأساوية حقيقة فنية ملازمة للشعر العربي بعامة والظاهرة العذرية بخاصة، وترجع في أصولها إلى أنّ "المأساة الإنسانية هي صراع غير متكافئ بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والمجتمع، ولما كان هذا الصراع هو السمة الأساسية لتاريخ البشر، فإنّ الحس المأساوي هو اللون الغالب على بقية أحاسيسهم، ولقد ظل الفن منذ أول العصور محاولة الإنسان البدائية لتجاوز المأساة، بالتعبير عنها ذاتياً، يحيط بجملة الظروف الصانعة لها. لذلك كانت المأساة: هي فن الإنسان الأول"(44)، ولذلك ينتهي "يوسف اليوسف" إلى أنّ: "الغزل العذري الذي تتبدى فيه الإدانة من خلال إبراز الوجع العشقي بالدرجة الأولى، فهو الجذر المضمر لكل فكر احتجاجي في التراث العربي"(45)، فالاحتجاج الذي يعبر عن موقف الرفض، واكب الذات العربية في تاريخها الطويل. فالعذرية مواجهة الفرد للمجتمع، وحيداً دون وسيط، غريباً بين الغرباء "الأنا" في مواجهة "النحن" الهائلة، وذلك ما أدى إلى تقوية الإحساس بالذات والشعور بالحيرة والضياع. وقد أفضى ذلك بالعذري إلى التشبع بفكر الإدانة والاحتجاج، وهي شفرة سياسية واجتماعية أدرك مضمونها الطرف الآخر، "النحن" لذلك يقرر "يوسف اليوسف" أنه: "ليس صدفة أن يهدر والي المدينة دم جميل بثينة العاشق النقي المكتفي بامرأة واحدة يحبها على غير ريبة، وأن يترك الماجن عمر بن أبي ربيعة يتعرض حتى لنساء الأشراف في الحج، وحول أقدس مكان يقدسه المسلمون، لقد كانت السلطة الامبراطورية تدرك البعدالاحتجاجي لشعر العذريين"(46). والملاحظ أن "يوسف اليوسف" لا تهمه -هنا- ما إذا كانت هذه الواقعة التاريخية حقيقية أم غير ذلك، ثم حتّى لو سلمنا بحقيقتها: ألا يمكن اعتبار ذلك حادثة منعزلة واستثنائية يجب التحفظ منها والابتعاد عن جعلها مصدراً لتعميم الأحكام؟...

فالبعد الاحتجاجي الذي فرضه الواقع الأموي، من خلال إقصاء الذات الفردية وتهميشها، بغية تسخيرها لخدمة حركة التاريخ دون الالتفات إلى تلبية متطلباتها الغريمية يرى فيه الباعث الأساسي للحس المأساوي الذي تحمله العذرية. وهي قراءة بقدر ما نجدها تقف على بعض سمات العذرية الأساسية، إلا أنّها تبالغ في تعميم النظرة الشبقية على الذات العذرية، وتفسرها تفسيراً فرويدياً انطلاقاً من الصراع بين مبدأ اللذة، ومبدأ الواقع. وبذلك تتجاهل المكونات الخاصة للذات المسلمة خاصة في جوانبها الروحية. وتحاول أن تضفي عليها نزعة مادية بحتة، هي بعيدة عنها كل البعد. لأن الذات العذرية في نظر "يوسف اليوسف"(47): "أول ما تعني أنّ التنازع الطوعي أمام القيم، أو قهر الذات الاختياري- سواء أكان عذرياً أم صوفياً- لم يكن بريئاً من كمية هائلة من الرفض تستبطنه وتلتغم في خلاياه، فالشاعر الذي يتغنى بالنقاء العشقي، ويصر مع ذلك على التشبث بطيف المرأة المحظورة إنما هو يلمح بصورة لاشعورية إلى وطأة الردع، وإلى غياب عنصر أساسي في العشق السوي أعني الجنسية الطليقة"، وهذا ما يجعلنا ندرك أنّ قراءة "يوسف اليوسف" تشكك في نقاء الحب العذري، وتصف عشقه بالمراءاة، وتعففه ونقاءه بالزيف، وتصر على أنّ تسامي العذري في حبه، ما هو في الحقيقة إلا توجع عشقي يخفي وراء مادية نهمة، أوقفتها متطلبات روح التاريخ والقهر الاجتماعي.

إنّ الاحتجاج قد نمّى لدى الشعراء العذريين الإحساس بالغربة، وهي سمة مشتركة بينهم. وهذا ما لم يقف عنده "يوسف اليوسف" فعجز العذري عن الملاءمة بين ذاته وبين الواقع الاجتماعي المحيط به، هو الذي أضفى على شعره طابعاً احتجاجياً، والذي بلغ إلى حد الثورة، وأن غربته عن مجتمعه وعن ذاته بلغت ذروة التعبير عنها في النصوص الإبداعية، فصورت ما أصبحت عليه "الأنا" الشاعرة من وحدة وعزلة، وهي التي تقف في مواجهة حركة التاريخ الذي لم يكن يستجيب لتطلعات العذري.

فالإحساس بالوحدة والغربة عند العذري قوى لديه النزوع نحو الموت والانتحار لأن "المجتمعات القائمة على أساس "النحن" مجتمعات ذات خط من الثبات، وهي تحقق بالنسبة لأعضائها نوعاً من التوازن السيكولوجي يفقدونه إذا انفصلوا عنها، بل لقد تصبح من قوة التأثير بحيث يؤدي انفصال أحد أفرادها عنها إلى موته المحقق، ويبدو ذلك بوضوح عند المجتمعات البدائية حيث "الأنا" مندمج في القبلية لا يكاد يتيسر له أدنى استقلال، وعلى هذا الأساس يمكن تحقيق النتائج التي انتهى إليها "دور كايم" في بحثه في الانتحار حيث يقرر أنه كلما تخلخلت الروابط التي تربط الفرد بمجتمعه إزداد قرابة من الانتحار"(48)، وهذا مايلمس عند العذريين، وخصوصاً تلك الغربة النابعة بسبب انفصالهم عن مجتمعهم، وانتهاج نهج مخالف له في القيم والتفكير، أدى بهم إلى النزوع نحو التدمير، خاصة عند المجنون.

إنّ العذرية عند "يوسف اليوسف" ماهي إلا نتيجة قرارات انتحارية أفرزها الإحساس العميق بالغربة، ينضاف إلى ذلك خيبة الأمل التي أصيب بها الفرد الذي أحبطت أمانيه في تحقيق المجتمع الفاضل، الذي جاهد من أجله في عهد الخلفاء الراشدين، حيث لم يعد كما كان يحلم به، نتيجة انتقال الحكم من الشورى إلىالوراثة، أي من الحرية إلى الاستبداد، وهذا الانعطاف الخطير في تاريخ المجتمع الإسلامي، كان له الأثر السلبي والوخيم على نفسية المسلم في العصر الأموي.

إنّ الخلاصة التي وصلت إليها قراءة "يوسف اليوسف" ليست بالسمة التي انفردت بها العذرية دون غيرها من الحركات الإبداعية العالمية الأخرى، بل نجد أنّ الكثير من الحركات الإبداعية العالمية تحمل مثل هذا الاحتجاج من مثل الرومنسية التي كانت "حركة احتجاج. احتجاج متحمس ومتناقض مع دنيا الرأسمالية البرجوازية على دنيا الآمال الضائعة، وعلى التفاهة والتجهم اللذين تلتزمهما دنيا الأعمال والأرباح.. فالرومنسية في حدود وعي البرجوازية الصغيرة - هي أكمل تعبير في الفلسفة والآداب والفن عن تناقضات المجتمع الرأسمالي الناهض"(49)، لذلك حرصت على تصوير التجارب الأساسية للفرد، الذي يقف وحيداً في مواجهة العالم والمجتمع وقيمه، وما يقال عن الرومنسية يقال عن كبرى الحركات الإبداعية العالمية، كالانطباعية والطبيعية والعبثية "فالسمة المشتركة بين جميع الفنانين والكتاب المرموقين في العالم الإسلامي هي عجزهم عن الملائمة بين أنفسهم وبين الواقع الاجتماعي المحيط بهم، فالفن عندهم احتجاج ونقد وثورة"(50)، لأن المبدع أدرك أنّ حريته وامتلاء الحياة التي كان يمكن أن يستمتع بها قد سرقت منه، وأثار ذلك تحولاً عنيفاً لدى كل من لديه شيء من التطلع إلى الآفاق.

فالاحتجاج لدى العذري ضرب من الاحتجاج الذي يكون السمة الأساسية للمبدعات الكبرى، وهي سمة استطاع أن يقف عندها "يوسف اليوسف" مبرزاً بعدها التمردي بوصفه تمرداً، "يستند إلى رفض قاطع لتعد لا يطاق، وإلى يقين مبهم بوجود حق صالح،وبصورة أصح إلى اعتقاد المتمرد أنّ له حق في أن... فلابد للمتمرد من أن يكون مقروناً بشعور المرء بأنه على حق بصورة ما، وفي مجال ما"(51)، ولكن ليس إلى الحد الذي يحاول "يوسف اليوسف" أن يصور به العذرية تصويراً أقل مايمكن أن يقول فيه، أن فيه مبالغة كبيرة على الرغم من أنّ هناك جوانب إيجابية في تفسيره لهذه الظاهرة.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:19 am

5 - هدم مؤسسة الزواج:

الزواج مؤسسة اجتماعية، سارت عليها كل المجتمعات حتى البدائية منها، وعملت من أجل الحفاظ عليها، حفاظاً على النوع. فحظيت باهتمام الأديان والتقاليد والأعراف منذ أقدم العصور. مما أضفى عليها صفة القداسة، التي يجب أن لا تنتهك، وكل من يسعى إلى تحطيم أركانها أو العمل من أجل النيل منها فهو فرد خارج عن النظم الاجتماعية، يجب الوقوف ضده ، والحيلولة دون هدفه.

والظاهرة العذرية من الظواهر الأدبية التي طرحت قضية الصدام مع مؤسسة الزواج، باعتبار أنّ جوهر العذرية قائم على علاقة الرجل بالمرأة بواسطة نمط من الحب، عرف بالحب العفيف.

ولئن تشبعت القراءات للظاهرة العذرية سواء كان ذلك من رؤية تاريخية أم نفسية أم اجتماعية، إننا نلقي إحدى هذه القراءات ذات الاتجاه الاجتماعي حاولت أن تربط هذه الظاهرة بمؤسسة الزواج، وتمثلت في مؤلف "جلال العظم" "في الحب والحب العذري" الذي سنقدمه هنا.

ينطلق "جلال العظم" في قراءته للظاهرة العذرية من أنّ جل القراءات خاصة التاريخية منها، تثبت صفة العفة والنقاء والطهارة مع الحرمان واليأس لدى الشعراء العذريين، وأنّ هذه الميزات أضحت وكأنها صفات ملازمة للعذرية، فلا يمكن التشكيك فيها، وهذا هو عين الخطأ في نظره.

فالغزل العذري "من خصائصه الأولية أنّه قائم على الزنا، وخرق فاضح لمؤسسة الزواج... فهو ضد مؤسسة الزواج وما تعنيه، وهو يبقي على نفسه بالرغم عنها، ويتحداها تحدياً مباشراً ومستمراً، ومع أنّ الحبر سال في الكلام عن عفة هذا الحب وطهارته ومثاليته، وكان العاشق العذري يزور عشيقته المتزوجة في عقر دارها، ويقضي الليالي مختبئاً عندها بالرغم من أنف زوجها وأهلها. ومن طرائف قصص هذا الحب أنّ الزوج كان يخرج دائماً وكأنه الشخصية الشريرة في القصة وتتم الأحداث دوماً على حساب شخصيته وكرامته"(52)، وهذا الرأي يبدو أنّ صاحبه يضعه في مرتبة المسلمات.

ويبني "جلال العظم" قراءته على جملة من الأسس أهمها: أنه "من المعروف أنّ العادات القبلية، وقيود الحياة الاجتماعية عند العرب، كانت تحرم الغزل والتشبيب بالبنات حتى أنه إذا عرفت القبيلة أنّ شخصاً عرض لذكر فتاة من فتياتها في حديثه أو شعره، حرموا عليها الزواج منه ومنعوه من رؤيتها أبد الدهر، وهنا نتساءل لماذا لم يكتم جميل حبه لبثينة، إن كان في الحقيقة يحبها، ويبغي الرباط المقدس بينه وبينها، ليقدم على خطبتها تماشياً مع الأعراف القبلية؟ عوضاً عن أن يفعل ذلك جميل، راح يشبب بها ويتغزل حتى اشتهر بها، واشتهرت به، فمنعا من الزواج ولم يعد باستطاعتها اللقاء إلا خلسة، لاشك أنّ جميل فعل كل ما في وسعه لعرقلة الوصول إلى "الرباط المقدس" مع بثينة، كما أنّ بثينة سلكت سلوكاً مشابهاً حين كانت تعتز بهيامه ونسبه بين أترابها، مما جعل أي علاقة طبيعية وفق العادات القبلية، بينهما مستحيلة"(53)، وهو المذهب نفسه الذي تبناه العقاد في دراسته لشخصية "جميل" إذ يتساءل "لم نسب بها - يعني جميل- وهو يعلم أنّ النسيب يحول بينهما وبين الزواج، كما جرت سنة البادية التي لاتخفى عليه؟ أغلبته النزعة الفنية فحجبت عنه الغاية من غرامه؟ أم هي نزوة أخرى من نزوات ضعف رأي ومطاوعة الغواية العاجلة؟ أم كان حديث العشق والغزل غرضاً مقصوداً لذاته، لا يفكر معه في زواج ولا اتصال؟ وقد حيل فعلاً بين جميل وبثينة فلم يتزوجها، طلبها للزواج، وتزوج بها رجل آخر قيل في وصفه أنه ذميم أعور، وظهر من أخباره في قصة جميل أنه كانت له زوجة قبلها، وأنّ بثينة لم تعش معه طوال حياتها، وذلك هو "نبيه بن الأسود العذري"،(54)، الملاحظ أنّ فكرة العقاد هي التي يرددها "جلال العظم".

ويتضح لنا بعد أن طرحنا تساؤلات "العقاد" وتبني أحكامها النقدية انطلاقاً من التساؤلات نفسها التي طرحها "العقاد". لكن مايميز قراءة العقاد عن قراءة "جلال العظم"، هو أن هذه الأخيرة حاولت النظر إلى العذرية على أنها تحطيم فعلي لمؤسسة الزواج المقدس، أما العقاد فكان يريد إثبات عقدة المازوشية والسادية لدى "جميل" من الوجهة النفسية، وقد سبق لنا أن فصلنا فيها الحديث.

وفي هذا الإطار نفسه نجد "عبد القادر القط" يقرر أنّه (55) "من العفة التي كان يواكبها الدين، ومن الحب الذي كانت تواكبه الغريزة، ومن هذا كله كان الحب العذري... ولنا أن نقول إذن، أنّ الغزل العذري هو المظهر الفني للعواطف المتعففة والملتهبة في آن معاً، والتي وجدت أنّ هذا التعويض هو خير ما تطفئ به لهبها، وتتسامى به عن غرائزها... وهؤلاء الشعراء بعد ذلك كله لم يكونوا "أعفة تقاة" بالمعنى الكامل. فما أكثر ما احتالوا ليدخلوا بيوتاً غير بيوتهم، فيقضوا فيها وجهاً من الليل أو طرفاً من النهار، يسمرون ويتحدثون مع من يحبون في بيوت أزواجهن، وما أكثر ما أرسل أحدهم صاحبه رسولاً إلى صاحبته، فالذي يروي عن سعي "كثير" بين "جميل وبثينة"، و"قيس بن ذريح" بين "المجنون وليلى"، وذلك سلوك يبدو بعيداً عن التقوى بالمعنى الدقيق، وإن كان هذا لا ينقض ما عرف عن هؤلاء من عفة وتقوى في حدود صلاتهم بمن يحبون"، ندرك بعد ذلك أنّ "عبد القادر" يلاحظ أنّ العذرية بقدر ما فيها من العفة والنقاء، فيها ضرب من المجون والشبقية، ولكن لا يذهب مذهب "جلال العظم"، من أنّها إباحة وتطاول على مؤسسة الزواج، وإنّما جوهرها عفة ونقاء، لأنها إفراز ومذهب "طائفة من المسلمين كانت تتحرج، وتذهب مذهب التقوى، وتؤثر السلامة والعافية على المغامرة والمخاطرة، وترى أن النفس أمارة بالسوء، وأنّ النار قد حفت بالشهوات... ولذلك آثرت هذه الطائفة أن تعدل عن شهواتها، فكانت مثلاً واضحاً للتربية الإسلامية في سمّوها وتعاليها"(56)، وهو مذهب تؤكده الكثير من الروايات التاريخية في تراجمها للشعراء العذرية حيث روى "أبو الفرج"(57)، "أن أمة سعت لبثينة بها إلى أبيها وأخيها، وقالت لهما: أنّ جميل عندها الليلة، فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالساً حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه، ثم قال لها، يا بثينة، أرأيت ودي إياك وشغفي بك ألا تجزينيه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابين، فقالت له: ياجميل، أهذا تبغي، والله لقد كنت عندي بعيداً عنه، ولئن عاودت تعريضاً بريبة لا رأيت وجهي أبداً. فضحك وقال: والله ماقلتُ لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبيني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد، أو ما سمعت قولي:

لَوْ أَبْصَرْهُ الوَاشِي لَقَرَتْ بَلاَبِلُهُ

وإنِّي لأَرْضَى مِنْ بُثَيْنَةَ بالَّذي


وبِالأَمَلِ المَرْجُوِّ قَدْ خَابَ آمُلُهُ

بِلاَ وَ بأَنْ لا أَسْتَطيْعُ وَبالمُنَى


أَوَاخِرُهُ لا نَلْتَقِي وَ أَوائِلُهُ

وَبِالْنَّظْرَةِ العَجْلَى وَبِالحَوْلِ تَنْقَضِي




قال: فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها فانصرفا وتركاهما"، وهي رواية تؤكد عفة العذريين وطهارتهم، وتنفي عنهم الشبقية التي نسبها إليهم "جلال العظم"، وسعيهم إلى هدم مؤسسة الزواج، وإن كانت تشير إلى العلاقة التي تنم عن ريبة، ولكنها لا تصل إلى درجة الشك في نقاء العذرية وصفائها، بل تؤكد هذه العفة والطهارة. ينضاف إلى ذلك أنّ هناك من الروايات التي تنفي الأساس الذي بنى عليه "جلال العظم" قراءته من أنّ العذريين كانوا يقصدون إلى التشبيب بمحبوباتهم، حتى يشيع ذلك في القوم فيحرم عليهم -حسب العرف- الزواج منهم. فهناك من الأخبار التي تؤكد أنّ "جميل" مثلاً خطب بثينة قبل التشبيب بها، فمنع -فقام فشبب بها حتى اشتهر وطرد. روى "الأصفهاني"(58) "عشق جميل بثينة وهو غلام، فلما بلغ خطبها فمنع منها، فكان يقول فيها الأشعار، حتى اشتهر وطرد، فكان يأتيها سراً، ثم تزوجت فكان يزورها في بيت زوجها في الحين خفية إلى أن استعمل "دجاجه بن ربعي" على وادي القرى فشكوه إليه فتقدم إليه ألا يلم بأبياتها، وأهدر دمه لهم إن عاود زيارتهم، فاحتبس حينئذٍ"، وهي رواية تؤكد أنّ التشبيب وقع من جميل بعد أن خطبها فمنع من الزواج منها.

والملاحظ أنّ قراءة "جلال العظم" للظاهرة العذرية لم تنطلق من النص العذري لتؤكد ما تذهب إليه، إنّما تعاملت مع الروايات التاريخية وبخاصة ما ورد من قصص وأخبار في تراجم الشعراء العذريين، والذي نقره -كما سبق وأن أشرنا إليه في القراءة التاريخية- أنّ القصص العذري، والكثير من الأخبار التي وردت في الترجمة لشعراء العذرية فيه من النحل والإضافة الشيء الكثير، والتي كان لخيال الرواة الدور الأساسي في صنعها، مما يجعل الدارس يدرك أنّه ليس كل ما نقل من أخبار العذريين موثوقاً فيه، خاصة وأننا نلاحظ أنّ الكثير من هذه الأخبار تنطوي على تناقضات في أحداثها، لذلك تذهب إلى الحكم بنفي العفة والطهارة عن العذريين، والقول بأن غرضهم كان يهدف إلى هدم مؤسسة الزواج، وهو حكم يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر، مما يجعله لا يصمد أمام الكثير من الانتقادات، ولاسيما وأنّ القراءة التي تنطلق من السياق الخارجي العام وتهمل النص الأدبي، قراءة لا تقف على الكون الشعري للظاهرة والرؤيا التي يعبر عنها. فالقراءة الجادة يجب أن تلغي محاكمة الظاهرة الإبداعية على ضوء المواقف السياسية والسياقات التاريخية والعودة إلى قراءة النص بدلاً من قراءة السياق التاريخي، فوعي المبدع يحدد من البنية الدلالية للنص والبنية الذهنية المصاحبة لها، لذلك لا يجب أن تضحي القراءة بالعمل الأدبي باسم الدلالة الاجتماعية العامة، أو الدلالة السياسية المصاحبة لها.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:20 am

ولئن ركزت القراءتان السابقتان للظاهرة العذرية على السياق التاريخي والنفسي للظاهرة، حيث بحثت القراءة التاريخيةفي مشكلة الوجود التاريخي لشعرائها وقصصهم ونصوصهم الشعرية. كما انكبت القراءة النفسية على البحث في الجوانب العصابية للعذريين، ومدى تأثير "مبدأ اللذة ومبدأ الواقع"، في تكوينهم النفسي، والفضاء الشعري لنصوصهم، فإننا نلفي القراءة الاجتماعية- والتي كانت مدار البحث في فصلنا هذا- قد اهتمت بإبراز الجوانب الاجتماعية للظاهرة العذرية، وأسسها الفلسفية المبنية على مقولة "الأدب تصوير للحياة" أو انعكاس للواقع.

إنّ الإضافة التي قدمتها القراءة الاجتماعية لهذه الظاهرة وتأكيدها أنّها ليست إنتاجاً فردياً- كما حاولت القراءة النفسية التركيز عليه-بل هي مظهر من مظاهر الإفراز الاجتماعي. وأنها متأثرة بأوضاع المجتمع التاريخية في العصر الأموي، وما صاحب ذلك من تحولات وتغيرات شهدها المجتمع العربي الإسلامي في هذه الفترة التي كانت إفراز للسياسة الأموية.

تلك هي المنطلقات التي اتكأت عليها القراءة الاجتماعية في دراستها للظاهرة العذرية، والتي فرضت عليها الرجوع إلى ملابساتها التاريخية حتى تخلص إلى النتائج المرجوة. فاهتمت بالسياق، وأهملت النص الإبداعي، علماً أنّ النص الإبداعي هو الذي يجب أن ينكب عليه الاهتمام. وهذا ما جعل القراءة الاجتماعية تسقط في الاهتمام بأثر السياق الاجتماعي التاريخي في الظاهرة. وتظل علاقة "الانعكاس" هي المهيمنة على القراءة، لتصل إلى أنّ العامل الاجتماعي التاريخي يؤثر مباشرة أو بالضرورة في العمل الأدبي، ويجعل منه تعبيراً واضحاً وصريحاً عن الواقع الاجتماعي، وانعكاساً له، وللوعي الجمعي. وبذلك غلب على القراءة الاجتماعية الاهتمام بالجانب الوثائقي، أصبح النص وثيقة اجتماعية لا تحمل أي دلالة انزياحية عن الواقع الذي نشأت فيه.

إنّ تشبث القراءة الاجتمعية بمقولة المرآة أو الانعكاس في دراسة الظاهرة الأدبية، وأنّ الأدب تعبيرعن المجتمع. هو الذي أدى بها إلى التعامل مع السياق التاريخي، وليس مع النص الأدبي مباشرة. وهذا ما حذا ببعض النقاد إلى الثورة على المنطلقات الرئيسية لهذ القراءة والقول: "أنّ العمل الفني ليس انعكاساً وإنما هو إضافة حقيقية إلى الظروف الاجتماعية، ومن ثم يسهم في تكوين المجتمع، وبعبارة أخرى أننا نتحدث عن المنابع الاجتماعية للأدب، ومن باب أولى أن نتحدث عن المنابع الأدبية للمجتمع وظروفه"(59)، وبذلك بدأت الإرهاصات الأولى لتجاوز القراءات السياسية تظهر على الساحة النقدية العربية.

إنّ غلو القراءات السياقية [التاريخية والنفسية والاجتماعية] في التعامل مع الملابسات التاريخية التي أحاطت بالأثر الأدبي، وإهمالها للنص الأدبي، هو الذي دفع ببعض الدراسات النقدية للدعوة إلى ضرورة العودة بالنقد الأدبي إلى داخل النص. فظهرت محاولة جادة حاولت قراءة الظاهرة العذرية قراءة تزامنية محايثة دون أن تهمل الجوانب التاريخية والاجتماعية وحتى النفسية.

كان "لطاهر لبيب" في دراسته "سوسيولوجيا الغزل العربي الغزل العذري نموذجاً" الفضل في إخراج الظاهرة العذرية من إطار القراءات السياقية ليلج بها إلى القراءات البنيوية مستفيداً من منهج "لوسيان غولدمان"، "البنيوية التكوينية" الذي يرى أنّ الظواهر الإبداعية هي انسجام البنية الفنية والبنية الذهنية التي تتشكل منها "رؤيا العالم"، التي تحملها زمرة اجتماعية محدودة في الزمان والمكان. فالظاهرة العذرية عند "الطاهر لبيب" تحمل "رؤيا العالم" لزمرة اجتماعية تخضع لملابسات تاريخية موحدة، وأنّ النص العذري يشكل كوناً شعرياً له دلالته المتميزة وهذا ما سنتعرض له بالتفصيل في الفصل اللاحق، محاولين إبراز المنطلقات الفكرية لهذه القراءة "البنيوية التكوينية"، والإضافات النوعية التي أضافتها للقراءات السياقية، التي تعرضنا لها في الفصول السابقة.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:24 am


القراءة البنيوية


1 - التزامن والتطور.

أ - البنية الذهنية والبنية الفنية.

ب- صيرورة تحول الكتابة الشعرية.

2 - الفضاء الشعري للظاهرة العذرية.

أ - تعريف الكون الشعري.

ب- الصراع بين الرغبة والعفة ومحاولة التجاوز.

ج - المرجعية الدينية للظاهرة العذرية.

د - من الانعكاس إلى التماثل.

هـ- العفة: شعر أم حقيقة؟..

3 - الزمرة الاجتماعية.

تجلى تطبيق المنهج البنيوي التكويني على الظاهرة العذرية في دراسة "الطاهر لبيب" والتي عنوانها "سوسيولوجيا الغزل العربي (الشعر العذري نموذجاً)" وهي قراءة تقارب الشعر العذري برؤية متميزة مخالفة للقراءات السياقية.

فالبنيوية التكوينية في نظر "الطاهر لبيب" تمكن القارئ من رؤية العالم رؤية خاصة، ومن داخل النص، بعد أن يعزله عن سياقاته المختلفة، والتي قد تضلل القارئ إذا أخذ بها، وجعلها مرجعاً أساسياً لقراءته. وبذلك يطرح الباحث في دراسته قضية المنهج وعلاقته بالقراءة النقدية، فحاول أن يقترب من ظاهرة الغزل العذري اقتراباً بنيوياً تكوينياً، متعاملاً مع النص العذري على أنه وثيقة فكرية، لا وثيقة إبداعية أو جمالية، واهتم بدلالات النص الفكرية والاجتماعية أكثر من أنه بنية وصورة جمالية، وبذلك طرح قراءته في عدة محاور سنعرض لها بالوصف والتحليل وإبداء الرأي في هذا الفصل، حتى نتمكن من الإحاطة بالقضايا التي طرحها والنتائج التي توصل إليها، محاولين عرض المنطلقات النظرية التي استند إليها في قراءته لظاهرة الشعر العذري.

1 - التزامن والتطور:

حاول "الطاهر لبيب" مناقشة مسألة الثبات والتكوين، وتحديد المنطلقات المنهجية والأدوات الإجرائية التي سيوظفها في قراءته لظاهرة الشعر العذري وفق منهج "البنيوية التكوينية" "لوسيان غولدمان" الذي قام بتطبيقها على بعض الأعمال الإبداعية منها مسرح "راسين" وخواطر "باسكال" في كتابه "الإله الخفي".

"فالثبات" يرادف "التزامن" يقصد به " العقاب"، فالظاهرة الأدبية تتجاذبها ثنائية التزامن والتعاقب في تكوين بنيتها الفنية وبنيتها الفكرية.

أ -البنية الذهنية والبنية الفنية:

يبدأ "الطاهر لبيب" بتحديد مفهوم بسيط للبنية "إذ المقصود بكلمة بنية مجموعة من العناصر الأساسية التي تقوم فيما بينها شبكة من العلاقات المتبادلة بحيث أنه إذا تغير أحدها أو زال تغيرت دلالة العناصر الأخرى بصورة موازية، وتتنوع هذه البنية من عمل إلى آخر، كما يمكنها أن تتنوع داخل العمل الواحد"(1)، وهذا مايفرض علينا بدوره تحديد مفهوم الإنتاج الشعري "لأن الإنتاج الشعري الذي نحن بصدده يشكل كلية متماسكة وبالتالي سيتم اعتبار التناقضات والتعارضات وكأنها تندرج ضمن عمل واحد أنتجه شاعر واحد، وهو افتراض غير مغال، مادام من المحتمل دائماً بالنسبة لأي شاعر أن يعارض قصائده، بل وأبياته، بعضها ببعض"(2). فالظاهرة ينبغي النظر إليها في كليتها المتماسكة وعدم الاهتمام بجزئياتها، حتى وإن كان هناك تعارض بين الجزئيات "البنيات الصغيرة"، فالقراءة تنطلق من بنيات شاملة ذات دلالة موحدة في بنيتها الفنية والفكرية. لذلك لا يجب المبالغة في الاعتناء بالشكل على حساب المضمون أو العكس. وإنما إثارة العلاقة الموجودة بين الكون الأدبي والعالم الواقعي، وبالتالي رفض مقولة "الانعكاس" من منظورها الماركسي الدوغماتي والتي تربط ربطاً ميكانيكياً بين الواقع والعمل الأدبي، لأنّ مفهوم الانعكاس يفرط في التركيز على السياقات التاريخية والاجتماعية للعمل الأدبي ويهمل النص الإبداعي ذاته، وهذا ما يجعله يفضي بالقراءة إلى الوقوع في حلقة مفرغة، لذا "نرى الاختلاف الكبير الذي يفصل بين سوسيولوجيا المضامين والسوسيولوجيا البنيوية، فالأولى ترى في المبدع انعكاساً للوعي الجمعي، أما الثانية فترى فيه على العكس أحد العناصر المقومة الأهم في هذا الوعي.... لذا تتكشف لنا سوسيولوجيا المضامين أكثر فاعلية حينما نكون بصدد مبدعات من مستوى متوسط في حين تتكشف السوسيولوجيا الأدبية البنيوية التكوينية، على العكس، أكثر عملية عندما نكون بصدد دراسة المبدعات الكبرى في الأدب العالمي"(3)، وهذا هو الفرق الجوهري الذي يفصل بين القراءة الاجتماعية والقراءة البنيوية التكوينية. فهذه الأخيرة حاولت أن تعيد للنص اعتباره في القراءات النقدية.

إنّ نقد "الطاهر لبيب" للمقولات التي تهمل البعد الاجتماعي جاء كرد فعل على التطرف، الذي قوبلت به القراءات السياقية عند الشكلانية، حتى وصل بها الحد إلى القول بموت المؤلف- كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك من قبل- وهذا ما جعله يذهب إلىأنّ الأجناس الأدبية تنطلق من كون تخيلي مبني على التماثل البنيوي للأدب مع الواقع وليس انعكاساً له.

فالتماثل الذي يقر بوجود المسافة بين المبدع والواقع. لأنّ "الأجناس الأدبية بما فيها الأكثر واقعية تفضي إلى كون خيالي ينبغي البحث لا عن تطابقه في التجريبي بل عن تماثله البنيوي معه"(4)، ففلوبير "يقرر أنّ الفن يقوم على المبالغة لا على الانعكاس وهذا مايذهب إليه النقد العربي القديم في القول" بأعذب الشعر أكذبه" تأسيساً لمقولة "الوعي الممكن"، التي يبني عليها "الطاهر لبيب" قراءة للظاهرة العذرية. لكن النقد العربي ظل ينظر إلى الأعمال الأدبية رؤية امتثالية لا رؤية تماثلية انطلاقاً من إيمانه بأنّ العمل الإبداعي تطابقي، وذلك ما أفرزه تاريخ الأدب العربي.

ثم ينتقل "الطاهر لبيب" بعد مناقشته لمفهوم البنية، إلى تحديد مصطلح "الزمرة الاجتماعية" ويلاحظ أنه على الرغم من أنّ مصطلح الزمرة الاجتماعية ينتمي إلى المعجم السوسيولوجي الابتدائي إلا أنّه لم يرسخ له في دراسة الأدب العربي قديماً وحديثاً. وهذا ما يؤكد قصور الدراسات الاجتماعية في البحث عن اجتماعية الشكل الأدبي، "فالشكل (المسمى أسلوباً)، أفرط النقاد في شخصنته، ودون مناقشة التماثل الممكن بين الأشكال الاجتماعية والأشكال الأدبية"(5). فالمبدع إذا كان فرداً فإنه لا يستطيع أن يصور "رؤيا العالم" التي تتجسد من خلال الأعمال الإبداعية، هذه الأعمال التي تحمل الكون الشعري الذي "لايمكنه أن يكون إلا نتيجة لنشاط مشترك يقوم عدد من الأفراد الذين يجدون أنفسهم في وضعية متماثلة، أي أن الأفراد الذين يشكلون زمرة اجتماعية ذات امتياز، والذين عاشوا لزمن طويل وبطريقة مكثفة مجموعة من المشاكل وجدوا في البحث عن حل ذي دلالة لها"(6)، لذلك يجب أن تتوافر استقلالية مطلقة للعمل الأدبي، وتنتفي نظرة الانعكاس التي أخذ بها النقد الماركسي في دراسته للأعمال الأدبية، وتصبح موضع السؤال، فالمضمون يستحيل إدراكه إلا في "سياق صيرورة طويلة ومعقدة على وجه العموم"(7)، وبذلك يؤسس صاحب "سوسيولوجيا الغزل العربي" من خلال هذه الطروحات للمنهج الذي سيتناول من خلاله الظاهرة العذرية، باختيار النوع الأدبي المبني على مضمون الوعي الجمعي الذي ينتمي إليه المؤلف. وأنّ عامل الزمن ضروري حتى يتحدد الجنس الأدبي وموضوعه وذلك أمر أساسي في تاريخ الأفكار. وبذلك يلح على أن ظهور العذرية كان حتمية تاريخية في هذه الفترة، لأن المضمون المتعاقب والمتجدد هو الذي فرض على العذريين إبداع صورة من التعبير خاصة بهم أفرزتها التراكمات الزمنية. فالشعراء العذريون يشكلون زمرة اجتماعية عبرت عن "رؤيا العالم" وهذا بديل للنظر إليهم كأفراد، وذلك ما تقتضيه الرؤية الاجتماعية، وهي نتيجة تتضح من خلالها الرؤية التي سيتناول من خلالها "الطاهر لبيب" الظاهرة العذرية. بجعلها تعبيراً عن زمرة اجتماعية وليس عن المجتمع كما ذهبت إلى ذلك القراءة الاجتماعية.

ب - صيرورة تحول الكتابة الشعرية:

يؤكد "الطاهر لبيب" العلاقة القائمة بين البنية الفنية والبنية الذهنية، هذه العلاقة التي تؤدي دوراً أساسياً في تشكيل الكون الشعري للظاهرة الإبداعية، فلا يمكن أن يحدث التحول في الكتابة الشعرية إلا إذا مس هذا التحول البنية الفنية والبنية الذهنية للكون الشعري. فالتفاعل بين البنيتين هو الذي يشكل "رؤيا العلم" وعليه: "فإن التفاعل بين البنية والذات يرجعنا إلى الطبيعة التكوينية للبنية، أي الحضور الكامن للصيرورة، ومن ثم إلى "دالية" السلوك الإنساني"(8)، هذا السلوك الذي يعبر عن جوهر رؤيا العالم لدى المبدع.

ينطلق صاحب "سوسيولوجيا الغزل العربي" في مناقشته لصيرورة تحول الكتابة الشعرية العربية من الطابع الملحمي إلى الطابع العذري، حيث يوجد تباين الرؤية للعالم بين العصر الجاهلي والعصر الإسلامي، فرؤيا العالم لظاهرة الحب والموت في الشعر الجاهلي تختلف عن رؤيا العالم التي يجسدها الشعر الإسلامي. إذ انتقلت العلاقة بين الخوف من الموت في رؤيا الجاهلي في سبيل تحقيق الحب، إلى أن يصبح الموت سبيلاً لتحقيق الحب عند العذري. وهذا مايدفع "بالطاهر لبيب" إلى القول بأن رؤيا العالم في الشعر الجاهلي أفرزت شكلاً أدبياً نسميه بالملحمي حيث الفرد فيه غير مندمج في عقيدة الزمرة الاجتماعية. "فالبطل الملحمي كما عرضناه وخلافاً لبطل الإسلام وهو شخصية منفردة وسط زمرته الاجتماعية وخارجها، وعندما يتأثر بعداء هذه الزمرة يتخذ موقفاً سادياً"(9)، بخلاف الفرد في الإسلام الذي أصبح لا يتكلم إلا بلسان الجماعة، إذ ذوبته العقيدة الإسلامية في إطارها العام الذي سيفرز في ما بعد ظاهرة أدبية تشكل في نظر المؤلف الكون العذري. ومفهوم الكون هنا يحمل دلالات الرؤية الإسلامية التي منحت خصوصية لهذا الشعر العذري الذي نجد له أصولاً في تاريخ الشعر العربي الجاهلي، وبخاصة فيما كان يطلق عليه بالنسيب، ولكن مع تحول جوهري لرؤيا العالم بين النسيب الجاهلي والكون العذري.

وانطلاقاً من الفروق الجوهرية بين النسيب الجاهلي، والكون العذري، يواجهنا تساؤل مشروع يطرحه كل من يتأمل هذين الكونين: لماذا لم يتحول النسيب من اتجاه شعري إلى ظاهرة كالظاهرة العذرية؟ وهنا نلقى أنّ التحليل البنيوي التكويني يلجأ إلى مقولة "رؤيا العالم" التي طورها "لوسيان غولدمان" من خلال فلسفة هيجل وماركس ولوكاتش و كوفلر، لكي يضفي على الظاهرة العذرية بعداً اجتماعياً يراعي الخصوصية الفردية التي تحمل الهم الاجتماعي لزمرتها، وتحاول البحث عن التماثل بين البنية الفنية والبنية الذهنية. ومن هنا فإن النسيب في الشعر الجاهلي اتسم بالطابع الملحمي الذي يتجلى من خلاله الانفصال بين الفرد والجماعة. فالشاعر الفرد "كعنترة بن شداد" يريد أن يحقق ذاته من خلال البطولة الملحمية التي تكون المرأة باعثاً لها، وفي الوقت نفسه دافعاً لتجنب الموت والخوف منه في لحظة الاتصال التي تعمل على تصعيد التوتر الدرامي، وما أن ينفصل عنها، ويجد نفسه في مواجهة الموت حتى تعود صورة المرأة الحبيبة لتكون حافزاً لتأجيج غريزة القتال لديه "ومع ذلك ينبغي أن نضيف بأنّ هناك تعارضاً بين السلبية الطبيعية للمرأة وبين الصورة التي يكونها البطل عن حبيبته، فذكرى الحبيبة، تبعاً لهذه الصورة، تحفز غريزة القتال وتشجع البطل، وبعبارة أخرى، فإن طبيعة البطل، تقتضي أن يتحدد التفاوت بين الفراق والاتصال، بشكل ما، من قِبل هذا البطل وكما هو الحال بالنسبة إلى عروة، فإن الحب يصبح إشكالياً بالنسبة لعنترة على الطريق التي تؤدي إلى تحقيق العمل البطولي:

بَكَرَتْ تُخَوِفُنِي الحُتُوفُ كَأَنَّنِي

أَصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحُتُوفِ بِمَعْزِلِ


فَاْقْنَي حَيَاءَكِ لاَ أَبَا لَكِ وَاعْلَمِيْ

أَنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوتُ إِنْ لَمْ أُقْتَلُ

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:25 am

لكن ما أن يبتعد البطل، حتى "يستدعي" صورة حبيبته التي كان من قبل قد أبعدها عن طريقه، والتي يصبح "حضورها" فعالاً في ساحة القتال بالضبط. وحيث تعارض المطالب الذكرية فإن شهادة تلك التي تعجب بالشجاعة تحمل كثيراً من العزاء"(10)، بخلاف الرؤية الإسلامية التي غيرت من صورة المرأة في الكون الشعري. إذ انتقلت من صورة فردية خالصة إلى صورة المرأة المثالية، تعادل حوريات الجنة التي وعد الله المؤمنين بها. لذا أصبحت درجة الإقبال على الموت أكثر عنفواناً في الكون العذري منها لدى الشاعر الملحمي القديم. وبذلك تحولت صورة المرأة بفعل الرؤيا الإسلامية إلى طاقة عارمة، ومطلقة لم تختلف في نظر العذري على الفاتح الإسلامي، الذي تحول بينه وبين الجنة ظلال السيوف.

وهكذا يخلص "الطاهر لبيب" إلى إقامة الحدود بين الرؤيتين "الملحمية الجاهلية والعذرية والتمييز بينهما على أساس تحولات العقيدة، وتغيير الأنظمة الاجتماعية، ومن هنا نلاحظ أن التعارض بين الرؤيتين هو "تعارض مفهومي بين عالم قائم على تنافس المفاخر الفردية تسكنه صورة موت يجب أن يبحث عنه في ذاته ولذاته كي يخفف من مأساته، من جهة، وعالم مغلق مفهومياً (الأمة) ومادياً (دار الإسلام) من جهة ثانية... هكذا عارض العذريون تلك القدرة الملحمية القديمة. الموازية لقدرة الله. ونحن نقول موازية ولا نقول لاحقة"(11). وكل ذلك نشأ بفعل اختلاف الرؤيا التي كان يحملها كل من الجاهلي والعذري والتي جسدها من خلال صورة المرأة الحبيبة، وأحدث تحولاً واضحاً في الكتابة الشعرية. وهي خلاصة نابعة عن رؤريا عارفة بخصائص العالمين، وتثبت مدى خصوبة المنهج الذي طبقه "الطاهر لبيب" في قراءته للشعر العذري والتي لم تقف عندها القراءات السياقية.

2 - الفضاء الشعري للظاهرة العذرية:

بعد أن حاول "الطاهر لبيب" مناقشة قضية "التزامن والتطور"، وضبط المنطلقات المنهجية التي سيتعامل بها مع الظاهرة العذرية، مع الإبانة عن العلاقة الجدلية القائمة بين البنية الفنية والبنية الذهنية وصيرورة تحول الكتابة الشعرية، أراد التفصيل في الجزئيات التي تكوّن الفضاء الشعري للكون العذري، ليفصل في المكونات الذهنية والفنية لهذا الكون، والتي سنعرض لها بشيء من التوسع في العناصر التالية:

أ - تعريف الكون الشعري:

يعترف "الطاهر لبيب" من البداية بصعوبة الإحاطة بكثير من المفاهيم والمصطلحات، بخاصة وأنّ تحديد المفاهيم عمل إجرائي تتطلبه كل دراسة منهجية، تصبو لأن تأخذ بحظ وافر من العلمية، التي يجب أن تتوافر لكل قراءة جادة. لذا يؤثر المؤلف قبل تعريف الكون العذري أن يحدد الكون الأدبي، على الرغم من أنّ تعريفه يزداد صعوبة مع تقدم النقد وتطوره، وذلك كعمل إجرائي قبل الخوض في مكونات الكون الشعري العذري.

يقرر صاحب "سوسيولوجيا الغزل العربي" منذ البداية بأن التعريفات الجديدة، لم تعد قادرة على إغفال البعد السوسيولوجي للعمل الأدبي، لأنه "واقعة
اجتماعية "(12)، وأن الاختلافات التي نلاحظها في تعريف العمل الأدبي منشؤها نابع من تأويل مفهوم الاجتماع، وهي إشارة من المؤلف إلى تشعب مفهوم "الاجتماعي" ذي الدلالات المتعددة سواء أكانت سوسيولوجية أم سيكولوجية أم لغوية، على اعتبار أنّ اللغّة في حد ذاتها تعد ظاهرة اجتماعية و"نظاماً اجتماعياً مستقلاً عن الفرد" (13)، كما ذهب إلى ذلك "دي سوسير" في تمييزه بين اللغة والكلام. فاعتبار "الطاهر لبيب" العمل الأدبي واقعة اجتماعية إشارة واضحة منه إلى محاولة التعديل من نظرة البنيوية الشكلانية التي نظرت إلى العمل الأدبي بأنه بنية ونسق من التحولات له قوانينه الخاصة، لذلك نادت بقراءة النص قراءة محايثة، تنصب على البناء الداخلي دون الالتفات إلى السياق الذي واكب النص الإبداعي، وبذلك نادت بفكرة موت المؤلف.

فالمنطلق المنهجي "للطاهر لبيب" مبني في أسسه المعرفية على طرح "لوسيان غولدمان" الذي حاول أن يوفق بين النظرة الشكلانية والنظرة السياقية، معتبراً أنّ العمل الأدبي بنية وسياق معاً. لذلك يجب مراعاة "البنية والذات الجماعية والتماثل لأن العمل الأدبي كون رمزي تنشئه زمرة اجتماعية يمثلها المؤلف، ولها موقف مشترك اتجاه هذا الكون الذي ترتبط بنيته، إن كانت متماسكة بالقدر الكافي، بعلاقة تماثل مع بنية عالم الزمرة الواقعي"(14)، فالعمل الأدبي لا هو بالسياق ولا هو بالبنية المستقلة عن الحيثيات التي أوجدتها، وإنما هو نتاج لبنية فنية وبنية ذهنية، علاقته بالواقع ليست علاقة انعكاس، وإنما علاقة تماثل للتعبير عن الوعي الممكن.

إنّ تعريف "الطاهر لبيب" للعمل الأدبي أفضى به إلى تعريف الزمرة التي تعد "نسقاً من العلاقات ذات الدلالات التي يستند إليها أفراد الزمرة في تأويل علاقتهم مع الآخرين، وأنّ اندماج الفرد داخل الزمرة يكون بالتماهي"(15)، هذا التماهي الذي يشكل الأساس الأول لتكوين الوعي لدى المبدع، الذي لا يمكن له أن يكون إلا إذا كانت الزمرة واقعية. فالعمل الأدبي بنية فنية وبنية ذهنية، هذه الأخيرة التي يتجسد من خلالها الوعي الممكن للزمرة الاجتماعية.

إنّ الظاهرة العذرية من الظواهر الأدبية التي قرئت قراءة تعميمية، بجعلها تعبر عن المجتمع الأموي في عموميته، وقد تجسد ذلك بخاصة في القراءة الاجتماعية التي انطلقت من التصور الذي يرى أنّ "الأدب تعبير عن المجتمع" كما سبق وأن بيناه، لذلك يرى المؤلف ضرورة قراءة العذرية "بمتابعة الرمز العذري بالمضي من العام إلى الخاص، من الطابع الكوني إلى الإيديولوجية العربية الإسلامية، ثم إلى زمرة تاريخية يكشف عنها على الصعيد النظري، ذلك التفاوت القائم بين الشعر والواقع"(16)، فالتفسير بالجيل هو الذي عرَّضَ قراءة العذرية إلى مخاطر استخدام الكثير من المفردات مثقلة بتصورات جديدة لا مداليل تاريخية لها. فربطها بالكورتيزيا الغربية مثلما يظهر عند "فادي" في مؤلفه "الحس العذري في الشرق"، وبالتصوف الإسلامي مثلما يظهر عند "غنيمي هلال"، وبالتفسير الأسطوري مثلما يظهر عند "علي البطل" والذي سبق وأن أشرنا إليهما في الفصل الذي خصصناه للقراءة التاريخية، لكن على الرغم من عمومية هذه القراءات إلا أنّها تبرز أمراً يجب التنبيه إليه وهو أنّ "العمل العذري في كليته المتماسكة وجدناه يقترب لا من واقع معيش مباشر بل يقترب مما يدعوه "غولدمان" بالحد الأقصى للوعي الممكن. وقد اكتسب العذريون هذا الحد الأقصى عن طريق الرفض وهو رفض يقتضيه التعامل مع العفة"(17)، فالنص العذري بعفته يحمل "رؤيا للعالم" جسدها الوعي الممكن الذي كانت تحمله هذه الزمرة المحدودة في الزمان و المكان، ولذلك فمن المخاطر أن نقرأ الظاهرة العذرية على أنها تعبير عن المجتمع في كليته.

ويخلص صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي إلى أنّ تعريف الحب العذري يحيل إلى التعريف الذي عرف به العمل الأدبي، إذ يعتبر فيه أنّ العذرية "كون زمري وليس انعكاساً مباشراً للقطاع الديني"(18)، لأنها تعاهدت على العفة باعتبارها تجسيداً للصراع بين مبدأ اللذة وبين مبدأ الواقع، ولكنّها لا تشكل في كليتها تعبيراً عن المجتمع وإنما تشكل تعبيراً عن زمرة منعزلة في المجتمع العربي الإسلامي، وكذلك يجب أن ينظر إليها.

ب - الصراع بين الرغبة والعفة ومحاولة التجاوز:

إنّ التمييز الذي وقف عنده "الطاهر لبيب" والذي بين من خلاله رؤيا العالم عند الجاهلي، ورؤيا العالم عند العذري فخلص فيه إلى أنّ رؤيا العالم عند العذري نابعة من هذا الأخير الذي لا يتكلم كفرد كما كان عليه الجاهلي، وإنّما يتكلم بلسان الجماعة النابعة من تصور الأمة الذي أصبح جزءاً من سلوك المسلم بعد تشبعه بالعقيدة الإسلامية.

ومن النتيجة السابقة ينطلق صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي لمناقشة مسألة "الصراع بين الرغبة والعفة ومحاولة التجاوز". فانتماء الكون العذري إلى عالم مغلق من الناحية التصورية "مفهوم الأمة" ووجود عالم مفتوح سابق له، المتمثل في البطولة الملحمية ماقبل الإسلام بخاصة في نموذج "عنترة وعبلة"، بيّن تباين بين الكونين الجاهلي والعذري. من هذه الرؤية ينطلق "الطاهر لبيب" في مناقشة مسألة "محاولة التجاوز" عند العذري، فامتناع الكون العذري عن العودة إلى العالم المفتوح لأسباب عقائدية، جعل العذري في هذه الحالة يبحث عن أسباب للتجاوز تخلق حالة من التصدع في النفس، كما يسميها "توينبي" لأن العذري يطمح للتعبير عن عاطفته الملتهبة من جهة، ويصطدم بالعالم المغلق من جهة أخرى.

لكن الذي يصطدم به مذهب "الطاهر لبيب" في مقولة "العالم المغلق" هو ضبابية هذا المفهوم، إذ يجد القارئ صعوبة في الوصول إلى إدراك الجانب المغلق في العالم الإسلامي. هل هو انغلاق على مستوى العقيدة؟ أم هو انغلاق على المستوى السياسي والاجتماعي؟

فالمتأمل للعالم الإسلامي، وللمفاهيم التي يتألف منها كونه، يبدو له انفتاح هذا العالم وتسامحه على مستوى العقيدة، إذ تعامل مع كل الديانات السماوية التي سبقته وترك حرية التدين لأهلها (لا إكراه في الدين)(19)، وانفتاحه على المستوى السياسي والاجتماعي والحضاري، إذ تعامل مع المجتمعات والحضارات السابقة له، دون إقصاء، بل تفاعل معها وفق مبدأ التأثير والتأثر.

إنّ "الطاهر لبيب" لا يركز على الجانب التوثيقي لأخبار الشعراء العذريين، كما ركزت على ذلك القراءة التاريخية وبخاصة في اهتمامها بظاهرة النحل والانتحال- التي أشرنا إليها في موطنها- ولا على التعلق بالشعر المنحول وانتساب الشخصيات الأسطورية-كما يسميها- خاصة شخصية المجنون- إلى مخيلة القصاصين. لأن هذا لا يقلل في نظره من أهمية الكون الشعري العذري على اعتبار أنه كون رمزي، مثله في ذلك مثل "محمد لطفي اليوسفي" الذي ينظر، هو كذلك إلى الظاهرة العذرية نظرة رمزية "فالحرص الصريح على إقصاء الجسد وترويضه يتخذ في أغلب الأحيان طريقه في الحظور أكثر تكتماً وأشد تستراً، ويندس في الحكايات والأخبار على نحو موغل في التخفي. ويكفي هنا أن نعود إلى كتاب الأغاني وننظر في أخبار جميل ووضاح اليمن حتى ندرك أنّ واضع الأخبار لم يكن بريئاً إطلاقاً. إنّ جميلاً ينجو من الموت لأنه رفض الامتثال لنداء الجسد. أما وضاح فقد لبّى نداء الجسد فمضى إلى حتفه. وها هنا أيضاً علينا أن نقرأ الأخبار في معناها الرمزي، لأنها إنّما ضمنت بقاءها وأمنت استمرارها فاعلة فينا إلى اليوم بمستواها الرمزي لا بما نفهمه منها على أنه حقيقة وواقع وحدث تاريخي، لا سيما أنّ هذه الأخبار إنما تلح على أن الخلاص مشروط بإقصاء الجسد"(20)، هكذا يفسر "الطاهر لبيب" مسألة الانتحال بقوله "إنّما يدعي انتحالاً كلياً ليس سوى تأويل جماعي لهذا الكون الشعري تأويل تزداد أهميته بالنسبة لنا كلما ابتعد عن النقد الرسمي الذي يركز اهتمامه الأساسي على الجانب البلاغي مما يعني في النهاية أنّ الجوّ الروائي يمكنه أن يهيئنا، أن يقربنا من الشعر نفسه"(21)، وهذا لا يعني أنّ المقاربة البنيوية التكوينية للشعر العذري لا يهمها السياق التاريخي في شيء، وبخاصة ما تعلق بصدق الرواية أو بطلانها، بل إنّ الروايات التي تتحدث عن الشخصيات الأسطورية وما يرافقها من شعر منسوب أو منحول من قبل الرواة، يسهم في نظر هذه المقاربة في إبراز خصائص القراءة الجماعية لهذا الكون الشعري، وهو في حدّ ذاته قضية بالغة الأهمية

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:26 am

مسألة النحل والانتحال التي طرحها النقد القديم بخاصة عند الشعراء العذريين، تطرح لدى الباحث تساؤلاً مهماً، يتمحور حول الإشكالية التالية، لماذا عدت شخصيات مثل "عمر بن أبي ربيعة" و"نصيب العرجي"، شخصيات تاريخية بينما عد بعض شعراء العذريين شخصيات أسطورية منحولة؟

وللإجابة على هذا التساؤل ينبغي الانتقال من المنحول إلى الأنثروبولوجي الذي يراه "الطاهر لبيب" أمراً صعباً، وفي غاية التعقيد. "فشخصية العذري تتقمص واحداً من أولى مساعي التجريد أو التجاوز لبعض القيم التي سادتها في ظروف العصر الأموي الجديد. إنّه البشري المماثل لذاته. الأمر الذي يفسر مثلاً، لماذا وجد العذريون أنفسهم لا عمر بن أبي ربيعة"(22)، ولتأكيد ظاهرة التجاوز في الكون العذري يلجأ المؤلف إلى المقارنة بين الرواية العذرية ورواية "تريستال" وهو يهدف من وراء ذلك إيجاد أوجه التشابه بين الروايتين، ليخلص من المقارنة إلى أنّ الرواية العذرية تقوم على فكرة قدرية فحواها الإحجام العفيف الذي يصعب على العذري تجاوزه، إنّه الصراع بين اللّذة ومبدأ الواقع (صراع بين اللذة والعفة)، بحيث يغيب العقل نتيجة لهذا الصراع يقول جميل:(23)

وَلَوْ تَرَكَتْ عَقْلِيْ مَعِيْ مَا طَلَبْتُهَا

وَلَكِنْ طلابيها لِمَا فَاتَ مِنْ عَقْلِي




وهذا الكلام يصوره "الطاهر لبيب" يشبه في نظرنا الصراع الدرامي الذي صورته الكلاسيكية الجديدة من خلال مسرحيات "راسين وكورناي".

ثم لاحظ المؤلف أنّ السبيل الوحيد للخروج من الصراع بين الرغبة والعفة في الكون العذري إنّما هو الجنون. وعلى هذا المستوى يتحقق التجاوز "على أكثر المستويات تنوعاً من مستويات السياق الجديد الذي وجد فيه العذريون أنفسهم في ظل الإسلام على اعتبار أنّ هذا عقلاني... فالعفة نتيجة منطقية لفقدان العقل وهي ليست ناجمة عن تعفف ديني لا يقوم فيه العذري بغير الامتثال عن وعي للتعاليم الإلهية"(24). أنّ الملاحظة التي تثير الانتباه أنّ "الطاهر لبيب" في تحليله لفكرة التجاوز يعتمد في تفسيره على مراجع استشراقية من أبرزها مؤلفات "بلاشير" و"ماكسيم ردونسون" و"جاك بارك". والواقع أنّ التفسير الذي يعطيه المؤلف للمرأة المثال في الكون العذري يبدو غير مقنع، لأنّ هذه الصورة عرفها تاريخ الشعر العربي. والسؤال المطروح: هل العالم المغلق كما يسميه "الطاهر لبيب" هو الذي دفع هؤلاء إلى إعطاء المرأة بعداً ميتافيزيقياً، وجردها تجريداً محاولاً من خلال ذلك أن يحقق فكرة التجاوز بين الرغبة والعفة؟ لكن لماذا لم تتكرر هذه المسألة في تاريخ الشعر الإسلامي، وكانت وقفاً على قبيلة بني عذرة؟ حاول "الطاهر لبيب" الإجابة على هذا التساؤل بأن أعاد هذه المسألة إلى تعليل تاريخي. وهنا نلاحظ أنّ المنهج الذي سلكه يسقط فيما حاول أن ينفيه عن نفسه، من الاعتماد على الوثائقية بالإشارة إلى فكرة المازوشية التي تفرزها ظاهرة الصراع بين الرغبة العفة والطموح للتجاوز. وهي قراءة تعتمد على الإشارة إلى مسائل لها علاقة بالتحليل السيكولوجي، وأخرى لها علاقة بالنقد التاريخي، مما يجعلنا نلاحظ أنّ صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي على الرغم من حرصه على الإخلاص للمنهج البنيوي التكويني إلا أنّه يخلط في الاعتماد على معطيات لا تخدم المنهج المتبع، مما يجعله يسقط فيما حاول أن يعيبه على المناهج السياقية، ينضاف إلى ذلك أنّه كان وثائقياً أكثر مما كان متعاملاً مع الكون الشعري العذري.

ج- المرجعية الدينية للظاهرة العذرية:

إنّ رفض مقولة الانعكاس والقول بعلاقة التماثل، يقصد من ورائها "الطاهر لبيب" الإقرار بوجود الاستقلال الذاتي للعمل الأدبي. هذا الاستقلال الذي لا يسقط في النظرة التزامنية البحتة، والتي رسختها البنوية الشكلانية، على الرغم من أنّه يحيل على أسبقية البنية على السياق من خلال العودة إلى "ميشال فوكو"، والنظرة إلى الشاعر العذري على أنّه يمثل زمرة اجتماعية تعاني من الانفصال عن الكون العذري الذي يصفه النص الشعري. وقد سبق لنا الحديث عن هذا الانفصال من خلال التطرق إلى فكرة "الصراع بين الرغبة والعفة". ولهذا فإن العذري يقوم بتحوير الواقع أو التشويش عليه حسب " ميشال ريفتاتير". وهكذا يعارض "الطاهر لبيب" نتيجة رفضه لمقولة الانعكاس التفسير الديني للغزل العذري الذي يذهب إليه "شكري فيصل" كما بينا ذلك في القراءة التاريخية، إذ يعتبره تفسيراً يقوم على العلاقة السببية والتفسير الآلي الذي ينحصر في الفكرة القائلة بأن الحب العذري انعكاس للتربية الإسلامية في سموها وتعاليها، وهو "تعبير عن وضع طائفة من المسلمين كانت تتحرج وتذهب مذهب التقى، وتؤثر السلامة والعافية على المغامرة والخاطرة وترى أنّ النفس أمارة بالسوء.. وأنّ النار قد حفت بالشهوات... ولذلك آثرت هذه الطائفة أن تعدل عن شهواتها فكانت مثلاً واضحة للتربية الإسلامية في سموها وتعاليها"(25) ومثل هذه القراءة تجعل من الغزل العذري يسقط في التفسير الآلي الذي يهمل طبيعة الكون العذري من حيث هو حامل لرؤية تعبر عن الوعي الممكن لزمرة اجتماعية. إنّ رفض "الطاهر لبيب" لطرح "شكري فيصل" من منطلق أنّه طرح آلي، جعله يحاول أن يجد ربطاً بين الفكر المانوي(26)* الداعي إلى النقاء في الحب العذري وخصوصاً الأوروبي منه، لذلك نجده يدعو إلى البحث عن مقترحات جديدة يمكن لها أن تضيف شيئاً جديداً، يفيد في إعطاء تصور جديد يساعد على قراءة الكون العذري إذ إنّ "تاريخ الأدب العربي قد لجأ دوماً إلى استدلال أفضى به إلى خلاصات قطعية حول العلاقة السببية بين الإسلام الوليد والحب العذري. ولا وجود على حد علمنا لمحاولات دقيقة هدفها استبعاد هذا الاستدلال. لهذا نتوجه نحو أفكار غربية بهدف أن نستخلص منها بعض المقترحات التي قد تكون مفيدة بالنسبة لنا"(27). إنّ المقترحات التي تقدم بها "مارو" ترفض الربط الميكانيكي بين الفكر المانوي المسيحي والكون العذري الغربي، لأن القول بالقداسة لا يقتضي دوماً ورعاً وعفة، وذلك ما لم تدركه قراءة "شكري فيصل".

إنّ الحديث عن المرجعية الدينية للظاهرة العذرية هو الذي جعل "الطاهر لبيب" يربط بين عقيدة التوحيد وفكرة الحبيبة الوحيدة، على أساس أنّ عقيدة التوحيد من الناحية الإيديولوجية تحويل للعالم من طابع التعدد في العبادة إلى طابع التوحيد" وقد نما بالتوازي مع هذا الإيمان بوحدانية الإله، عبادة للحبيبة الوحيدة لدى العذريين وليست كلمة عبادة بمبالغة، ما دام من الممكن مقارنة أوصاف المحبوبة بالأوصاف التي تشير إليها سورة الإخلاص"(28) فصفات المثالية تستحق في نظر الكون العذري الابتهال وطلب الرحمة، لذلك كانت مرجعيتها العقيدة الإسلامية التي تدعو إلى الإخلاص للإله الواحد وتحارب التكبر، وهي معان نجد لها أساساً في تكوين الكون العذري.

والملاحظة على قراءة "الطاهر لبيب" إنّها تنتقي النصوص الشعرية التي تخدم وتؤكد طرحها مثل التفسير المادي الذي يطرحه بخصوص علاقة التكبر ودعوة الرسالة الإسلامية إلى التواضع والتنازل حتى عن الجانب المادي في الكون العذري ويستشهد لذلك ببيت جميل: (29)

إِنِّي إِلَيْكِ بِمَا وَعَدْتِ لَنَاظِرُ

نَظَرَ الفَقِيِر إِلىَ الغَنِيِّ المُكْثِرِ




ولهذا يخلص إلى أنّ الحلم هو الخلاص الوحيد في هذا الإعلاء الذي تبلغ فيه المرأة مستوى مأمثلاً جداً، في حين يبقى الرجل بشرياً بمنتهى التواضع. فالحبيبة وحدها هي التي تشغل قلب الحبيب، وهو الموضوع الرئيسي للكون العذري، لهذا لا يفكر العذري في أي علاقة مع امرأة أخرى، وهو نذر نجد له صوراً كثيرة في الشعر العذري لصفة "الصمد" التي وصف الله بها نفسه، والتيتشكل جوهر عقيدة التوحيد الإسلامية وتمثل "حركة الإنسان نحو الله، وكمال وحدانية العلي الآمر الناهي الذي يتعذر على الفكر البشري أن يحيط به بمعنى من المعاني"(30). ففكرة الحركة نحو ما لا يستطاع الإحاطة به الممزوجة بالفراق، يوحي بها الكون الشعري عند العذريين، بل هي الجوهر المركزي له. لذلك نلفي أن ما يعذب العذري هو الجمود العاطفي الذي يقابل به من قبل الحبيب، والتعذر الذي يجده في ملاقاة الحبيب ولو بالنظر. فالنظرة عند العذري إضناء للذات، وارتداد من المتعالي إلى البشري، وهي فكرة جوهرها مستمد من عقيدة التوحيد، لذلك تطرح فكرة عدم الزواج على أنّها نابعة من صفة التوحيد "لم يلد" وبذلك يعارض "الطاهر لبيب" "جلال العظم" الذي يعتبر العذرية تحطيم لمؤسسة الزواج. فالحبيبة لا يجب أن تلد ولذلك يمتنع الزواج لتمتنع الولادة "ولئن بدا الاندفاع طبيعياً أثناء الفراق، فإن الابتعاد الذي سينشأ كنقيض للوصال يتعارض بوضوح مع التقدير الاجتماعي الديني للتناسل، فهو نفي للتوالد"(31). فأمثلة المرأة حتى الوصول بها إلى درجة التأليه هي التي جعلت العذري يرى فيها الحبيبة المخلوقة المتعذرة، المثال، حتى تبقى غريبة لأنها أسمى من أن تصبح زوجة. فالحبيبة لا تهرم، أما ما هو فيهرم، لها صفة التوحيد الذي لا يؤثر فيه الزمن الذي هو سير نحو الموت، فهو منعدم بالنسبة للحبيبة كما أنّه منعدم بالنسبة للصمد.

إنّ قراءة "الطاهر لبيب" تريد إخراج الظاهرة العذرية من ذلك الإطار الذي وضعته فيه قراءة "شكري فيصل" لتؤكد صفة التماثل بين حقيقة التوحيد والحبيبة الوحيدة. وهي نتيجة فرضتها طبيعة المنهج الذي يؤمن بالتماثل لا بالانعكاس.

د- من الانعكاس إلى التماثل:

إنّ رفض "الطاهر لبيب" لمقولة الانعكاس والقول بالتماثل -والذي سبق وأن أشار إليه كمنطق منهجي في قراءته للظاهرة العذرية- هو الذي يجعله يثير إشكالية دلالة العلامة وتطورها من عصر إلى آخر وتبدل الدلالة تبعاً للوظيفة التي تمنح لها، وتبعاً لاستعمالها أيضاً، فركز على البعد الأنثروبولوجي في تفسير ظاهرة الحب العفيف مثل ربطها بما أطلق عليه بالألوهية الأنثوية الكبرى السابقة على الإسلام. وأرجعها إلى إلهام التوحيد اليهودي المسيحي الغامض التي حاربها الإسلام بعقيدة التوحيد. فالحبيبة عند العذريين تجسد التركيب القائم على اللات (الإلهة) والعزة (المطلقة القدرة) ومناة (إلهة القدر والموت) وبذلك حاول أن يقف على الأساس الأنثروبولوجي للحب ما قبل الإسلام، والذي له دور كبير في بناء الكون الشعري العذري، لكنه لم يقف عند هذا الحد، بل ذهب ليحفر في الظاهرة الشعرية العذرية من خلال العودة إلى ما قبل الإسلام، حيث أشار إلى إلهة بني عذرة التي كانوا يعبدونها وتسمى بالشمس. وبذلك لم يهمل "الطاهر لبيب" البعد الميثيولوجي في تفسير ظاهرة التسامي العذري، فانصرف إلى الأخذ بتعليلات النقد الأسطوري.

انطلاقاً مما سبق يقر "الطاهر لبيب" بعامل التوحيد الإسلامي في تهذيب مفهوم الحبيبة الواحدة، وهو يرفض ربط مفهوم الحبيبة الواحدة بالتوحيد كعقيدة. ويعلل ذلك بأنّ العلاقة بين الإسلام من حيث هو رسالة، وبين العذري المحدود إحصائياً باعتباره مؤمناً، ليس بينهما غير علاقة واحدة ممكنة هي امتثال العابدين التقاة. ولعل العلاقة التالية تبين التماثل القائم بين الكونين:

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:26 am

أ) الجهاد في القرآن ب) الشهيد في القرآن

أ) الجهاد في شعر جميل ب) الشهيد في شعر جميل

يقول "جميل": (32)

يَقُولُونَ: جَاهِدْ يَا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ

وَأَيُّ جِهَادٍ غيْرَهُنَّ أُرِيدُ




لذلك فالمقارنة بين العفة الدينية وعفة الشعراء العذريين تستلزم التسليم بصدق إيمان العذريين دون أن تكون النتيجة هي نفسها من الوجهة الدينية، وذلك ما ينفي القول بالانعكاس ويوجب القول بالتماثل لكي لا يشوه إدراك الشاعر للرسالة الشعرية.

إنّ الشعر العذري الذي يقوم على فكرة الحبيبة الواحدة لا يعكس صورة الإيمان لدى الشعراء العذريين بالرسالة التوحيدية أو تأثيرها فيهم، وهي نتيجة يصل إليها "الطاهر لبيب"، وللدفاع عنها يلجأ إلى تطبيق النقد المحايث للنص الشعري، ويحذر من اللجوء إلى التفسيرات الخارجية في قراءة الظاهرة لأنها ستبعث على الشك. وفي واقع الأمر أنّ دعوة "الطاهر لبيب" للنقد المحايث هنا هو تبرير للتفسير السابق، في حين أنّه لجأ إلى التفسير الأنثروبولوجي والميثيولوجي والوجودي في مواضع أخرى. ولم يبد الشك في نتائجها، لكنه عندما أراد أن ينفي فكرة الانعكاس سواء في منحاها العام التي طبقها "شكري فيصل" أم في منحاها الخاص كما تذهب إلى ذلك الدراسات النقدية الماركسية، نجده يتذرع بالنقد المحايث من أجل استبدال فكرة الانعكاس بفكرة التماثل. وعلى الرغم من ذلك نجده أيضاً يبدي تحفظاً حيال المسألة النظرية التي ناقشتها قبل حين عندما رأى بأن التماثل الذي وضع خطاطته السابقة "لا تستبعد بدوره احتمال حضور كثيف لإله أوحد متعال لدى العذريين، وإنما يوضع موضع الشك والتساؤل، هو دوماً ضرورة هذا الحضور في شعرهم باعتباره علامة على الإيمان الصادق"(33)، وهذا التحفظ فيه شيء من الصواب لأن شعر العذريين لا يمكن أن نجزم بأنه يصدر عن إيمان قوي بتعاليم الإسلام وإن كان صدى لها وإقرار بتعاليمها.

هناك صعوبتان -في نظر "الطاهر لبيب"- تواجهان "التصور العذري المطلق.

الاستحالة الفعلية لإحلال الحبيبة الخارقة للعادة محل الإله والعجز عن بلوغ الإله الواحد الصمد الذي بلغ العالم الأنثروبولوجي فوق ذلك في إبعاده لدى البدو"(34)، وهذا ما أفرز تصدعاً داخل النفس، وهي فكرة اقتبسها "الطاهر لبيب" عن "كنوبي" وطبقها على الشعر العذري، لأن التمزق الذي يعانيه العذري هو نتيجة مطامع متناقضة كحضور الله والحبيبة معاً في الصلاة. قال
جميل(35).

لِيَ الوَيْلُ مِمَا يَكْتُبُ المَلَكَانِ

أُصَلِّي فَأَبْكِي فِي الصَّلاَةِ لِذِكْرِهَا




وهو تصدع نابع عن عدم التوفيق بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع لدى العذري. إنّ التصدع داخل النفس لا يمثل وعياً دينياً لزمرة من الزمر الاجتماعية، بل يمكن أن يكون موافقاً ذاتياً، ولكن "التقديس الشعري للمرأة والذي يمضي من التضمين الدلالي إلى الشرك لا يطابق الروح السنية، ونحن نعرف أنّ التصوف ذلك والذي هو تمجيد حسي للعشق الإلهي قد أدين باسم الدين، والحال وأنّ العذريين -وإن كانوا قد ألهموا المتصوفة- فإنهم يتغنون بالحبيب ويلحون على وجودها التاريخي"(36). فالملاحظ أنّ "الطاهر لبيب" يعطي الأولوية للعذرية في تأثيرها في التصوف لا العكس. وهي فكرة نقيضة لما يراه "غنيمي هلال" الذي يذهب إلى أسبقية الصوفية وتأثيرها في العذرية، "إذ لا شك أنّ للحالة الاجتماعية أثراً في ترغيب كثير من الناس في الزهد في العصر الأموي، إذ يئس القوم من الوصول إلى المثل الدينية التي كانوا ينشدونها في حكامهم. فضاقت نفوسهم بالحياة ذرعاً. وقد كان لهذا الاتجاه في الزهد صدى لدى الغزليين من العذريين إذ عفوا عن الملذات الحسية، وأدركوا الحب على نحو جديد يتمثل في الزهد في المتع الجسدية. وكان هذا الإدراك وليد عصرهم والدعوة الدينية إلى الزهد فيه"(37). كما أنّ طابع التقديس الذي أحيط بالمرأة في الشعر العذري يتعارض مع الروح الإسلامية، لأن فكرة تجسيد العشق الإلهي مرفوضة دينياً. ومن ذلك نستخلص أسباب رفض "الطاهر لبيب" لتفسير شكري فيصل. وهو الشيء الذي لا يستطيع أن يتجنبه.

إنّ الذي لا يستطيع أن يتحاشاه صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي في قراءته ذلك التناقض بين دعوته إلى النقد المحايث من جهة، ولجوئه إلى السياق التاريخي في تفسير الظاهرة العذرية من جهة أخرى، مثلما نلفيه يعود "لابن الجوزية" ويورد رأيه في عفة العذريين، ويظهر التناقض بين الحب والعقل أي بين الهوى والإيمان الديني، كما أنه يعود إلى صاحب الأغاني ليقتبس نصاً يؤيد به ما يريد أن يثبته، ولا سيما إضفاء الطابع المأساوي على رؤيا الشاعر العذري.

يطبق "الطاهر لبيب" مقولة التماثل على العمل الأدبي الذي يحدده ككون رمزي تنشئه زمرة اجتماعية يمثلها المؤلف، إذ تتحول فيه المرأة الحبيبة إلى رمز وسيط يتخذ شكلاً غامضاً ومشتتاً في بيئة بدوية، لا يمكن الاعتقاد بأنها تدفع الإنسان إلى إعمال العقل الواقعي والعملي في الطبيعة الإلهية والتأمل فيها. وهذا هو السبب الذي جعل رسالة الإسلام في نظر "الطاهر لبيب" تنطلق من المدينة بدل البادية، لهذا صعب على البدوي فهمها "وهنا كان على العامل البئوي أن يملي وسيلة تشكيل" وعي ممكن" يستطيع الإيمان الديني أن يتخذ له مكاناً فيه"(38)، وهكذا يعود مرة أخرى إلى السياق التاريخي في مقاربة الظاهرة، كأن يركز على عامل البيئة في نقده، وهذا يذكرنا بمنهج "تين"(39) الذي يركز على عامل "البيئة والجنس والعصر" ويدخل ذلك في إثبات دور البيئة في تفسير الكون العذري المحدد هنا في الصحراء، وما يتصل بها من ظمأ. "فهل يمكن القول بأن هذه الرغبة المطلقة تولد حقاً عن وضع بئوي؟ نعم إلى حد ما"(40). وهذا الجزم يدل على أنّ قراءة "الطاهر لبيب" لا تتمتع بالصفاء المنهجي الذي حاولت أن تحتفظ به. وقد حصلت من خلال الأخذ بعامل البيئة في مقاربة الكون العذري، إلى أنّ الظمأ الذي يصوره الكثير من العذريين له صلة بالرغبة الجنسية التي تتحول في حالة الإخفاق إلى المازوشية.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:28 am

هـ- العفة شعر أم حقيقة؟

يؤكد "الطاهر لبيب" في مناقشته للعفة العذرية وجوب الفصل بين الصورة الأدبية وانعكاس الواقع، وبين التجربة التي عايشها الشاعر في الواقع والوعي الممكن الذي تظافر في تكوينه مجموعة من الملامح المختارة عشوائياً من الواقع ومن واقع المتلقي، ثم يكون للإدراك دور في إعادة تشكيله والتعبير عنه تعبيراً رمزياً، بحيث يسهم ذلك في بناء الكون الشعري.‏

لذلك يلح الباحث على التعبير عن ضرورة التمييز بين نوعين من العفة "إحداها عيشت حقاً، والثانية من الناحية الشعرية"(41). فهذه الثنائية مطروحة من منطلق الموازنة بين الموقف الوسط للمسلمين في نظرتهم إلى الجنس، والذي يشكل القسم الإيجابي للعفة، وبين العفة الشعرية عند العذريين، التي لا تخلو من تناقضات لم يستطيعوا الإفلات منها.‏

ولتوضيح الموقف الوسط لنظرة المسلمين إلى الجنس، يعمد "الطاهر لبيب" إلى قراءة القاموس اللغوي لبعض الألفاظ العربية والتي يرى فيها دليلاً على أنّ الكثير من المفردات العربية ذات دلالة جنسية. فمثلاً مصطلح إعراب "من بين دلالاته "الجماع" والمعنى نفسه يقال بالنسبة لنعت الشاعر "بالفحل" فيه معنى جنسي. فالفحولة رد إلى الوضع السلبي الخاص بالنساء. ينضاف إلى ذلك أنّ العرب المسلمين أكثروا من الحديث عن الوضع الجنسي للحياة البشرية من خلال اجتماعهم بنماذج قصصية كقصة يوسف (عليه السلام) مع "زليخة"، التي تميزت بسمو العفة على الشبقية، بتخلي "يوسف" عن إغراء الرغبة. ولكن هذه الرغبة قد أشبعت فيما بعد عند الزواج "بزليخة. وكذلك عبروا عن النظرة الجنسية من خلال الحديث عن "سليمان" (عليه السلام) الذي تقول التوراة بأنه "كان له سبعمائة زوجة من رتبة الأميرات، وثلاثمائة محظية، وأنّ نساءه شردن قلبه، وكثيرة هي النصوص الإسلامية التي تكرر أنه كان يطوف على تسعين امرأة في الليلة الواحدة: (أي بمعدل عشر دقائق لكل منهن، إذ كان يخصص للعملية الجنسية اثنتا عشرة ساعة في اليوم دون حساب للوقت الضائع. ولا محل لقوسي الاستغراب هذين بالنسبة لابن الجوزية الذي يؤكد في كتاب مهم له، أن من البديهي أن سليمان يستعيد لدى كل منهن، رغبة متجددة وحرارة تدفعه إلى الجماع"(42).‏

وهي أخبار في نظر "الطاهر لبيب" تقدس القوة الذكرية عند المسلمين على أساس أن الرغبة الجنسية عند المسلمين تؤكد التفوق الذكري على الأنثى لذلك شرع للذكر الزواج بأكثر من واحدة وألزم الأنثى بالالتزام بالواحد التي تشاركها فيه أخريات. وقد أكد ذلك تعديد الرسول صلى الله عليه وسلم للزوجات حتى وصلت إلى التسعة أو الإحدى عشر حسب اختلاف الروايات.‏

بقدر ما تقدر هذه ثقافة الجنس، فهي تنظر إليه نظرة وسيطة بعيدة عن الشبقية، فالإسلام يشجع الزواج الذي تقصيه العذرية والذي يتأكد من خلال اتفاق الأخبار والسيَّر والكون العذري في حد ذاته على إقصاء الزواج والعمل من أجل الحيلولة دونه، لأن الديمومة العذرية لا تستمر إلا بإقصاء الزواج.‏

فالنظرة الإسلامية للجنس تربطه بالواجب المقدس وتنظر إليه على أنّه عبادة، وأنّ العجز عنه مأساة وابتلاء إلهي. فالمسلم الذي يعرف أنّ الأمر يتعلق في نهاية المطاف بالعضو الجنسي لا يتردد في جعل هذا موضوع دعاء إلهي، بل حتى أثناء الصلاة ويستند "الطاهر لبيب" في ذلك على ما ينقله "ابن الجوزية" في "روضة المحبين" من أنّ "الليث بن سعد كان إذا غشي أهله قال: اللهم شد لي أصله. وارفع لي صدره وسهل علي مدخله ومخرجه، وارزقني لذته، وهب لي ذرية صالحة، تقاتل في سبيلك وكان جوهرياً، فكان يسمع تلك منه رضي الله عنه"(43). فالقوة الشهوانية ليست شبقة في النظرة الإسلامية، وإنما هي وسيلة مشاركة واندماج في جماعة المسلمين. فالجنس وسيلة تحقيق الذات وحفاظ على النوع وبقائه، وهو مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية.‏

واستناداً إلى ما قرره "الطاهر لبيب" حول النظرة الإسلامية للجنس، والوسطية التي تميزت بها هذه النظرة والتي بنيت فيها العفة على أساس ديني، فإنه لا يقضي على الزواج، وإنما يجعل منه وسيلة لمرضاة الله، وتحقيقاً للذات. فالعفة لا تعني إقصاء الزواج أو الإعراض عنه إذ لا عزوبة في الإسلام.‏

إنّ المتأمل في الظاهرة العذرية، ونظرة الإسلام للجنس في نظر "الطاهر لبيب"، يدرك فروقاً جوهرية بين الجنسية العربية الإسلامية ذات المنبع الديني، والعفة العذرية من حيث هي تعفف جنسي وأنّ تفسيرها تفسيراً دينياً يحمل نظرة فقهاء أكثر من أنّها نظرة شعراء.‏

فمعارضة الزواج عند العذريين هي النتيجة الرمزية لرفع الحبيبة إلى مستوى المثال، وليست النتيجة الطبيعية لرفض الرغبة الجنسية، ما دامت هذه حاضرة دوماً في الكون الشعري، فكل شيء مسموح به عند العذريين باستثناء العملية الجنسية، وبذلك يتعارض العذريون من الناحية الشعرية دوماً مع المسلم المعتدل كما يتعارضون من حيث هم شعراء مع الإباحي. فالنظرة الدينية تنظر إلى مقدمات الزنا نظرة تحريم أما العذرية فإنه يرى في التواصل الجسدي بين العاشقين على مستوى النصف الأعلى للجسم الأنثوي عاملاً أساسياً في تشكيل الرؤية العذرية، والكون الشعري لديهم. أما الذي لا يقدم عليه العذري هو العملية الجنسية التي توصل إلى النصف المتبقي من جسد المرأة (الجزء الأسفل)، لذلك نلاحظ أنّ وصف النصف السفلي من الجسد غائب عن الكون العذري، ولتعليل ذلك يلجأ "الطاهر لبيب" إلى التفسير الميثيولوجي على اعتبار أنّ العادة قبل الإسلام" كانت تشترط بين العشيقة والعاشق أنّ له من نصفها الأعلى إلى سرتها ينال منه ما يشاء، من ضم وتقبيل ورشف"(44)، وهي رواية يوردها "ابن الجوزية" في روضة المحبين" وترجع إلى حضارة الدعة.‏

والخلاصة التي يريد أن يصل إليها "الطاهر لبيب" هي أنّ "الجانب العفيف في الكون العذري وضعياً يحاول العذريون من خلاله معارضة تصور الحياة الجنسية العربية الإسلامية لعصرهم"(45)، وذلك ما يبعد عنهم التعفف الحقيقي الذي تستلزمه كلمة "ورع" النابعة من إيمان ديني عميق. فالقول بعفة الكون العذري قول يجانب الصواب وبخاصة إذا قصد به "العفة الدينية النابعة عن ورع وتقوى. وهي نتيجة يريد من خلالها صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي أن يشكك في القراءة التي تفسر الظاهرة العذرية تفسيراً دينياً، وتذهب إلى أنّ الظاهرة إفراز لتربية دينية نشأ عليها جيل داخل المجتمع الإسلامي في العصر الأموي. ويبني رأيه هذا على أنّ علاقة العفة بالجمال مستوحاة من حضور جمال طبيعي فاتن على نحو خارق، أكثر مما هي مستوحاة من تعفف ديني، وأنّ العذريين يتعففون عن الاتصال الجنسي (الشق الأسفل من الحبيبة)، ولا يتعففون عن النصف الأعلى. فالعفة العذرية تقتصر من الوجهة الجنسية على رفض العملية الجنسية، لكن دون أن تكون الرغبة المؤدية إليها غائبة.‏

3- الزمرة الاجتماعية:‏

يستهل"الطاهر لبيب" حديثه عن الزمرة الاجتماعية بتقرير أنّ ما ناقشه في الفصل السابق يشمل ثلاثة أطوار يكمل بعضها بعضاً من الناحية المنهجية:‏

فالأول يمثل الأساس اللساني على اعتبار أنّه ناقل لمجموعة من التصورات والقيم. والثاني يمثل بنية شاملة للكون العذري من الناحية التصورية، فالعذري بخضوعه لإرادة الإله الواحد، وقع من الناحية التصورية في عالم موسع ومغلق تصورياً من الداخل. والثالث يشير إلى البنيات الصغرى التي تبدو في الظاهر متناقضة في جزئياتها، ولكنها متكاملة في بنيتها الشاملة، وتوضيح العلاقة القائمة بين الكون الشعري والكون الديني.‏

هذه الأطوار الثلاثة لا تمثل سوى مرحلة أولى هي مرحلة التحليل المحايث للنص، أما المرحلة الثانية، والتي خصصها للحديث عن الزمرة الاجتماعية الحقيقية التي قد تكون أصلاً للكون الشعري العذري، وبذلك انتقل "الطاهر لبيب" في قراءته للظاهرة العذرية من الفهم إلى التفسير بالمعنى الغولدماني للكلمة "فالمجتمع في نظره -حقيقة أكثر تعقيداً أو أقل قابلية للمراقبة بشكل لا نهاية له، لا سيما إذا كان تعريفه بالاستناد إلى معلومات تاريخية مشكوك فيها إلى حد بعيد"(46) وبذلك يطرح من جديد قضية توثيق الروايات التاريخية التي أرخت للمجتمع الإسلامي، واعتبرها مصدراً غير موثوق فيه لبناء عليه نتائج نقدية، ومن هنا نلاحظ أنّ الباحث يخرج في طرحه من النقد المحايث وينتقل إلى النقد السياقي وتلك إحدى المثالب التي تسقط فيها قراءته من الناحية المنهجية.‏

ومن الإشكاليات التي تثار حول التاريخ الإسلامي والتي يعتبرها ثغرة، هي الجانب الاقتصادي في التاريخ الإسلامي الذي ما يزال مادة خامة لم يقدر للبحث أن يهتم به، وهذا ما جعل القراءات النقدية تنحو منحى روحياً مجرداً، لا يقف على الجانب المادي للمبدعات الأدبية الكبرى، خاصة إذا أدركنا أنّ الجانب الاقتصادي "مكون أساسي لكل تاريخ البشرية"(47) لذلك فإن تحديد الزمرة العذرية يصطدم بعدة صعوبات، وهذا ما يفرض على القارئ الانطلاق من الكون الشعري بإعادة البناء الافتراضي للزمرة الاجتماعية. ولتحديد موقع الزمرة العذرية، يلجأ "الطاهر لبيب" إلى تعامل السياق العام، وهو سياق العصر الثقافي الأموي، لأن السياق السياسي الديني ليس مقياساً علمياً في نظره. فظهور الإسلام لم يغير من العصر تغييراً جذرياً، وهو بذلك يعارض الطرح الاجتماعي الذي يجعل من العامل السياسي الديني أساساً لقراءته والنتائج النقدية التي توصل إليها.‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:28 am

ولمعرفة الأساس الاجتماعي التاريخي للكون العذري، يستخلص "الطاهر لبيب" بعض السمات العامة المهيمنة على العصر الثقافي الأموي الذي أصبح يعيش ظروفاً جديدة، فيتحدث عن الصبغة العربية للنظام الثقافي والسياسي للحكم الأموي باعتماده على العنصر العربي في تكوينه "فعصر الأمويين كان بالنسبة للعربي، وفي إطار الإسلام، أكثر تأكيد لوجودهم في التاريخ"(48) ينضاف إلى ذلك أنّ الثقافة العربية في العصر الأموي تشكل تمازجاً بين رواسب ثقافية قبل إسلامية وثقافية إسلامية، فالكون الشعري العذري لم يكن إسلامياً خالصاً، وإنّما كان مزيجاً بين الموروث الثقافي الجاهلي والثقافة الإسلامية الجديدة بكل ما تحمله من تصورات، هذا إذا لم نقل بأنّ هناك تأثيرات خارجية.‏

ولهذا ينطلق "الطاهر لبيب" من فكرة التناص التي تعتمد على تداخل النصوص وتعالقها، ويؤكد صعوبة تحديد أولية النص العذري، لا من حيث الجانب التاريخي المحض ولا من الموقع الجمالي البحت، ويستشهد بنص "لجيليا كريستيفا" التي تذهب إلى أنّ إنتاج النص يحدث ضمن حركة معقدة ليؤكد نصاً آخر وينفيه في الوقت نفسه، وهكذا فمن الصعب جداً أن نقر مصطلح التأسيس الذي يبدو منافياً لفكرة التناص إذ ليس هناك نص شعري عذري حسب "الطاهر لبيب" يمكن أن يكون مؤسساً للكون العذري قبل العصر الثقافي الأموي، باستثناء الشاعرين "عبد الله بن عجلان وعروة بن حزام".‏

ولتحديد الزمرة العذرية ينخرط صاحب سوسيولوجيا الغزل العربي في البحث التاريخي والجغرافي، ويؤكد أنّ المصادر التاريخية والعربية والاستشراقية تحصر الشعر العذري في العصر الأموي، وخاصة من خلال الترجمة لأعلامه "قيس لبنى وجميل بثينة وكثير عزة" والتي تقر بوجودهم في العصر الأموي، إلا أنّ عدم اقتناع "الطاهر لبيب" بأنّ الكون العذري ليس وليد الفترة الأموية يجعله يرجع إلى رأي "شكري فيصل" -الذي سبقت الإشارة إليه فيما سبق-. والذي يجعل الشعر العذري إفرازاً للتربية الإسلامية، فيعارضه برأي المستشرقين -بخاصة "ماسينيون"- الذين "يرون عن حق أنّ قسماً من الشعر العذري لا يمكنه أن يكون إلا منحولاً، نظم لاحقاً قصد تغذية الأسطورة العذرية التي جرى تقديرها انطلاقاً من القرن الثامن الهجري، على الأرجح بين المستوطنين اليمينيين من جند الكوفة"(49) فالمستشرقون يشككون في الحقيقة التاريخية لكثير من الشعر العذري، وعلى الرغم من ذلك فإن "الطاهر لبيب" يقر بأنّ هذا الرأي فيه جانب من الصواب ويؤكد بأنّ الهدف من ذلك ينبغي أن يكون غاية في ذاته.‏

ثم ينصرف تفكير الباحث بعد ذلك إلى العناية بما يسميه تأويل الحب العذري من قبل تلك القصص التي حيكت حول الشعراء العذريين، وبالتالي فإنه لا يعني بالبحث عن الحقيقة التاريخية أو عدمها بالنسبة للشعراء العذريين، وإن كانت المصادر السابقة واللاحقة لا تشكك في وجود هؤلاء الشعراء، وهذه الظاهرة بذاتها. ليعود من جديد فيحاول أن يحيط بالظروف التي أحاطت بالظاهرة من مثل انتشار القيم الإسلامية، والتوجه العربي للسياسة الأموية، التي ظلت تؤسس للعنصر العربي، لتجعل منه السلالة السيدة في كل مجالات الحياة، مع إعطاء دعم كبير لتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية وبخاصة في المناطق الحضرية، مما أفرز تعارضاً بين البدو والحضر، والذي كانت له مصادر في التكوين الاجتماعي القديم للمجتمع العربي. ولكن الملاحظ على طرح "الطاهر لبيب" أنّه ينتقي النصوص التي تخدم ما يذهب إليه، ويؤكد بخاصة تشكيكه في مذهب "شكري فيصل" ويميل إلى القول بأنّ الظاهرة العذرية ليست إفراز للتربية الإسلامية، وإنّما هي إفراز لخلفيات ميثيولوجية قديمة ومؤثرات اجتماعية واقتصادية جديدة. وبذلك ينفي عنها المؤثر الديني بعدما عاد إليه كما بينا في السابق.‏

إنّ مسألة تحديد الزمرة العذرية تطرح تساؤلاً فيما إذا كان العذريون بدوا تماماً؟ لأن المعلومات التاريخية حول هذه المسألة مبهمة مما جعل "الطاهر لبيب" عاجزاً عن تحديد الجانب البنيوي لهذه الزمرة نظراً لعامل الترحال الذي كان يميز حياة البدو الرحل، إذ ليس هناك انتماء جغرافي واحد لشعراء العذرية، وليس هناك إجماع لانتسابهم القبلي الواحد، ويفسر هذا التشتت في الأسماء والأنساب بحدوث هجرات متعاقبة للقبائل الجنوبية اتجاه الشمال بدأ من القرن السادس الميلادي، ويرجعها إلى الجفاف الذي ضرب منطقة الجوف اليمنية وتصدع سد مأرب، ويستند في تفسيره إلى رأي (فادي) الذي يبسطه في كتابه "الحس العذري في المشرق" والذي مفاده أن الأسطورة انتقلت إلى بني عذرة عن طريق النخبة المدنية المكية التي يحصرها في "النعمان بن بشير" و"ابن أبي عتيق" وينتهي في الأخير "أنّ هذه الزمرة جسدت هذا الحب، وتماهت، معه، وعبرت عنه في مرحلة أدبية مفصلية، شهدت ولادة شعر حضري صريح، ومضاد في إيروسيته. كان أحد أكبر ممثليه "خليفة ماجن" هو الوليد الثاني، من هنا فبإمكاننا، كي يجعل التحليل ملموساً أكثر نسبياً أن نعتبر هذه الزمرة عينة تمثل، بما يمكن من التمثيلية، أوائل العذريين، ونحاول الإحاطة بها عن كثب قدر الإمكان"(50). إلا أنّ الإحاطة بها صعبة، نظراً لعدم تجانس طبيعة الحجاز، فوادي القرى وهو موطن بني عذرة "معزول بوضوح عن نجد شرقاً، وتهامة غرباً، بسلسلتي جبال الحجاز المتوازيتين، وقد حد هذا التأطير الطبيعي، وجهة، اتصالات بني عذرة بالعالم الخارجي"(51)، وبذلك يحاول الباحث تحديد إطارهم الجغرافي عن طريق دراسة المناخ والتضاريس لينتهي إلى أنّ بني عذرة كانوا نصف حضريين معزولين، وعزلتهم راجعة إلى أنّ تاريخ العذريين ما قبل الإسلام كان خالياً من المآثر الحربية، وهو ما يفسر عزلتهم، ويعتمد في رأيه هذا على ما توصل إليه "فادي"، ينضاف إلى ذلك أنّ بني عذرة لم يكونوا يتميزون باستقلال اقتصادي، الأمر الذي حتم عليهم إقامة علاقات مع قريش والأوس والخزرج وهم من القبائل المتحضرة. وبذلك يحاول "الطاهر لبيب" الوصول إلى أنّ بني عذرة لم يكونوا من البدو ولا من الحضر، إنّما كانوا نصف حضريين مهمشين اقتصادياً واجتماعياً، وأنّ الكون العذري لا يحمل حساً دينياً كما تذهب إلى ذلك الكثير من القراءات "فنمو عاطفة عذرية مأساوية على نحو كوني، ضمن وسط ثقافي لا مأساة فيه عموماً كان تعبيراً عن محاولة التجريد، أو تجاوز مجموعة من القيم ذات قوى جاذبة عن طريق اللامبالاة. لقد حل محل التنافس القديم إله واحد وسلطة ملكية. الشيء الذي يدفعنا إلى استخلاص أنّ العذريين وعلى خلاف الفكرة الشائعة عنهم، كانوا بعيدين عن التكيف مع الكون الديني، الذي أوحي لهم، مع ذلك، بخطاطة كونهم الشعري بالذات، وهو لا تكيف يفضي بنا إلى زمرة واقعية، هامشية بنحو خاص، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي"(52) وبذلك يربط "الطاهر لبيب" بين حرمان العذري من الاستمتاع بتملك الحبيبة والذي يشكل أساس الكون العذري، وبين عدم الإشباع الجنسي، والحرمان الاقتصادي والاجتماعي. وهي خلاصة غير مبررة ومنطقية من خلال العرض التاريخي الذي استند إليه في تحديد الزمرة الاجتماعية لبني عذرة، وهو تفسير يبدو أنّه يمزج بين الطرح "الفرويدي" و"الماركسي" مزجاً لا يتلاءم كثيراً مع المنهج الذي تبناه الباحث في أطروحته.‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:29 am

إنّ الكون العذري في نظر المؤلف يحمل استراتيجية جنسية "من الممكن أن يتم البحث عن تفسير للدور المسند إلى الشخصية العذرية، على مستوى التعالق الرمزي بين الوضعية الاجتماعية الاقتصادية والموقف الجنسي المتميز. وبما أنّه لم يعد ثمة من مجال للحديث عن عفة ما، بل عن رغبة غير مشبعة، فإنّ البطل يعرف بوضعية خاصة به. أنه يجابه منعة الحبيبة في جو ملائم،عموماً، للتظاهرات الجنسية (تمجيد قوة الذكورة، والتشجيع على الزواج). ولندقق القول: أنّ هذه المنعة، التي يحس بها الشاعر العذري كأنها عائق أمام النزوة الجنسية، ليست شيئاً آخر سوى الرفض الشعري للجماع، ذلك الرفض الذي اشتق منه العذريون اسمهم، والذي تترجمه الأسطورة باستحالة الزواج، ورغم كل مخاطر الاختزال، فإن المسألة الجوهرية تظل هي التالية: ماذا يمكن أن تكون دلالة هذا الامتناع المتموضع أو المضبوط جنسياً؟"(53).‏

فالطرح الاجتماعي والاقتصادي الذي تتبناه قراءة "الطاهر لبيب" هو الذي جعله يقصي الطرح الديني في تفسيره للظاهرة العذرية، لأن "الظهور المتزامن للنمط العذري والدون جواني الحضري في العصر الأموي يشير إلى فترة اتسعت فيها الفوارق بين مختلف الشرائح، وخاصة، كما لابد من الإلحاح على ذلك، في مجال الملكية. ذلك أنّ مفهوم هذه الأخيرة لا يمكن أن تثيره صورة امرأة يستغلها"عمر بن أبي ربيعة" على هواه، لكي يأتي العذري فيلقاها، كل مرة، بدون جنس"(54) وهو طرح يقترب من الطرح الطبقي الذي قدمته قراءة "طه حسين" للغزل العذري.‏

يعود "الطاهر لبيب" للحديث عن المرحلة التاريخية التي مر بها المجتمع الإسلامي بين فترة الرسول والخلفاء الراشدين وبين الفترة الأموية ليشير إلى الفوارق الجوهرية بين الفترتين في المجالين الاجتماعي والاقتصادي. فالمرحلة الأولى حاولت إرساء مبادئ العدالة الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الإسلامي وحققت ذلك ميدانياً وبخاصة في فترة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، إلا أنّ الفترة الأموية شهدت انتكاسة لآمال الشعوب الإسلامية في العدالة التي رأوا نموذجها يتجسد ميدانياً في فترة "عمر بن الخطاب". بينما شهدت الفترة الأموية تفاوتاً في كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية "فضمن هذه البنية الاجتماعية الاقتصادية الجديدة، حيث كان أكبر قسم من الثروات يتراكم بين أيدي شريحة من المحظوظين، دون أن يواصل استخدامه للاستهلاك المباشر، بل لإعادة الإنتاج الموسع، نما الحب العذري، والحب الإيروسي على نحو متواز، وهما استراتيجيتان كانت المرأة فيهما مجرد مرادف عاطفي لرأس المال الجديد. لقد قامت دون جوانية "عمر بن أبي ربيعة" على استثمار امرأة المجتمع الراقي النبيلة والغنية، في غير تسوية منتجة فكان النجاح المتصور والمقدم باعتباره ارتقاء أرستقراطياً، من الناحيتين المادية والمعنوية يولد إحساساً بالرضى لا يحاول مطلقاً أن يضع النظام الاجتماعي القائم موضع اتهام. أما عند العذريين فإنّ الحب هو حب استلاب... فالعمل الذي يتحمل نية البطل كل أشكال العناء لا ينتهي أبداً إلى نتيجة... إنّ الظلم الذي يكثر العذريون الحديث عنه يفترض ألا يكون هذا الاستلاب مجرداً من التطلعات المطلبية، ولا يمكن لصورة حبيبة متزوجة، أي حبيبة صار عضوها الجنسي أو نتاجيتها مملوكين عن غير حق لرجل غني إلا أن تثير في الذهن سيرورة عمليات التملك الأموية"(55)، فالمرأة في الكون العذري لها بعد زمري يعبر عن التفاوت الطبقي الذي شهدته المرحلة الأموية في التاريخ الإسلامي والتي عمقت الهوة الاجتماعية بين الطبقات إذ "إنّ الشخصية العذرية مدغومة بالظلم إلى الحد الأقصى، إلا أنّ رفضها مستبطن، سري، مثله في ذلك مثل لغتها، وبكلمة واحدة، فإن رفضها سلبي... الشيء الذي يعني أنّ المجتمع الأموي لم يكن قد نمّى التعارضات فحسب، بل نمّى كذلك هامشية ثقيلة الوطأة، هامشية كانت تجد تعبيرها ضمن الكون العذري، في امتناع عن الجنس، ذلك أنّ العذري، وهو يطمح إلى العدالة كان يتعلق بحبيبة متزوجة، أي بحبيبة تعود إنتاجيتها إلى رجل غني، إلا أنّه كان ينقاد، كلما عادت إليه، إلى الاستغناء عن إنتاجيتها"(56). فالجنس في الكون العذري يحمل دلالات سياسية اجتماعية، وبذلك تتضح الاستراتيجية الجنسية للكون العذري في دلالتها الاجتماعية والسياسية. "فالتراجع أمام الجنس (أو رأس المال) المنتج أمر من الأهمية بمكان في تمييز زمرته، وهو تمييز مراد به التأكيد في مجتمع تكون القوة الجنسية فيه مثل القوة الاقتصادية وسيلة ممتازة لتأكيد الذات، من هنا فإنّ الأمر يتعلق بتعبير ذي دلالة خاصة، في سياقه الاجتماعي التاريخي"(57). فالعامل الاقتصادي في نظر "الطاهر لبيب"، والذي لم توليه القراءات الأخرى اهتماماً كبيراً بل أهملته في كثير من الأحيان، هو الأساس في تشكيل الرؤيا المأساوية التي تميز بها الكون العذري.‏

فالزمرة العذرية زمرة واقعية محدودة في الزمان والمكان "وهي هامشية واقعية حقاً"(58)، وهامشيتها نابعة من الملابسات الاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بها، بذلك ينتهي "الطاهر لبيب" من خلال هذه الخلاصة إلى رفض مقولة الانعكاس وتبني مفهوم التماثل، فهو يرفض أيضاً التفسير الذي يرى بأن الظاهرة العذرية تعبير عن المجتمع الأموي، لأنها في تصوره تعبير عن زمرة اجتماعية هامشية، جعلت من الجنس استراتيجية للتعبير عن رؤيتها للعالم، كما أنّ العفة صفة ألحقت بالعذرية قسراً بإخضاعها للعامل الديني.‏

وهذه النتيجة لم تتضح لنا إلا بعد أن استعرض "الطاهر لبيب" جملة من الطروحات التاريخية والاقتصادية والثقافية، وذلك من أجل تحديد صبغة الزمرة الاجتماعية العذرية، ولكنه لم يفلح في نظرنا في تحديدها تحديداً مقنعاً، وبدا رأيه، وكأنه غريب عما رسمه من معالم منهجية لدراسة الظاهرة العذرية، وكان يمكن أن يجعل من تحديد الزمرة العذرية مدخلاً لدراسة الظاهرة العذرية، ويركز فيه فقط على الجوانب التي تتصل بالكون العذري من الناحية الفنية، حتى يجسد مقولة المنهج البنيوي التكويني الذي يربط بين البنية الفنية والبنية الذهنية.‏

كما نلاحظ أنّ القراءة المحايثة التي طرحها في بداية القراءة كمقولة بديلة لمقولة الانعكاس قد غابت بغياب النصوص الإبداعية، والتي تتجسد من خلالها رؤيا العالم التي تشكل جوهر الكون العذري، مما جعله يسقط في القراءة السياقية وابتعد كثيراً عن القراءة البنيوية التكوينية.‏

إنّ قراءة "الطاهر لبيب" للظاهرة العذرية قد حاولت تطبيق منهج البنوية التكوينية "للوسيان غولدمان" كما صرح بذلك منذ بداية الدراسة بقوله: "يرتكز هذا المنهج المستوحى من بعض الأبحاث التي تمت في مجال علم اجتماع الأدب، وعلى رأسها أعمال "لوسيان غولدمان" إلى مبدأ بسيط، هو أنّه ينبغي مساءلة الشاعر، بل مساءلة شعره، ومن ثم فإن موضوعه هو التحليل المحايث للأثر، أي الإبانة عن شبكة من الدلالات الباطنية التي ينبغي الانتهاء إليها دون قسر النص"(59)، لكن السؤال يبقى مطروحاً حول مشروعية تطبيق هذا المنهج كغيره من المناهج النقدية الأخرى التي قدمناها في الفصول السابقة حول نص أدبي قديم له مواصفاته الخاصة، وطبيعته الفنية المتميزة. هل طبق هذا المنهج بحذافيره، كما نشأ أول مرة عند أصحابه أم عدل فيه، بحيث يصبح صالحاً للتعامل مع هذا النص أو ذاك؟ ومن ثم يحق التساؤل أيضاً. هي استطاع "الطاهر لبيب" أن يكيف منهج "لوسيان غولدمان" حتى يتسنى له مقاربة النص العذري مقاربة تأخذ بمشروعية الأسئلة السابقة، وتنتهي إلى نتائج مرضية عموماً؟.‏

في واقع الأمر أننا لا نستطيع أن نتجاهل الجهد العلمي المبذول في هذه القراءة، نظراً لأنه يتطلب استيعاب منهج جديد كل الجدة وفهمه، ثم تطبيقه على النص العذري، ينضاف إلى ذلك التنبيه إلى العامل الاقتصادي ودوره في بناء الكون العذري، والذي لم تقف عنده الكثير من القراءات السابقة، ما عدا قراءة "طه حسين"، أما القراءات الأخرى فقد أعطت للعامل السياسي والاجتماعي والنفسي والديني دوراً رائداً في تشكيل الكون العذري. ولكن التثمين لهذا الجهد الذي بذله الباحث لا يمنعنا أبداً من ملاحظات حول هذه القراءة. بحيث نلفي صاحبها يتبنى بنيوية "لوسيان غولدمان" ويطبقها على الشعر العذري دون من يزودنا بنموذج واحد من نصوص الغزل العذري ويكتفي بالاستشهاد بأبيات معدودة منتقاة ليدعم بها منهجه، علماً أنّ النص الشعري وسلطته في الدراسة المحايثة ليس بالأمر الضروري فحسب بل هو مطلوب، مما يجعلنا نلاحظ أنّ المنهج حين لا يكون منبثقاً من مادة الدراسة يؤدي إلى التعسف في التطبيق واستخلاص النتائج.‏



_________________



عدل سابقا من قبل نسمة أمل في 2008-04-21, 8:31 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~


عدد الرسائل: 8001
أوسمة ممنوحة:
السٌّمعَة: 1
نقاط: -2
تاريخ التسجيل: 04/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث   2008-04-21, 8:30 am

إنّ بنيوية "غولدمان التكوينية"، لا تهتم بالجانب الانفعالي بقدر ما تهتم بالدلالة والرؤيا الخاصة للعالم، وأنّ الكون الشعري ليس تعبيراً عن الأمة والعصر، بقدر ما هو تعبير عن جماعة أو زمرة بشرية محدودة في ظروف اجتماعية وبيئية خاصة. ولكل مجموعة ممثل أو قائل، يعبر عنها وعن قيمها وتصوراتها وآمالها وخيباتها، والتعبير لا يتم بطريقة الانعكاس وإنّما بطريقة التماثل.‏

فالعذري حين يوظف الألفاظ الإسلامية في التعبير عن حبه وذاته، لا يعبر عن تأثير العقيدة الدينية في نفسه، وبتعبير آخر إنّه في نظر "الطاهر لبيب" لا يعبر عن القضية الدينية بقدر ما يعبر عن قضيته التي تمثل زمرته الاجتماعية، وهي رؤية جاهزة يحملها النص العذري عامة ومسطحة. وهو طرح يرفض قراءة "شكري فيصل" لأنه يرى أنّ قراءة هذا الأخير قراءة خارجية لا تحتكم إلى داخل النص، وإنّما تحكم البعد الديني والأخلاقي في تفسير نشأة الشعر العذري. وهو ما لا تقبله القراءة المحايثة التي يحاول أن يوظفها "الطاهر لبيب" في منهجه الذي يقوم على معطيات البنيوية التكوينية التي تهدف إلى الوصول إلى رؤيا العالم التي يحويها الكون العذري. وعلى هذا فإنّ رأي "شكري فيصل" يربط الكون العذري بالضمير الديني، لأنه يأتي إلى النص العذري من خارجه، ومن المعطيات الدينية، بينما للنص العذري في رأي الباحث وظيفة أخرى، إنّه تعبير عن رؤيا العالم التي تشكل نواة وعي لمجموعة اجتماعية تعيش في شروط مكانية وزمنية خاصة تتسم بالهامشية. وهذا ما دفع بصاحب سوسيولوجيا الغزل العربي إلى البحث في الحيثيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويهمل النص الشعري، مما جعل السياقات الخارجية تطغى على قراءته وهو الذي كان يدعي نفيها، حتى بدت قراءته آخذة بجانب كبير من القراءات السياقية في أدواتها الإجرائية، والمنهجية أثناء تعاملها مع الظاهرة العذرية، وبذلك جانب محايثة الكون الشعري العذري.‏

وعلى الرغم من ذلك فإنّ قراءة "الطاهر لبيب" في عمومها بدت متماسكة نظرياً إلا أنّنا نفاجأ من حين إلى آخر بأنّ طرق الاستقراء والاستدلال التي يسلكها في تطبيق النظرية على الظاهرة العذرية تسلك مسلك الاجتزاء والقسر على الرغم من جاذبيتها وغناها في الدراسات النقدية الحديثة.‏

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-forsan.googoolz.com/
 

الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الفرسان ::  :: -