| الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث | |
|
|
| كاتب الموضوع | رسالة |
|---|
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:43 pm | |
| المقدمة ينطلق هذا البحث من متصورات جوهرية "لنقد النقد"، الذي يتساءل عن صلاحية المناهج النقدية المتبعة في قراءة الإبداع والظواهر الأدبية وعن الأصول المعرفية والإبستمولوجية لهذه المناهج، وما هو الموقف الذي ينبغي أن يتخذه ناقد النقد وهو يتفحص أعمال نقدية تحتك مباشرة بالإبداع الفني.
فالمناهج النقدية في أصولها المعرفية وتطبيقاتها الميدانية هي موضوع دراسة هذا البحث، وليس الأعمال الإبداعية، وبذلك فالمجال الحقيقي لهذه الدراسة ليس المعرفة وإنّما هو معرفة المعرفة. فاشتغالها منصَبّْ على الحقل الإبستمولوجي أكثر من الحقل الإبداعي.
لكن القدرة على محاكمة الأعمال النقدية من حيث التزامها بتطبيق الأصول النظرية للمنهج المنتقى ليطبق على الأعمال الإبداعية، والقول بالنجاح في ذلك أو الإخفاق مهمة شاقة وصعبة، لأنّ ناقد النقد يفترض فيه أن يكون أكثر معرفة من الناقد، وذلك من حيث الإلمام بأصول المناهج. وهذا طموح يشقى الباحث للوصول إليه. وذلك ما حاولنا أن نلم به في هذا البحث مدركين أنّ الإحاطة بالأصول النظرية للمناهج النقدية سياقية كانت أم نسقيه أمر في غاية الصعوبة، نظراً لتشعب المعطيات المعرفية لكل منهج، ينضاف إلى ذلك أنّ بحثنا لم يتوقف عند هذه الأصول المعرفية فقط، بل حاولنا تتبع مدى عمق تطبيقاتها على الظاهرة العذرية كظاهرة شعرية تراثية. فاعتمدنا في بحثنا الوصف لأنّنا ندرك إلى حدّ يمكن الوصف أن يقدم خدمة لنظرية المعرفة في مجال البحث، وينتج الموصوف بطرائق أخرى. ونكون عندئذ أمام تحصيل ما هو حاصل.
إنّ الدافع الأساسي لاختيار هذا الموضوع على الرغم من إدراكنا مدى صعوبته وتشعبه الرغبة في الإحاطة بالتراث القديم، والإلمام بالثقافة الحديثة. ولطالما راودتني هذه الفكرة وأنا طالب.
فكنت أحاول الجمع بين التراث والحداثة، ولم أكن أتحمس كثيراً لتلك الدعوات التي تحاول أن تفصل الحداثة عن التراث، لأنّني لا أومن بوجود حداثة مقطوعة الجذور، كما لم أكن مطمئناً إلى دعاة القراءة التراثية للتراث، على الرغم من أنّني أثمن تلك القراءات القديمة التي كانت تحمل في طياتها كثيراً من الرؤى الحداثية. فالتراث لا يثمن إلاّ بالإلمام به أولاً ثمّ قراءته قراءة حداثية يضئ جوانبه ثانياً، وتستكشف كنوزه، وتميط اللثام عن مكوناته، وبخاصة إذا كانت هذه القراءة الحداثية على وعي كبير بالتراث من جهة واستيعاب الأصول المعرفية للمناهج النقدية من جهة ثانية.
فالقراءة الواعية هي وحدها القادرة على نقل الخطاب الأدبي من المستوى الذي يحتكم إلى المعيارية النقدية، إلى المستوى العمودي الذي يحتكم في إطاره المرجعي إلى منطق السؤال، ويخضع لمبدأ الاحتمال والتنوع الذي ينفي كل ما هو أحادي، ويثبت كل ما هو متعدد، وبذلك يصطنع النص في القراءة الواعية لغة لم تألفها ذهنية ثقافة موجهة قبلياً. ومن هذا المرتكز يمكن للخطاب النقدي أن يكتسب قدرة السؤال وقوة المقاربة.
وانطلاقاً من هذه المتصورات التي تعتمد عليها نظرية القراءة الحديثة، ينطلق بحثنا هذا في نقد النقد ليتأمل في المناهج النقدية الحديثة، فيمتحن قدرتها على تجسيد متصوراتها النظرية، وأدواتها الإجرائية، في الممارسة النقدية وبخاصة وأن التحكم الكلي في المنهج ليس مطلباً سهل المأخذ، ولكنه يحتاج إلى ممارسة مستمرة وخبرة كبيرة، وهذا لا يتأتى للقارئ إلاّ بالوعي الكامل بالمرتكزات الفلسفية والمعرفية للمناهج النقدية، وحسن انتقاء الأداة الإجرائية وحسن استثمارها في مجال التأويل.
فالممارسة النقدية الحديثة في حدّ ذاتها لم تنج من مفارقة الاختلاف والتباين في المقاربة، والتي ستظل إشكالاً مطروحاً ما دامت الظواهر الإبداعية لا تقول الحقيقة بلغة الدقة، وتسد الفضاء العلوي أمام التأويل. فالنص الإبداعي الراقي الذي يحمل معطيات الديمومة والاستمرارية. يظل مفتوحاً في نظرنا لأنّه رسالة لا تحدد شفراتها تحديداً واضحاً، ولا يبسط مرجعها بسطاً أفقياً مباشراً، وبذلك، فهو لا يقبل القراءات المعيارية التي تدعي قول الحقيقة بلغة الجزم.
وبعد قراءات متعددة في التراث الشعري العربي، والقراءات النقدية الحديثة له، لفت انتباهي اهتمام هذا الأخير بالظاهرة العذرية، فبدت لي الظاهرة الواحدة المتعددة، لأنّ المتحمل في خطابها الشعري يتفاعل مع بلاغة تأويلية، ويفرض على الممارسة النقدية أن تتعامل مع الظاهرة الإبداعية تعاملاً يحكمه منطق السؤال، ويمليه وعي الإبداع الذي يرفض الأجوبة اليقينية.
لقد كانت الظاهرة العذرية موضوع دراسات نقدية متعددة، وكل هذه القراءات أجهدت نفسها في مقاربتها، وحاولت الاقتراب من عالمها، بأدوات إجرائية مختلفة، مما أعطى ثراءً نقدياً، بخاصة أنّ منطلقاتها المعرفية وأدواتها الإجرائية متباينة الرؤى. وشجع على تعدد المقاربات النقدية لهذه الظاهرة وتباين رؤاها ما تتميز به العذرية من طابع إنساني، وجمالية فنية، ورسالة ذات شفرة غير محددة تحديداً واضحاً. فهي ظاهرة مفتوحة دوماً، متعددة الاحتمال والتنوع. وتلك ميزة الفن الراقي الذي يخترق حجب الزمن ليعيش في اللازمان، فيكون أرضية خصبة يفتح صدره لكل قراءة جادة تحاول أن تتعامل مع الخطاب الشعري بأدوات فيها من الجدة والأصالة، لتفك شفراته دون أن تسقط في المعيارية، وإنّما تطرح السؤال لتتفتق عنه الأسئلة المتعددة.
فالظاهرة العذرية ذات أبعاد دلالية عديدة، يمكن أن تكشف مقاربتها عن أنّها ليست مجرد ما نعنيه بكلمة الجنس الأدبي أو الموضوعية الأدبية من الناحية التقليدية، وإنّما هي ظاهرة تحمل رؤى متعددة، لا يمكن تفجير مكوناتها إلاّ عن طريق السؤال المبني على أسس علمية دقيقة. وتبعاً لذلك تباينت القراءات في مقاربتها للعذرية لتباين منطلقاتها المعرفية.
وبعد فحص المادة والإلمام بها من جميع نواحيها تراءى لنا أنّ نتناول الموضوع "الظاهرة العذرية في النقد العربي الحديث" والمؤسس على جوهر موضوع "نقد النقد" من خلال هذه الخطة التي كانت تبدو لنا أنّها تقودنا إلى الغايات التي رسمناها قبل وبعد إنجاز البحث، فعقدنا لذلك: مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.
أمّا الفصل الأول فخصصناه للقراءة التاريخية، حيث بسطنا التصورات العامة لهذا المنهج، وتتبعنا أطروحاته في مظانها وأصولها، وحاولنا تتبع إجابة القدماء والمحدثين على حدّ سواء بخصوص الوجود التاريخي للشعراء العذريين، فبعضهم ينكر وجودهم وبعضهم الآخر يقره، وكان من الطبيعي أن يتمخض عن مسألة وجود الشعراء عن عدمهم قضية النحل والانتحال، التي شغلت النقد العربي القديم والحديث، فامتد الشك من وجودهم التاريخي إلى ما دار حول قصصهم ونصوصهم الشعرية، ثمّ اعتنت القراءة التاريخية بمصدر العذرية هل كان المصدر عربياً خالصاً أو إسلامياً؟.
أمّا الفصل الثاني فتناولنا فيه القراءة النفسية بالمدارسة والفحص، حيث وقفنا على أطره المرجعية، حتى يتبين لنا مدى تطابق النقد العربي الحديث مع منطلقاته الأصلية. ولما لم نجد دراسات عديدة تسمح لنا باستخلاص خصائص المنهج النفسي، حيث ألغينا مؤلف "يوسف اليوسف" وقبله دراسة العقاد لجميل، اكتفينا باستنباط ما توصلت إليه هذه المقاربات من خلال حصرها في أهم المقولات النفسية نذكر منها: مقولة الكبت و (النرفانا) و (النوستالجيا) و (السادية) و (المازوشية) وغيرها من المقولات النفسية.
ثمّ أتينا إلى القراءة الاجتماعية في الفصل الثالث فسرنا على المنوال نفسه الذي رسمناه للقراءة السابقة، وانتهينا إلى الملاحظات نفسها، فكانت هذه القراءة أقرب إلى النظرات والاجتهادات العامة منها إلى التفكير الاجتماعي، الذي يستند على مرتكزات نظرية وفلسفية.
وهذا ما لحظناه عندما أدرجنا كتابات "يوسف اليوسف" في هذه القراءة لأنّها جمعت بين القراءة النفسية والقراءة الاجتماعية، كما جمعت قراءة "طه حسين" قبلها، بين البعد التاريخي والبعد الاجتماعي. وهذا ما جعلنا نتعامل مع تصنيف هذه القراءة بحذر شديد، وبتحفظ يدرك الصعوبات التي تتركب عن عملية التصنيف، ولم تكد تخرج هذه القراءة عما تطرحه الدراسات الاجتماعية للظاهرة الأدبية كالقهر والقمع الاجتماعيين والصراع الطبقي والتدجين الاجتماعي وغيرها من المقولات الاجتماعية.
أمّا الفصل الأخير فمثل لحظة الانعطاف والانتقال من القراءات السياقية إلى القراءة النسقية، ونعني بها القراءة البنيوية التكوينية التي حاول "الطاهر لبيب" تطبيقها بكثير من الوعي النظري المتماسك الذي افتقرت إليه القراءات السياقية، وقد بدأنا بأنّ هذه القراءة تحمل جهداً علمياً تمثل صاحبها المنهج تمثلاً حسناً، وحاول تقديم مقاربة متميزة لكنّها لا تخلو من بعض الهنات، منها الإغراق في القراءة التاريخية حيناً، والقراءة الاجتماعية حيناً آخر. لكنّها حققت قدراً وافراً من الاجتهاد كما أسلفنا قبل قليل.
ثمّ انتهينا في الأخير إلى بلورة بعض نتائج البحث في الخاتمة فرّكزنا على أهمها.
سيدي بلعباس: 17 شوال 1614هـ/ الموافق: 06 مارس 1996م
محمد بلوحي _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:44 pm | |
| القـــراءة التاريخيـــة
1- الوجود التاريخي لشعراء العذرية.
أ- عند القدماء.
ب- عند المحدثين.
2- النحل والانتحال:
أ- الشك في الوجود التاريخي لشعراء العذرية.
ب- الشك في قصصهم.
جـ- الشك في نصوصهم.
3- التفسير التاريخي الحديث لنشأة العذرية.
أ- المصدر العربي.
ب- المصدر الإسلامي.
1- الوجود التاريخي للشعراء العذريين:
إن القارئ للتراث العربي ما قبل حركة التدوين يصطدم بإشكالية الإثبات التاريخي لوجود كثير من أعلام الشعر، ونسبة النصوص إليهم، وذلك راجع إلى اختلاف الرواة حول أخبارهم وأنسابهم، وإثبات نسبة النصوص إليهم، خاصة وأننا نعلم أن المجتمع العربي الإسلامي في تلك الفترة من تاريخه كان مجتمعاً شفهياً لا يعتمد على الكتابة في نقل تراثه، وإنما كان اعتماده غالباً على الرواية الشفهية، هذه الشفهية التي جعلت الكثير من (التراث العربي) تتسرب إليه ظاهرة تداخل الروايات وتباينها، وكذلك الاختلاف في نسبة النصوص إلى أصحابها، مما جعل النقاد والدارسين قديمهم وحديثهم يقفون أمام هذه الظاهرة بغية التحقق من نسبة الكثير من النصوص إلى أصحابها، والوقوف أمام المخيلة الشعبية حتى لا تتسرب إلى قصص وأخبار وتراجم الشعراء، وبذلك نادى معظمهم إلى ضرورة الاهتمام بظاهرة "النحل والانتحال" والتعامل معها كظاهرة تراثية يجب الوقوف عندها لغربلة التراث وتمييز صحيحه من منتحلة، فعملوا على رد الأمور إلى مصادرها الرئيسة.
فقد وقف ابن سلام الجمحي في "الطبقات" عند مسألة النحل والانتحال، واعتبرها ظاهرة يجب وقاية التراث الشعري منها إذ إن "في الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة، ولا يروى عن صحفي، وقد اختلف العلماء في بعض الشعراء، كما اختلف العلماء في بعض الشعر، كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اختلفوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه"(1) وهو موقف يبرهن على أن العلماء القدامى لم يكونوا يتقبلون الروايات والأخبار كلها، ويسلمون بصحتها تسليماً دون فحص و نقد، إنما كانوا يتعاملون معها تعاملاً علمياً، إيماناً منهم بأن الرواية الشفهية تحمل الكثير من المثالب، فيجب تمحيص هذه الأخبار والروايات تمحيصاً دقيقاً لتمييز الصحيح منها من المنتحل معتمدين في ذلك على سلامة الذوق الفني، وأصالة التمييز، ودقة التمحيص، لذلك لم يكن "ابن سلام" الرجل الذي يقبل كل المسموع وإنما اعتبر الكثير منه مفتعلاً موضوعاً لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد منه، ولا معنى يستخرج منه، ولا مثل يضرب به، وهو موقف أسّس للنظرة العلمية في تدوين التراث حتى لا تلعب به أيادي الرواة.
أما في العصر الحديث فقد أعاد "طه حسين" إثارة قضية النحل والانتحال في كتابه الشعر الجاهلي والذي أثار معركة نقدية كان لها الأثر البالغ في بعث الحركة النقدية في العصر الحديث، ولفت انتباه الكثير من الدارسين إلى وجوب الاهتمام بالتراث العربي جمعاً وتحقيقاً ومدارسة.
والذي يستوقفنا في دراسة للظاهرة العذرية قضية "الوجود التاريخي لأعلامها" لأن بعضهم سلّم بوجودهم التاريخي تسليماً لا يتسلل الشك إليه وبعضهم الآخر أنكر وجودهم.
لهذا يصادف الدارس تداخلاً كبيراً في معطيات نشأتها ونسب أعلامها، ورواية أخبارهم، حتى لأنَّه يجد نفسه كلَّما قرأ أخبار قصة أحدهم يجد تشابهاً كبيراً في هذه القصص والأخبار وكأنها قصة واحدة تكررت بأسماء مختلفة.
نشأة العذرية:
أ- عند القدماء:
إن القارئ لأمهات الكتب التراثية، وبخاصة تلك التي اهتمت بالترجمة و التدوين للشعر العربي القديم، يجدها تتعامل مع الظاهرة العذرية لا من حيث هي ظاهرة شعرية متكاملة الخصائص والسمات، أوجدتها ظروف وملابسات موضوعية، تاريخية منها واجتماعية وسياسية ونفسية وحضارية، ولكنها تعاملت بشكل مطلق مع الشعراء الذين يمثلونها، فراحت تفصل في الترجمة لهم بإيراد مختلف الأخبار المتعلقة بقصصهم، واقفة في كثير من الأحايين عند بعض من أخبارهم متوجسة منها شاكة في صحة نسبها، مشيرة إلى أن خيال الرواة قد عمل عمله في نسج بعض المعطيات حول أخبارهم ورواياتهم.
تمثلت أهم الكتب التي ترجمت لشعراء العذرية في كتاب "طبقات الشعراء" لابن سلام الجمحي"، و "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني" و "الشعر والشعراء" لابن قتيبة" أما كتب التراجم الأخرى فلم يكن أكثرها إلا تكراراً لما ورد في هذه المصادر الثلاثة، وبخاصة ما ورد في "الأغاني"، إذ يلاحظ الدارس أنّ جل الترجمات التي جاءت بعد الأغاني لم تكن إلاّ تلخيصاً لما ورد فيه من تراجم هذا بالإضافة أو الحذف.
إن المتأمل لتراجم "الأغاني" لشعراء العذرية يلاحظ اعتماده على الرواية في الأخبار، تلك الرواية المبنية على أساسين: "الإسناد والمتن" كقوله في ترجمته "لجميل بن معمر": "أخبرني "الخرمي بن أبي العلاء" قال: حدثنا "الزبير بن بكار" قال: حدثني "بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي" قال: "كان جميل ينسب بأم الجسير، وكان أول ما علق ببثينة أنه أقبل يوماً بإبله حتى أوردها وادياً يقال له بغيض، فاضطجع وأرسل إبله مصعدة، وأهل بثينة بذنب الوادي، فأقبلت وجارة لها واردتين الماء، فمرتا على فصال له بُروك فضربتهن بثينة. يقول:
نفرتهن وهي إذ ذاك جويرية صغيرة، فنسبها جميل، فافترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:
بِوادِي بَغيض يا بُثَيْنَ سِبَابُ
وأَوَلُ مَا قَادَ المَوَدَةَ بَيْنَنَا
لِكُلِ كَلاَمٍ يا بُثَيْنَ جَوَابُ(2)
وقُلْنَا لَهَا قولاً فجاءَتْ بِمِثْلِهِ
إن هذه الرواية تؤسس لجزء هام من قصة جميل، ولكن لا تهمنا أحداث القصة بقدر ما يهمنا تعامل القراءة التاريخية عند القدماء مع الأخبار المؤسسة لقصص العذريين، إذ جعلوا من الإسناد جزءاً أساسياً في رواية الأخبار، وما اعتمادهم على الإسناد في رواية الخبر إلا لهدف الحمل بين الروايات والتحقيق بينها، اقتداءً وتأثراً بالمنهج الذي انتهجه علماء الحديث الشريف في التدوين والتحقيق، فنسجوا على منوالهم. ولكن هذا لم يمنع من أن الرواية الأدبية كانت "أصلاً قائماً بذاته، وقد وجدت عند العرب منذ الجاهلية، فكان علماء النسب الجاهليون ومن أدرك منهم الإسلام يأخذون علمهم بالنسب عن شيوخ هذا العلم ممن تقدمهم أو عاصرهم، وكذلك كان رواة الشعر والأخبار الجاهلية"(3) فالرواية الأدبية عند القدماء التزمت الإسناد في غالب الأحايين ولكن لم تهتم به اهتمام علماء الحديث، ونحن نقصد بالإسناد، الإسناد المتصل المرفوع، لا الإسناد المرسل المنقطع، إذ إن هذا الضرب الثاني من الإسناد يكاد يكون ملتزماً في رواية الأدب التزاماً لا إخلال فيه، ومن هنا كان هذا الإسناد الملتزم في الرواية الأدبية إسناداً مرسلاً أو منقطعاً. وبذلك فليس للرواية الأدبية إذن علم للسند ونقده، بل ليس للرواية الأدبية سند كالسند الذي عرفه الحديث النبوي الشريف، وقصارى السند في الأدب حين يوجد أن يكون دليلاً على أنّ الرَّاوية قد لقي العلماء، وأخذ علمه من أفواههم في مجالس العلم ولم ينقله في صحيفة.
هذا سبيل "أبي الفرج الأصفهاني" في "الأغاني" إذ اعتمدت ترجمته لشعراء العذرية على الرواية المبنية على الإسناد والمتن، أما إذا عدنا إلى منهج "ابن قتيبة" في "الشعر والشعراء" فإننا نجده يهمل الإسناد ويحذفه ويترجم لشعراء العذرية بإيراد قصتهم وأخبارهم دون الإشارة إلى الإسناد، إذ كان "بعض العلماء يضيقون بالإسناد على قصره. فالمبرد كان يهمل الإسناد حينما يتحدث أو يملي، ويبدو أنه كان مشهوراً بحذف الإسناد حتى قال "نفطويه": "ما رأيت أحفظ للأخبار بغير أسانيد من المبرد ومن "أبي العباس بن فَرات"(4) وبذلك انتقلت قراءة القدماء من طابعها المبني على الرواية المسندة، إلى طابع النسج القصصي المهمل للإسناد، الذي يعطي للترجمة طابعاً قصصياً مبنياً على الأسلوب السردي للحدث.
إنّ القارئ لترجمة القدماء لشعراء العذرية يدرك إجماع المترجمين على الوجود التاريخي لجل هؤلاء الشعراء، ما عدا توجسهم وشكهم في أخبار المجنون وقصته، إذ يظهر ذلك جلياً عند "أبي الفرج الأصفهاني" في "الأغاني" فيشير في ترجمته للمجنون منذ البداية إلى الاختلاف في اسمه ووجوده التاريخي بسبب تعدد الأسماء لشخصه، بل هناك من الروايات التي تذهب إلى حد نفي وجوده، يقول "أبو الفرج": "أخبرني "علي بن أبي سليمان" الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال: حدثنا إسماعيل بن مجمع" عن المدائني قال: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى، قيس بن معاذ من بني عامر، ثم من بني عقيل، أحد بني نمير بن عامر ابن عقيل، قال ومنهم رجل آخر يقال له: مهدي بن الملوح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة"(5) وتلك رواية تكشف تعدد الشخصية التاريخية الواحدة. وهناك رواية أخرى تنفي وجود شخصية المجنون التاريخي "أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة عن الخزامي قال: حدثني أيوب بن عبابة قال: سألت بني عامر بطنا بطنا عن المجنون بني عامر فما وجد أحد يعرفه"(6) ويُرجع الأصمعي وضعهما إلى الرواة "أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول: رجلان ما عرفا في الدنيا قط إلاّ باسم مجنون: مجنون بني عامر، وابن القرية، وإنما وضعهما الرواة"(7).
إن تشكيك "أبي الفرج الأصفهاني" في الوجود التاريخي لشخصية "قيس بن الملوح"، طرح أمام القراءة القديمة السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على أخبار العذريين في إثبات وجودهم التاريخي؟ وأي قدر في هذه الأخبار وفي هذه القصص يصدقه الواقع؟.
ولكن على الرغم من تضارب الأخبار والروايات حول شخصيات العذريين وخاصة المجنون إلا أنها لا تنفي وجود الظاهرة في عمومها، وإنما شككت في بعض أخبار شعرائها، وبذلك فهي تثبت الوجود التاريخي للظاهرة أكثر مما تنفيه.
وظلت القضية مطروحة للمناقشة والتعديل حتى عصرنا الحديث ولذلك قامت عدة دراسات حديثة فأثارت من جديد إشكالية الوجود التاريخي للظاهرة العذرية في قصصها وأخبار أعلامها وكان الاختلاف فيها متبايناً والطروحات متعددة. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:45 pm | |
| ب- عند المحدثين:
إن المتتبع للقراءة الحديثة التي تناولت الظاهرة العذرية يدرك فرقاً جوهرياً بينها وبين قراءة القدماء، إذ إنّ القراءة الحديثة عن الكثير من روادها تناولتالغزل العذري من حيث هو ظاهرة شعرية متكاملة في خصائصها ومميزاتها وبنائها الفني ولغتها الشعرية، متخلية عن الترجمة الفردية التي تميزت بها قراءة القدماء، والتي كان الأساس فيها الرواية.
تُجمع القراءة التاريخية في غالبيتها على الوجود التاريخي معتمدة في ذلك على المصادر القديمة، لكن تختص القراءة التاريخية الحديثة بتعاملها مع الظاهرة العذرية تعاملاً متبايناً، نابعاً في أساسه من الاختلاف في تفسير عوامل نشأتها كظاهرة متميزة في خصائصها وزمانها ومكانها. وبذلك تعددت الرؤى حول عوامل نشأتها، فهناك عوامل سياسية وعوامل دينية واجتماعية ونفسية وحضارية. ومن هنا يلاحظ الدارس اتفاق القراءة الحديثة على الوجود التاريخي للظاهرة العذرية كظاهرة فنية وشعرية، وإن اختلفت في الوجود التاريخي لقصص بعض شعرائها وخاصة "المجنون".
ويعد الدكتور "طه حسين" من أوائل الدارسين في العصر الحديث الذين اهتموا بالبحث في نشأة الظاهرة العذرية، إذ يرجع ظهورها في بادية الحجاز إلى السياسة الأموية تجاه الحجاز "فقد أساء خلفاء الشام ظنهم ببلاد العرب فعاملوهم معاملة شديدة قاسية وأخذوها بألوان من الحكم لا تخلو من العنف"(8) مما جعل حواضر الحجاز وبواديه تنصرف عن الحياة السياسية إلى الحياة الخاصة، فظهر في حواضرها اللهو والمجون لما كان فيها من ثراء ورخاء، أما البوادي فكانت مهداً للظاهرة العذرية لما كان فيها من فقر ويأس وحرمان. فهو نوع من التجديد سماه "طه حسين" "تجديد الفقراء والبائسين، وهو هذا الشعر الذي شاع في البلاد العربية" في الحجاز" و "نجد"، والذي إن صور شيئاً فإنما يصور الطموح إلى ما ليس له سبيل، والنزوع إلى ما لا أمل في الوصول إليه، وهو ما تعودنا أن نسميه الغزل العذري"(9) فجميل في نظره "طه حسين" عندما كان يتغزل ببثينة لم يكن يفكر في بثينة بقدر ما كان يفكر في هذا الترف الكثير الذي كان يراه من حوله، والذي لم يكن له حظ فيه. فالحب العذري "لا يصور حباً يائساً بالفعل وإنما يصور اليأس العام، اليأس من الوصول إلى ما كان الأغنياء والمترفون يصلون إليه مُصبحين ومُمسين"(10) وبذلك يرى "طه حسين" أنّ الظاهرة العذرية ليست ظاهرة معزولة تعبر عن فئة محدودة من الشعراء وإنما هي تعبير عن إحساس عام كانت تشعر به بادية الحجاز في العصر الأموي.
إنّ "طه حسين" بقدر ما يؤسس للوجود التاريخي للظاهرة العذرية في شموليتها، فإنه يقف موقف الشاك من الوجود التاريخي لبعض أعلامها خاصة "المجنون" إذ نجده ينفي وجوده التاريخي نفياً مطلقاً، ويُرجع مصدره إلى خيال الرواة وناقلي الأخبار فيقول. "ولكن أشك الشك كله، أن يكون "قيس بن الملوح" شخصاً تاريخياً وجد وعرفه الناس أو استمعوا إليه، وفي أن يكون هذا الشعر إليه صحيحاً قد صدر عنه حقاً، وأزعم أن "قيس بن الملوح" خاصة إنما هو شخص من هؤلاء الأشخاص الخياليين اخترعتهم الشعوب لتمثيل فكرة خاصة أو نحو خاص من أنحاء الحياة بل ربما لم يكن "قيس بن الملوح" شخصاً "كجحا" وإنما كان شخصاً اخترعته نفر من الرواة، وأصحاب القصص ليلهو به الناس أو ليرضوا به حاجة أدبية أو خلقية"(11) ويعلل "طه حسين" شكه في الوجود التاريخي "للمجنون" بعوامل عدة منها:
* اختلاف الرواة في اسمه وأخباره.
* إنكار بني عامر اسمه وأخباره.
* إنكار بني عامر لشخصه.
* عمل الرواة على اختراع قصة الجنون لتلهية الناس وتسليتهم بهدف جمع المال.
* اختلاف الرواة في جنونه.
لم يكن "طه حسين" الدارس الوحيد الذي شكك في الوجود التاريخي لكثير من نصوص العذريين وقصصهم وأخبارهم، وإنما سبقه "أبو الفرج الأصفهاني" في ترجمته للمجنون كما أسلفنا من قبل وسار على نهجه بعض من جاءوا بعده، رادين ذلك إلى مصادر وأسباب عديدة، إذ يذهب "إبراهيم عبد الرحمن"، إلى أنّ كثيراً من النصوص العذرية "تسجيل للحرمان واليأس والتسامي بالعاطفة واستعذاب الألم في سبيلها والاستغراق فيها، ولعل هذا الجانب الصوفي الذي يغلب على معاني الأشعار هو الذي يغرينا بالقول بأنها قد نبعت من شعور ديني متحرج، كما يحملنا آخر الأمر على أن نربط بينها وبين الشعر الصوفي الذي كان يستغل أساليب الغزل استغلالاً دينياً قيماً"(12)، فالعلاقة بارزة بين الذات العذرية والذات الصوفية بل "إنّ هذا الشعر الذي ينسب إلى العذريين لا يعبر عن ذوق بدوي، ولكنه يدل أنه نبت في بيئة متحضرة، ليست هي بيئة البادية الحجازية ولكنها فيما تُرجح، بيئة العراق التي كثر فيها الزهاد، جعلت "أبا القاسم النيسابوري" يؤلف كتاباً في أخبارهم"(13). فالنص العذري نص له سمات مشتركة مع النص الصوفي جعلت "إبراهيم عبد الرحمن" يجزم القول بأن النص العذري خاصة عند المجنون ما هو إلاّ نص صوفي نسب إلى العذريين، ولكنه رأى فيه كثير من المبالغة خاصة إذا أدركنا أنّ النص العذري في تعامله مع قيمة الحب كان تعاملاً روحياً عرفانياً مجرداً من الشبقية المادية، لذلك يُدرك الموازن بين الشعر العذري والشعر الصوفي التقارب الكلي بين الشعرين في التعامل مع قيمة الحب، وهذا التشابه لا يمكن أن يكون حجة على أنّ الشعر العذري شعر صوفي نسب إلى العذريين. ينضاف إلى ذلك أنّ المتأمل في رأي "إبراهيم عبد الرحمن" يلاحظ أنّ الدارس لم يُفرق بين الذات العذرية والذات الصوفية، إذ إنّ الذات العذرية تعبير عن وجدان مفعم بالحنين إلى ذات المحبوب في بعدها المكاني والزماني، أمّا الذات الصوفية فهي ذات عارفة تعبر عن آراء فلسفية ذات أبعاد معرفية متصلة في جوهرها برؤية عرفانية وبذلك فهي تخاطب ذات مطلقة بعيدة عن المحدودية في بعدها الزماني والمكاني. ينضاف إلى ذلك الاختلاف الجوهري في المعجم اللغوي بين الكونين، مع تعدد أسامي المحبوبات في القصيدة الصوفية، وارتباط العذريين بواحدة دون سواها عند كل.
أما إذا تأملنا في دراسة "علي البطل" فإنّنا نلفيه يذهب إلى أنّ القصة العذرية ذات أبعاد ميثولوجية مرتبطة في أساسها بالبعد الأسطوري القديم والتي تتعلق بأسطورة الثريا(14) في المجتمع العربي الجاهلي. وبذلك يجعل من الأسطورة العربية الجاهلية "الثريا" قاعدة للقصص العذري إذ يرى أن القصة العذرية وما فيها من الشعر العذري قصة شعبية مجهولة المؤلف، إذن، تعتمد على عناصر قليلة من الواقع، إلى جانب العناصر التي تخترعها، فتخضع العناصر الواقعية لسياق "النمط" الذي تسير عليه، وهي تعبر من خلال القالب الفني تعبيراً رامزاً لما يجري من حولها، وما تعانيه الجماعة من هموم، وما تترقبه من آمال"(15). فالقصص العذري في العصر الأموي عند "علي البطل" تمتد جذوره موغلة في القدم إلى حيث المأثور الأسطوري والشعبي في عصور ما قبل الإسلام، وقد حافظ هذا القصص على عناصر كثيرة من الميراث القديم، مطوراً بعضها، ومضيفاً إليها عناصر أخرى فرضتها الظروف الجديدة. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:46 pm | |
| إن ما أغرى "علي البطل" ليذهب هذا المذهب في تفسير القصص العذري هو ما علق بهذا القصص من إضافات اخترعتها مخيلة الرواة والقصاصين لإضفاء طابع الجاذبية على تفاصيل هذا القصص، خاصة وأن القصة الأدبية والرواية الخبرية لم يكن المترجمون يحققون في سند روايتها كما كان يتعامل علماء الحديث النبوي الشريف في روايته. ولذلك نذهب إلى أنّ هذا الطابع الأسطوري والشعبي الذي وقف عنده "علي البطل" إنّما كان يشكل جزءاً يسيراً من مجموعة القصص العذري، أما القصة العذرية في جوهرها فقصة حقيقية وأبطالها حقيقيون وما أضيف إليها من أخبار تحمل سمات الأسطورية إنّما كان من صنع خيال الرواة والقصاصين، ليضفوا الجاذبية على القصة، ويعطوها طابعاً حكائياً ممتعاً.
أما "شكري فيصل" فيقصر نشأة الظاهرة العذرية على العامل الديني وحده، وبذلك ينفي كل العوامل الدخيلة، سواء أكانت ميثولوجية أم جاهلية، أم سياسية أم اجتماعية، ويقرر أنّ الوجود التاريخي للظاهرة العذرية حقيقة واقعة، وإفراز طبيعي للتربية الإسلامية وتحول كبير لماهية الغزل في الحضارة العربية، إذ تحول من مفهوم مادي جسدي إلى مفهوم وجداني عفيف. "فالغزل العذري تعبير عن وضع طائفة من المسلمين كان تتحرج وتذهب مذهب التقى وتؤثر السلامة والعافية في المغامرة والمخاطرة، وترى أنّ النفس أمارة بالسوء (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَارَةٌ بِالسُّوءِ) (16)، وإنّ النار قد حفّت بالشهوات. لذلك آثرت هذه الطائفة، أن تعدل عن شهواتها، فكانت مثلاً واضحاً للتربية الإسلامية في سموها وتعاليها"(17). "فشكري فيصل" لا يذهب مع مذهب المشككين في الظاهرة العذرية، وإنما يؤكد وجودها التاريخي ويثبت كذلك الوجود التاريخي لشعرائها، خاصة "جميل بن معمر" وإنّ ظهورها في العصر الأموي كان أمراً طبيعياً، إذ لم يكن من الممكن أن تظهر في عصر الخلفاء على الرغم مما عرف عن هذا العصر من صلاح وعفة. العذرية نتيجة لتربية جيل جديد تربية صادقة صارمة "ففي العصر الأموي كانت اكتملت نشأة هذا الجيل الذي مازجت التربية الإسلامية أعماقه.
وخالطت دماءه وظللت طريقه... وفي هذا العصر أيضاً همدت ريح الفتوح وانكبت هذه الفتوح من عمل جماعي... إلى عمل حكومي تنظمه الدولة وتشرف عليه وتأخذ نفسها بإعداده والاختيار له"(18). فالظاهرة العذرية، بذلك إفراز حضاري، ووجودها التاريخي حقيقة لا شك فيه. عبرت عن النفس الإسلامية وما تشبعت به من قيم ومثل إسلامية جعلت العربي يغير من نظرته إلى الحب والمرأة والكون في شموليته.
ويؤكد "عبد القادر القط" كذلك الوجود التاريخي للظاهرة فيذهب إلى أنّ العامل الأساسي في ظهورها حضاري، تظافرت كل العوامل السياسية والاجتماعية والدينية والنفسية في إيجادها "فإذا كان العذريون قد عاشوا في الحجاز ولم يهاجروا خارج الجزيرة العربية، فلا شك أنهم مع ذلك كانوا يعبرون عن طبيعة العصر بوجه عام، وعما طرأ على الحياة في الجزيرة نفسها من تحول حضاري كبير، وقد كان هؤلاء الشعراء دائمي التردد بين البادية والحاضرة... ولعلهم بهذا التردد بين البادية والحاضرة والتأرجح بين النمط الحضاري الجديد وأسلوب الحياة العربي القديم كانوا أشد إحساساً بالتمزق والشك والإقدام والإحجام من أولئك الذين استقر بهم المقام في الشام والعراق ومصر و غيرها منأرجاء الوطن الجديد"(19). فالعذرية إفراز طبيعي للصدام الحضاري الذي شهدته النفس العذرية في تمزقها بين ما هو موروث وما هو جديد، الجديد الذي كان له التأثير البالغ في النفس العربية، فشكلها وفق رؤيته للكون والحياة ولكنها بالرغم من ذلك لم تتخلص من جذورها الموروثة، لأن البعد الحضاري في تكوين النفس الإنسانية لا يمكن له أن ينسلخ كلية عن المراحل الأولى التي عاشتها، لأن اللاشعور الجمعي أحد المكونات الأساسية للشخصية، وبذلك كانت العذرية وليدة هذا التمازج بين الموروث وبين الجديد الذي طرأ على الحياة العربية الإسلامية في أبعادها الحضارية الشاملة.
إن "عبد القادر القط" يثبت برأيه هذا بما لا مجال للشك فيه الوجود التاريخي للظاهرة العذرية، وأنها إفراز حضاري للحضارة الإسلامية في بعدها الثقافي والاجتماعي والإنساني.
وخلاصة ما ينتهي إليه الدارس في تأمله لأطروحات المحدثين وآراء حول الوجود التاريخي للظاهرة العذرية وشعرائها من حيث نفيها أو إثباتها إلى نظريتين متباينتين:
1- الشك في الوجود الحقيقي لبعض شعراء العذريين، وخاصة ما دار حول إنتاجهم الشعري، من قصص يسرف في تصوير ما كان يعانيه هؤلاء الشعراء من آلام وحرمان.
2- الإثبات اليقيني لوجود هؤلاء الشعراء تاريخياً، وما روي حول حياتهم من أخبار تسرف في تصوير عواطفهم وتساميهم في الحب.
لكن الذي يستخلصه الدارس من كلتا النظرتين، هو أنّ الاختلاف واقع حول تفاصيل الجزئيات الخاصة بأخبار العذريين وقصصهم. لكن الإجماع حاصل حول الوجود التاريخي للظاهرة، كظاهرة متميزة في التراث العربي القديم، لها أسس سواء أكانت هذه الأسس مقنعة أم غير مقنعة، وهذا ما جعل كثيراً من الدراسات تتناولها لا من حيث إنّها واقعة تاريخية يجب أن تمارس عليها المقاييس التاريخية العلمية ولكن من حيث إنّها ظاهرة فنية تعبر عن رؤية للعالم.
إنّ الحديث عن الوجود التاريخي للظاهرة العذرية هو الذي طرح وبشكل جلي إشكالية "النحل والانتحال" لتلقي بظلالها على الدراسات التي تناولت الظاهرة، وشعرائها، وبذلك، فالشك هو المبدأ الأساسي الذي يتحكم في طريقة التعامل مع الظاهرة العذرية، وهذا ما سنحاول أن نفصل فيه بعد هذه التوطئة حول الوجود التاريخي للظاهرة وشعرائها. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:46 pm | |
| 2- النحل والانتحال:
النحل والانتحال من الظواهر الأدبية والنقدية التي عرفها التراث العربي القديم، وهي ظاهرة لا تقتصر عليه وحده فقط، بل نجدها عند الأمم القديمة الأخرى وبخاصة ما تعلق بالتراث الإغريقي القديم كملحمتي هوميروس الأوديسا والإلياذة. وهذا ما جعل الدارسين الغربيين يهتمون كثيراً بالدراسة والبحث في نشأة هذا التراث القديم وطرائق حفظه وروايته والتحقق من صحة نسبه، وذلك راجع إلى أنّ التراث الإغريقي لم يكتب في أوائل عهده، وإنّما اعتمد في نقله على الرواية الشفهية "فلم يكتبا منذ أن نُظِما، بل بقيا محفوظين في صدور الرجال ترويهما الأجيال المتعاقبة وينشدهما الأفراد في المجالس والمحافل"(20) فشفهية التراث اليوناني في أول عهده هو الذي دفع الدارسين إلى الاهتمام بتحقيقه خوفاً من امتزاجه بالقصائد والأغاني الشعبية في العصور الوسطى عند الأمم الأوروبية "فوازنوا بين ملحمتي هومر والملاحم الأوروبية التي نظمت في عصور أكثر حضارة وأوفر علماً من عصور الإلياذة والأوديسة من مثل إلياذة "فرجيل"، والفردوس المفقود لملتون"(21). وذلك بغرض التحقق من صحة مصادر التراث الإغريقي القديم ونصوصه حتى لا يمتزج بالآداب التي كُتبت من بعده، خاصة وأنّ قضية الرواية الشفهية للتراث القديم تطرح إشكاليات عدة يجب التحقيق فيها لدرء الشبهة والتحقق من صحة النصوص.
وبفعل قدم ظاهرة "النحل والانتحال" وتأثيرها في الرواية الشفهية للتراث الأدبي الإغريقي القديم، نجد تأثيرها امتد أيضاً إلى تراثنا القديم، وبخاصة ما اعتمد في نقله على الرواية الشفهية لفترة من الزمن سواء أطالت هذه الفترة أم قصرت "فعرفها العصر الجاهلي كما عرفها العصر الأموي والعصر العباسي، بل لا تزال، يعرفها عصرنا الحاضر الذي نحيا فيه"(22) وهي ظاهرة لم تقتصر على الشعر فقط بل تعدتها إلى كل ما يمت إلى الأدب العام بسبب:
كالأنساب والأخبار. بل لقد بدأ الكذب والوضع يعم حتى طال الحديث النبوي الشريف في حياة الرسول فقال: زاجراً مثل هؤلاء الوضاع (من تعمد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار)(23) وازداد الأمر استفحالاً بعد وفاته بسبب اعتماد الحديث النبوي الشريف على الرواية الشفهية طيلة القرن الأول الهجري، وهذا ما دفع بعلماء الحديث إلى الاجتهاد في جمع الحديث النبوي الشريف مؤسسين بذلك لعلم قائم بذاته "علم التعديل والتجريح" بهدف تنقية الحديث من الشوائب التي لحقت به.
لم يكن أمر الوضع والنحل في التراث العربي القديم ليخفى على الرواة العلماء خاصة ما تعلق بأخبار الجاهلية وأشعارها مع القرن الأول الهجري، إذ نجد جملة من الرواة والنقاد القدامى قد تفطنوا إلى خطر هذه الظاهرة، فنبهوا إليها، يقول "ابن سلام الجمحي" (24): "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها "حماد الراوية" وكان غير موثوق به كان ينحل شعر الرجل غيره ويزيد في الأشعار" إنها إشارة صريحة من "ابن سلام" إلى إشكالية النحل والانتحال في التراث العربي القديم سواء ما تعلق بروايته أم بنصوصه، وهو ما فتح المجال أمام الكثير من النقاد القدامى إلى الاهتمام بهذه الظاهرة. "فالجاحظ يشير إلى الموضوع والمنحول على ثلاث طرائق، فهو حينا ينسب الشعر إلى شاعر بعينه ثم يعقب عليه بما يفيد شكه فيه، وهو حيناً ثانياً يقطع قطعاً جازماً بأن هذا الشعر أو ذاك منحول موضوع مصنوع وكل ذلك من غير دليل أو حجة وإنّما يرسل القول إرسالاً، وهو حيناً ثالثاً يقطع بأنّ الشعر منحول ثم يُورد من الحجج ما يراه كفيلاً بدعم رأيه"(25) وبذلك يدرك أن "الجاحظ" كعلم من أعلام النقد القديم لم يُهمل هذه الظاهرة بل نبه هو كذلك إليها وبيَّن طرقها وأساليب تسربها إلى التراث القديم. أمّا "ابن قتيبة" فقد أشار إلى النحل والوضع في موطنين من كتابه "الشعر والشعراء" إذ أورد في الموطن الأول قول الأعشى:(26)
وإنَّ في السفْرِ ما مَضَى مَهَلاً
إِنَّ مَحلاًّ وإِنَّ مُرْتْحلاً
دِ وَوَلَّى الملامَةَ الرَّجُلاَ.
إِسْتَأْثَرَ اللَّه بِالوفاءِ وَ بِالحَمْـ
ثم عقَّب عليها بقوله: "وهذا الشعر منحول، ولا أعلم فيه شيئاً يُستحسن". تلك هي إشارات بعض النقاد القدامى إلى ظاهرة النحل والوضع في التراث العربي القديم لما كان يُعتمد في روايته على الشفهية، وهي التي طرحت إشكالية الشك في الكثير من أخبار وقصص أشعار القدامى، وفتحت المجال أمام الكثير من الدارسين للشك في جزء هام من التراث العربي القديم.
ولم يتوقف الشك عند القدامى فقط بل تعداه إلى نقاد العصر الحديث فوقفوا موقف الريبة والشك في كثير من أخبار القدامى. وما يهمنا في هذا المقام هو نظرة المحدثين إلى الظاهرة العذرية التي تشكل بناؤها وأحداثها وأخبارها في فترة الرواية الشفهية مما جعل عامل النحل والوضع يتسرب إلى كثير من جوانبها، فدفع ببعض الدارسين إلى الشك في وجودها التاريخي وخاصة في الوجود التاريخي لشعرائها وقصصهم ونصوصهم وصحة نسبها، وهذا ما سنقف عنده بالتفصيل.
الشك في الظاهرة العذرية في النقد العربي الحديث:
أ- الشك في الوجود التاريخي لشعراء العذرية: _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:47 pm | |
| الرواية الشفهية لأخبار العذرية ونصوصها في عهدها الأول هي التي طرحت وبشكل جدي عند بعض الدارسين إشكالية الشك في أخبار شعراء هذه الظاهرة وقصصهم وأشعارهم، فذهبوا في غير موطن إلى إنكار وجودهم التاريخي والتشكيك فيه أو التشكيك في جزء بارز من تفاصيل حياة هؤلاء الشعراء، وإن كنا قد ألمحنا إلى ذلك من قبل عند حديثنا عن نشأة العذرية إلاّ أنّ إشارتنا لم تكن مفصّلة وهذا ما دفع بنا إلى تخصيص هذا المجال لتدارك ما رأينا فيه تعميماً يحتاج إلى تفصيل خاصة ما تعلق بالنقد العربي الحديث وتعامله مع الوجود التاريخي لشعراء العذرية وقصصهم ونصوصهم.
يعد "طه حسين" من أوائل الدارسين في العصر الحديث الذين تعاملوا مع الوجود التاريخي لشعراء العذرية بمنطق الشك والريبة، إذ المتأمل في دراساته للغزل في عصر بني أمية يدرك إن موقفه يتراوح بين الإنكار الكلي لشعراء هذه الظاهرة وبين الإنكار الأحادي لشخصية "قيس بن الملوح"، ويؤكد ذلك في غير موطن من دراساته في "حديث الأربعاء" معلّلاً ذلك بأن "البحث العلمي يضطره إلى انتهاج الشك وتُكرهه عليه مناهج النقد إكراهاً".(27)
إن مبدأ الشك الديكارتي هو المرجع الرئيس لمنهج "طه حسين" في التعامل مع شعراء الظاهرة العذرية، علماً أن منهجه هذا انتهجه بعض المستشرقين في التعامل مع كثير من القضايا التراثية العربية بدأ من "مارجليوث" في إثارته لقضية النحل والانتحال في الشعر الجاهلي والذي بنى عليها "طه حسين" أطروحة الشك في الشعر الجاهلي في كتابه "الشعر الجاهلي" ثم "في الأدب الجاهلي" والذي أثار جدلاً نقدياً حاداً بين معارض لأطروحات حكمه، وبين متحفظ منها مؤيد لبعضها ومنكر لبعضها الآخر، والتي لا زالت كتب النقد الحديث تزخر بها.
والشك عند "طه حسين" هو أساس التعامل مع الوجود التاريخي للشعراء العذريين مما دفع به إلى التأكيد على أنه "سينكر وجود طائفة من الشعراء، أو سيجحد شخصيتهم، وسيزعم أنّ هؤلاء بين اثنين: إما أن يكونوا أثراً من آثار الخيال قد اخترعهم اختراعاً، وإما ألا تكون لهم شخصية بارزة ولا خطر عظيم، وإنما عظّم الخيال أمرهم وأضاف إليهم ما لم يقولوا وما لم يعملوا، واخترع حولهم من القصص ألواناً وأشكالاً جعلت لهم في الأدب العربي هذا الشأن العظيم الذي لا يكاد يقوم على شيء"(28) وهو موقف يتراوح بين الإنكار الكلي للوجود التاريخي لبعض الشخصيات العذرية، والإنكار الجزئي لأخبار بعضهم الآخر.
"فقيس بن الملوح" من الشخصيات العذرية التي تؤكد أنه "يشك الشك كله، أن يكون "قيس بن الملوح" شخصاً تاريخياً وجد وعرفه الناس أو استمعوا إليه" (29) وهو إنكار مبني على أسس استمدها "طه حسين" من اختلاف الرواة في اسمه وأخباره وجنونه، وإنكار "بني عامر" لشخصه، والتي تؤكد مصادر التراث القديم، خاصة "الأغاني" كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك في ما سبق.
فالرواية الشفهية هي مصدر إشكالية الشك عند "طه حسين" إذ يؤكد أن "هناك طائفة من ثقاة الرواة، أو من الذين نعدهم ثقاة كانوا قد برعوا براعة لا حد لها في انتقال الأشعار والأخبار، وكان الناس قد آمنوا لهم، ووثقوا لهم، فكانوا يأخذون عنهم ما يرون على أنه حق لا شك فيه، ولم يكن يشك في روايتهم إلاّ نفر قليلون قد عملوا عملهم وشاركوهم فيما كانوا فيه من عبث ولهو ولست أذكر من هؤلاء الرواة إلا اثنين: أحدهما حمّاد الراوية، والآخر خلف الأحمر"(30) فمصادر الأخبار خاصة في الرواية الأدبية لم ترق في التحقيق والتوثيق إلى ما وصلت إليه الرواية في الحديث النبوي الشريف، وهذا ما يدفع إلى اعتماد مذهب الشك في الكثير من الأخبار والروايات، ولكن الذي لا نتفق عليه مع "طه حسين" هو أنّ الشك في الجزء لا يؤدي بالضرورة إلى إنكار الكل، خاصة في الوجود التاريخي لشخصية ملأ اسمها وأخبارها سماء الدنيا في زمانها، ينضاف إلى ذلك "أنّ قراءة المجموعة الشعرية الصغيرة التي تركها قيس تدل على انتسابها إلى شاعر واحد بحكم وحدة الأسلوب الفني، وعلى أنه صاحب تجربة حقيقية لا مصطنعة بحكم توهج النفس الشعري"(31) فالاختلاف في الرواية خاصة إذا كان مصدرها الشفهية وارد لا شك في ذلك لأن الأمصار التي كانت مراكز تجمع استقطبت الرجال الحاملين في وثائقهم وصدورهم الموروث الإسلامي الذي كان قد بدأ يتضخم ويتشعب، "ويتألف هذا الموروث من خليط من المعلومات والنصوص والتأويلات والشروح غير مبوبة ولا مصنفة ولا مصفّاة. وكانت عملية التدوين تستهدف أساساً غربلة هذا "المجمع" من المعارف وتبويبه مما سيسفر عن تصنيفه إلى حديث وتفسير وفقه ولغة وتاريخ"(32) فكان الأساس والهدف من التدوين وما نتج عنه من علوم تابعة له غايتها تحقيق الرواية وتمحيص الصحيح من المنتحل الموضوع. فالتدوين لم يطرح إشكالية الشك في الوجود التاريخي للشخصيات وإنّما طرح إشكالية الشك في الأخبار والنصوص على اعتبار أنّها موطن رحب للوضع والانتحال.
فشك "طه حسين" في الوجود التاريخي للشخصيات العذرية، وخاصة المجنون وإن كان له أساس عند "أبي الفرج الأصفهاني" فإن حجج "طه حسين" لا تصمد أمام البحث العلمي، إذ هي تلجأ في أساسها إلى إضفاء البعد الشعبي والميثولوجي على أخبار العذريين، فتلبسهم طابعاً أسطورياً يحمل رموزاً تعبيرية لتفسير واقع اجتماعي وسياسي ساد العصر الأموي.
إنّ موقف "طه حسين" من الوجود التاريخي لشعراء العذرية يتأرجح بين شك كلي وشك جزئي، والشك في مثل هذه المسائل يجب أن يقف عند حدود معينة وإلا فقد كل مبرر منهجي. "ذلك لأنه بإمكان" الوضَّاع "أن يضعوا فعلاً بعض الأشعار وينسبوها إلى من يقدموهم، ولكن من المستبعد تماماً أن يتناول الوضع شخصيات الماضي وما ينسب إليها في آن واحد"(33). فالشك يطول جزءاً من أخبار شعراء العذرية ولا يطول كل الأخبار، فهو وضع يخص الجزء ولا يتعدى إلى الكل وبذلك ندرك أنّ قراءة "طه حسين" انطلقت من الجزء إلى إنكار الكل وذلك ما لا يقبله المنهج العلمي.
ب- الشك في القصص العذري:
إنّ القصص ركن أساسي من الأركان التي أسست للظاهرة العذرية، والمقصود بالقصص هنا، مجموعة الأخبار التي اختلقها الرواة وتناقلتها الرواية الشفهية، فشكّلت بذلك القصة العذرية عند أعلامها كجميل وقيس وكثير وغيرهم من العذريين.
فالرواية الشفهية التي تقف وراء القصة العذرية والمنهج الذي اعتمدت عليه في تدوين أخبار العذريين طرحت إشكالية الوضع والمبالغة في رسم أحداثهم وأخبارهم، وبالتالي جعل الكثير من الدارسين خاصة في العصر الحديث ينظر إلى القصة العذرية نظرة الشك.
فالشك هو أساس كثير من الدراسات التي تناولت الظاهرة العذرية في عمومها والقصة العذرية على وجه الخصوص، بدءاً من "طه حسين ووصولاً إلى "علي البطل".
ولئن كان شك "طه حسين" في الوجود التاريخي "لقيس بن الملوح" كما سبق وأن عرفنا شكاً جزئياً في كثير من المواطن، فإن شكه في القصة العذرية نلفيه شكاً كلياً وعند جل شعرائها بدءاً من جميل ووصولاً إلى "قيس بن الملوح"، معتبراً القصة العذرية جملة من الأخبار اصطنعها الرواة معتمدين على خيالهم لتفسير أشعار العذريين فصنعوا لهم أحداثاً تكون مورداً ومرجعاً أساسيين يرجع إليها القارئ لمعرفة مرجعية النص العذري.
إنّ "طه حسين" يذهب إلى أنّ طبيعة البحث المنهجي هي التي فرضت عليه الشك في قصص العذريين إذ هو "أشد من هؤلاء القدماء طمعاً وأكثر منهم تحفظاً لا تكفيه أسماء الثقاة من الرواة، ولا تكفيه جمال القصيدة وجودة المقطوعة، وإنّما يريد أن يتخذ كل شيء موضوعاً للبحث والنقد والتحليل، ولا يكاد يفرق عن ذلك بين الأدب والعلم... لأنه يرى أنّه لا يبتغي من الأدب والتاريخ رواية الأعاجيب والعظات"(34) فالطابع المثالي الذي تميز به القصص العذري والذي أضفى على كثير من أحداثه وأخباره طابعاً غريباً جعل "طه حسين" يذهب إلى أنّ الرواة قد أضافوا إلى هذه القصص الكثير من صنع خيالهم، وبذلك طرح إشكالية العدل في الرواية الأدبية حتى ولو كانت من ثقاة الرواة.
فالروايات الأدبية مصدر التراث العربي القديم، ولئن شكك "طه حسين" في رواية الثقاة فإنّه يشكك في القصص العذري بخاصة، ومصادر التراث العربي بعامة. وهو منهج على الرغم من أنّه يدعي العلمية إلا أنّه لا يلتزم بأبسط قواعد العلمية التي تؤكد صحة الخبر حتى يثبت وضعه و انتحاله. ومذهبنا هذا غير مبني على دافع عاطفي وإنّما أساسه أنّ الرواية الشفهية مصدر أغلب التراث العالمي القديم. فلماذا القصد للتراث العربي دون غيره من التراث العالمي الآخر؟ علماً بأنّ التراث العربي يعد محدثاً إذا ما قورن بالتراث العالمي الآخر. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:47 pm | |
| إنّ مذهب "طه حسين" في التعامل مع القصص العذري، مبني على الإنكار الكلي والإنكار الجزئي، إذ يقف موقف الإنكار الكلي لقصة المجنون لأنه يستثني وجوده التاريخي دون غيره من أعلام القصص العذري من أمثال جميل وكُثَير وقيس بن ذريح، وإنّ قصة المجنون "أشدها سخفاً وأكثرها غلواً وإحالة وأخلاها من المغزى النافع أو المعنى المفيد، فلا تجد في هذه القصة شيئاً يبين لك شخصية هذا الرجل الذي اتخذ لها بطلاً، بل كل ما تجده ألواناً من المبالغات وضروب من الإسراف"(35) وبذلك فهو يرجع نسج أحداث قصة المجنون إلى الرواة، وأنّ هذه القصة وبطلها المجنون ما هي إلا رمزاً أساسياً يعبر عن احتجاج ضد البؤس والحرمان الذي سلط على البدوي في بادية الحجاز، الممزوج بالفقر والوازع الديني الذي أسبغ على هذه القصص بعداً صوفياً "ومهما يقل القائلون فلن يستطيعوا أن يغيروا رأي، وهو أنّ الكثير من هؤلاء الشعراء، ومن الفتيات اللاتي كانوا يتغزلون بهن، إنّما هم جميعاً رموز لا حقائق"(36) وبذلك ينفي القصة العذرية نفياً كلياً ويدخلها في إطار المرجع الرمزي الذي يكني عن قمة حضارية.
فقصة المجنون ما هي إلا من نسج خيال الرواة، ويظهر ذلك من خلال الأسلوب الرصين الذي دونت به والإتقان الذي نسجت به أحداثها، والذي يختلط فيه الواقع بالخيال، مما أضفى عليها بعداً أسطورياً وفتح المجال أمام الرواة للإضافة والنقصان وإدراج الأحداث وفق الطريقة التي ترضي المتلقي، وتبعث فيه عاطفة الشفقة والإعجاب. فالمتلقي هو العامل الأساسي في نسج أحداث القصة على اعتبار أنّ الرواة كانوا يراعون أذواق المتلقين أكثر من مراعاتهم لصحة الخبر، وبذلك انتقلت قصة المجنون من طابع تاريخي حقيقي إلى طابع خرافي أسطوري، عملت المخيلة الشعبية عملاً بارزاً في نسج أحداثها.
إنّ موقف "طه حسين" من قصة المجنون له ما يبرره خاصة ما تعلق بالجانب الغريب منها الممزوج بالطابع العاطفي المبني على قوة المتخيل لدى رواة هذه القصة، ولكن هذا لا يجعلنا ننفيها نفياً كلياً "لأن الحق يغرينا بأن نقرر في اطمئنان إلى أنّ "قيس بن الملوح" كان موجوداً، ولكنه كان أحمق، كما يذكر صاحب الأغاني نفسه ذلك مراراً قبل أن يحب ليلى، فلما أحبّها ولم يتزوجها جن، لأنه كان ذا نصف عقل. وما العشق إلا نصف الجنون... فإذا كان الرجل ذا نصف عقل، وقد كانت به لوثة، ثم عشق، ثم لم يوفق في عشقه وغلب على أمره، فما يستنتج عن هذا؟ إنّه الجنون وانتهى الأمر، ولا تركيب ولا تعقيد. ولا غرابة في الجنون"(37) وبذلك فإنّ قصة المجنون في جوهرها واقعة تاريخية لا يستطيع أن ينفيها أحد في كليتها وإن كان فيها بعض الإضافات. لكن يستطيع القارئ المتمرس أن يقف عندها لأنه يحس غرابة في بعض أخبارها وأموراً مفتعلة وذلك هو وجه الشك فيها.
أما القصة التي يشك "طه حسين" في جزء منها فهي قصة "جميل بن معمر" إذ يؤكد الوجود التاريخي لجميل ولكثير من أخباره، لكنه يشك في البعض منها خاصة ما تعلق بوصله لبثينة "فقصة جميل فيها سخف كثير، وفيها إحالة كثيرة، وأحسبها أصدق من قصة المجنون، ولكن جميلاً رجل تاريخي وُجد حقاً وشعره واضح للدلالة على شخصيته، ولم يكن مجنوناً ولا مذهوباً به... ومن هنا خلت قصته من هذه الألوان التي ننكرها في قصة المجنون، خلت من هذه الألوان وامتلأت بألوان أخرى أقل ما توصف بهما أنها تناقض الحب العذري"(38) فالأخبار التي تصف طرق اتصاله ببثينة والتي وردت خاصة في الأغاني تبعث على الريبة في أنّ جميلاً كان عذرياً، وأنّ هذه الأخبار ما هي إلا من وضع الرواة لإعطاء تفسيراً لبعض أشعاره و "أنّ واضع القصة كان رجلاً متكلفاً ميالاً إلى المحاجاة، فإنك تجد في غير موضع من أخبار جميل ضروباً من الرموز والألغاز بين هذين العاشقين حين كانت تتصل بينهما الرسائل"(39) وأخبار جميل في الأغاني مليئة بمثل هذه الحيل التي كان يستعملها جميل للاتصال ببثينة.
وهناك عامل ثان يعتمد عليه "طه حسين" في شكه في قصة جميل وهو الغدر الذي تميزت به كثير من أخبار جميل مع بثينة، الغدر الذي لا يمكن أن يصدر عن عذري أحب فأخلص الحب، وعف فكان قمة في الوفاء والود. ينضاف إلى ذلك أنّ كثيراً من أخبار جميل كانت تؤكد أنّه على اتصال دائم ببثينة خلسة من زوجها وأهلها، يبيتان في فراش واحد دون أن يتماسا، وهي أخبار تشكك في عفة الحب وعذريته وتجعله لا يتميز عن الحب المادي الذي تميز به "عمر بن أبي ربيعة" على زمن جميل مما يطرح عنه "طه حسين" إشكالية اختلاط الأخبار بين جميل وعمر بن أبي ربيعة، وهي مواقف وقف عندها "طه حسين" لأنها فعلاً مدعاة للشك، ولكن الذي نريد أن نؤكده هو إذا كانت هذه الأخبار تشكك في بعض جوانب قصة جميل فإنّها لا تنفي الوجود التاريخي للقصة وفي كثير من معطياتها وأحداثها كما لا تشكك في الحب العذري الذي كان بين جميل وبثينة لأن المتأمل في هذا الشعر يدرك صدق عاطفة الحب التي كانت تقع بينهما.
أمّا الدارس الثاني الذي ينفي الوجود التاريخي للقصة العذرية ويعطيها بعداً مغايراً لما جاء به "طه حسين" فهو "علي البطل" في مقال له نشره في مجلة "فصول" تحت عنوان "الغزل العذري واضطراب الواقع" إذ يعطي للقصة العذرية بعداً ميثولوجياً وأنّ "قصص العشق العذري في العصر الأموي تمتد جذوره موغلة إلى حيث المأثور الأسطوري والشعبي في عصور ما قبل الإسلام، وقد حافظ هذا القصص على عناصر كثيرة من ميراثه القديم، مطوراً بعضها، ومضيفاً إليها عناصر أخرى فرضتها الظروف الجديدة"(40) فالقصة العذرية نمط فني استحدث ليكون رموزاً تعبر عن مكبوتات سياسية في بادية الحجاز وذلك "لما كان التعبير المباشر محظوراً فقد لجأت البادية إلى هذا القالب الفني الذي وجدت هيكله العام في التراث الذي توارثه أهلها عن الأسلاف. ونعني به التراث الأسطوري والمأثور الشعبي السائد قبل الإسلام، نحن إذن إزاء قصص شعبي يحمل السمات التي تميز كل فولكلور، وأهمها أنّه قصص مجهول المؤلف، وأنّه يسير حسب أشكال نمطية تتكرر "موتيفاتها" من قصة إلى أخرى، على نحو يجعل القصة العذرية "تيمة" محددة لها عناصرها المعروفة، حتى إذا لجأت إلى المغايرة أحياناً والتحوير أحياناً أخرى"(41)، فوحدة الموضوع هي التي أغرت "علي البطل" على الذهاب مذهبه هذا في إرجاع القصص العذرية إلى قصص من صنع المخيلة الشعبية، وأنّ أبطال هذه القصص ما هم إلا رموزاً تعبر عن واقع جماعة. فالقصة العذرية لديه وما فيها من شعر عذري قصة مجهولة المؤلف، تعتمد على عناصر قليلة من الواقع، إلى جانب العناصر التي اخترعتها المخيلة، فتخضع فيها العناصر الواقعية لسياق "النمط" الذي تسير عليه. " وهي تعبر من خلال القالب الفني تعبيراً رامزاً لما يجري حولها، وما تعانيه الجماعة من هموم، وما تترقبه من آمال"(42) وهي قراءة فيها من الغلو ما يجعلنا نلاحظ إنكاره الكلي للوجود التاريخي للشعراء العذريين ولقصصهم وأخبارهم، ويكون بذلك قد أكد قراءة "طه حسين" وتعداها إلى النفي والإنكار الكلي وفي الوقت نفسه يثبت أنّ القصص العذري يعتمد على عناصر قليلة من الواقع، وهذا ما يجعلنا نتساءل: ألا يمكن لهذا القليل من الواقع أن يكون نواة أساسية للوجود التاريخي للشعراء العذريين ولقصصهم وأخبارهم؟
إنّ المذهب الميثولوجي الذي ذهبه في تفسير مرجعية القصة العذرية هو الذي دفع به إلى الاعتماد أنّها قصة شعبية مجهولة المؤلف. وبذلك فإنّ قراءة "علي البطل" كانت خاضعة في جوهرها لأسس القراءة المثولوجية أكثر من اهتمامها بالرواية الخبر والتحقق من صحته أو كذبه. فالأساس المنهجي الذي اعتمدته قراءة "علي البطل" هو الذي فرض هذا الإنكار الكلي لواقعية القصة العذرية، وليس الواقعة التاريخية ومنهجية التحقق من صحتها أو كذبها، ينضاف إلى ذلك أنّه وقع في تناقض بارز بين الإنكار الكلي للقصة والتأكيد على أنّ مرجعيتها الشعبية مجهولة المؤلف والإثبات الجزئي لها كواقعة تاريخية وقعت تحت تأثير ملابسات واقع بعينه.
إنّ منهج الشك الذي اعتمده كل من "طه حسين" و "علي البطل" في التعامل مع القصص العذرية له مبرراته كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك من قبل لكن ما ميز القراءتين الغلو في الشك إلى حد الإنكار الكلي للقصص العذرية، وذلك ما تؤاخذ عليه القراءتان على أساس أنّ القصص العذرية وإن كان فيه من الوضع ما يدركه القارئ المتمحص، إلا أنّ صلب القصص العذري له جذور في التاريخ العربي وذلك ما تثبته جل الروايات والأخبار التي وردت في أمهات مصادر التراث العربي القديم خاصة طبقات فحول الشعراء "لابن سلام الجمحي" والشعر والشعراء "لأبن قتيبة" والأغاني "لأبي الفرج الأصفهاني".
القصة العذرية في جوهر حدثها الرئيس وفي الوجود التاريخي لأبطالها حقيقة تاريخية لا يمكن أن يشك فيها الدارس المتخصص، أمّا ما تعلق ببعض الأخبار التي عمل خيال الرواة عمله بالزيادة والتغيير فيها فذاك من النحل وهو أمر وارد ولكنه لا يجعلنا نصل إلى الإنكار الكلي للقصص العذري والذهاب إلى أنّه من صنع خيال الرواة في جله أو أنه قصص شعبي مجهول المؤلف وأبطاله من وضع الخيال. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:49 pm | |
| ج- الشك في النصوص العذرية:
إنّ إشكالية الشك في الظاهرة العذرية لم تقتصر على الشك في الوجود التاريخي لشعرائها أو لقصصهم كما سبق وأن بيّنا وإنّما طرحت كذلك إشكالية الشك في نصوصهم وأشعارهم، وذلك راجع إلى أنّ الظاهرة العذرية ذات سمات وخصائص وموضوعات موحدة، تدور نصوصها وموضوعاتها حول موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة وما أفرزته هذه العلاقة من حب موحد السمات والخصائص، وقصص وأحداث متشابهة في جميع عناصرها ومقوماتها، من هيام رجل بامرأة واحدة قصر عليها كل حبه، وراح يصف في شعر متميز لوعته وتشبثه بها، الواحدة دون سواها من النساء أفرد لها حبه وباسمها عرف شعره ولقرائها شكا وتعذب، يريده روحاً لا جسداً، هائماً في الفلاة، ذاكراً اسمها مناجياً مظاهر الطبيعة لعلها توصل إليها رسالة حبه.
إنّ وحدة الموضوع ووحدة المكان والزمان للحب العذري هو الذي طرح بحدة إشكالية الشك في النصوص العذرية لدى النقاد القدامى والمحدثين، ينضاف إلى ذلك تداخل الأخبار والروايات وأحداث القصص، وتتلمذ كثير من الشعراء على بعضهم بعض.
إنّ نصوص "قيس بن الملوح" من أكثر النصوص العذرية التي أثير حولها الشك في وضعها وانتقالها بإضافتها ونسبتها إلى شعر المجنون، وهذا ما جعل "الجاحظ" يقول: "ما ترك الناس شعراً مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعراً هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح"(43) وبذلك يؤكد "الجاحظ" وضع الرواة والقصاص وما نسبوه إلى المجنون وذلك بغية إيجاد تفسير لكثير من القصص التي يروى عنه، وهذا ما دفع "بطه حسين" إلى الشك في الوجود التاريخي للمجنون وفي القصص الذي روي كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك من قبل.
ويخبرنا "أبو الفرج الأصفهاني" في الأغاني عن "محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابي إنّه ذكر عن جماعة من بن عامر سئلوا عن المجنون فلم يعرفوه، وذكروا أنّ هذا الشعر كله مولود عليه"(44) ونحن لا يهمنا في هذا المقام تأكيد أو نفي الوجود التاريخي لشخص المجنون من خلال هذه الرواية أو مثيلاتها، لأنه سبق وأن فصلنا القول في ذلك، ولكن الذي يهمنا هو أنّ هذه الرواية تؤكد تسرب الوضع والنحل إلى نصوص المجنون، بل تؤكد أن شعر المجنون كله موضوع منتحل وبذلك فهي تنفي نسبة شعر المجنون إليه نفياً كلياً. ولكن إذا تأملنا في رواية أخرى يرويها "أبو الفرج" دائماً عن "الأصمعي" "أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياسي قال سمعت الأصمعي يقول:
الذي ألقي على المجنون من الشعر وأضيف إليه أكثر مما قاله هو"(45) وهي رواية تنفي الشك الكلي الذي يذهب إليه "الجاحظ" لشعر المجنون وتؤكد الشك الجزئي في نصوصه، لكن المنتحل المنسوب منه أكثر من الصحيح المعتمد، وذلك راجع إلى ما تسرب من روايات وقصص مفتعل منحول حول هذه الشخصية، لأن الذي نسب رواية أو خبراً لا بد من أن ينسب شعراً ليؤكد به الرواية أو الخبر.
إنّ إشكالية الشك في النصوص العذرية، لم تقتصر على شعر المجنون فقط بل تعدته إلى جل أعلام الغزل العذري خاصة جميل وكثيّر لما كان بينهما من علاقة تتلمذ تاريخية تثبتها نصوص ترجمتهم، إذ كان كثير راوية لجميل وتلميذاً له وبذلك طرحت بينهما قضية الإغارة على الشعر أو ما سماه النقاد القدامى "بالسرقة الشعرية" طرحاً بارزاً.
فالسرقات الشعرية قديمة في تاريخ الآداب العالمية، وتكاد تكون موجودة في جميع الآداب، والآداب العربية القديمة خاصة. وقد تفطن النقاد العرب القدامى إلى هذه الظاهرة وعابوها على الشعراء. ولعل "محمد بن سلام الجمحي" أول من أشار إلى سرقات الجاهليين إذ يقول(46) "كان قراد بن حنس من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله. وكانت شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه منه وتدعيه" وتبعه في ذلك "ابن قتيبة" في "الشعر والشعراء" إذ يرى أنّه قلما خلا شاعر من شعراء الجاهلية إلا وأغار على شعر غيره، "فامرؤ القيس" أخذ من شعر "طرفة بن العبد" و "أوس بن حجر" وغيرهم من الشعراء الذين سبقوه.
أصبحت قضية السرقات الشعبية موضوعاً نقدياً تعرض له جل المترجمين والنقاد القدامى، فإضافة إلى من سبق ذكرهم نجد أنّ "أبا الفرج الأصفهاني" قد أشار إليها في كثير من المواطن في "الأغاني" كما أشار إليها "ابن طباطبا" في "عيار الشعر" و "أبو هلال العسكري" في "الصناعتين" وابن رشيق في "العمدة" و "عبد القادر الجرجاني" في "أسرار البلاغة" وغيرهم من النقاد والعلماء.
إنّ المتأمل للشعر العذري عند رواده يلاحظ أنّ هؤلاء الشعراء لم ينجوا هم كذلك من الإغارة على شعر بعضهم بعض، خاصة وأنّ معانيهم وأسلوبهم وصورهم اتسمت بالتشابه، وذلك راجع لوحدة الموضوع الذي كتبوا فيه جل أشعارهم، ولظهورهم في مكان وزمان واحد. إذ تثبت الروايات التاريخية أنّ كثير كان راوية لجميل وهذا ما جعل النقاد يؤكدون في غير موطن على الإغارات التي أغارها كثير على شعر جميل، فحاول إحصائها والوقوف عندها "إحسان عباس" في أثناء تحقيقه لديوان كثّير.
حاول "إحسان عباس" تقسيم إغارات كثير على شعر جميل إلى نوعين من الإغارات.
إغارات على أبيات كاملة، وإغارات على المعاني دون اللفظ والتركيب ومن أمثلة النموذج الأول إغارة كثير على بيتي جميل:
هوَى واستَمَّرت بالرجالِ المَرائِرُ
أَفِقْ قَدْ أَفَاقَ العَاشِقُونَ وَ فَارَقُوا ال
بِهِ الدَّارُ أَوْ مِنْ غَيبتَهِ المقَابِرُ
وهَبهَا كَشيِّ لَمْ يَكُنْ أَوْ كَنَازِح
فأدخلهما في قصيدته التي أولها "عَفَا واسِطُ مِنْ أَهْلِهِ والظَّوَاهِرُ" وقيل إنّ البيتين من قصيدة لحسان بن يسار التغلبي" (47) كما "أغار على بيت جميل الذي يقول فيه:
إِذَا هِيَ لَمْ يُصْلَبْ عَلَى البَرْيِ عُودُهَا
وَلاَ يلبَثُ الوَاشُونَ أَنْ يَصْدَعُوا العَصَا
فأدخله في قصيدته التي مطلعها "نَظَرْتُ وَ الأَعْلاَمُ الشُّرْبَةَ دُونَنَا"(48).
أما النموذج الثاني "فقد وقف النقاد القدامى عنده مبرزين مواطنه وأشار "إحسان عباس "أنّ "كُثّير" استمد بعض المعاني من جميل من مثل قوله:
تَمثَّلُ لي لَيْلى بِكُلِّ سبِيلِ
أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا
فقد عرض له "الفرزدق" بأنّه مأخوذ من قول جميل:
تَمثَّلُ لي لَيْلى عَلَى كُلِ مَرْقَبِ
أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا
وروى "الزبير" أنّ كثيراً قال، وذكر جميلاً: أمت له ألف قافية يقول سرقتها فعليت عليها"(49).
ولم يقتصر إغارات كثّير على شعر جميل باعتبار العلاقة التي كانت تربط بينهما وإنّما تعدت إغارته إلى شعراء آخرين "مر الربيع بن أبي جهمة الجندعي على كثّير بالروحاء وهو ينشد:
وَرِجْلٍ رَمىَ فِيها الزَّمَانُ فَشلَّتِ
وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحيحَةٌ
فقال له: ويحك يا ابن أبي ضمعة، منذ متى قيل هذا الشعر؟ قال منذ زمان طويل، قال، فهذا يقوله صاحبنا "أمية بن الأسكر"، قال: هو ذاك يا ابن أبي جهمة، أنا أحظى به منه"(50).
والروايات كثيرة التي تثبت إغارات كثّير على جميل أو غيره من الشعراء الذين سبقوه، والمسألة في ظاهرها خطيرة ومشينة، ولكنها في حقيقة الأمر أبسط من ذلك بكثير، فنحن نعلم أنّ كثيراً كان راوية لجميل وعلى يده تخرج في الشعر فليس بالغريب أن ينشأ على محاكاة شيخه، وأن يستمد منه بعض المعاني، واعياً بذلك أو غير واع، وأن يتأثر به في قاموسه الشعري خاصة وأنّ شعرهما دار حول موضوع واحد. أضف إلى ذلك أنّ النقد الحديث ينظر لقضية السرقات الشعرية نظرة مغايرة لما كان ينظر بها القدماء.
فالنقد الحديث لا يعتبر السرقات الشعرية ظاهرة مشينة للنص الشعري وإنّما هي ظاهرة نابعة من تداخل النصوص، اعتباراً منه أنّ النص الشعري لا يولد من فراغ، وإنّما هو حصيلة تداخل لمجموعة من النصوص السابقة، وبذلك يطرح النقد الحديث إشكالية السرقات الشعرية طرحاً مغايراً لما كان يطرحه النقد القديم. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:50 pm | |
| فالسرقات الشعرية في النقد القديم شكل من أشكال "التناص" في النقد الحديث، وهي ظاهرة ملازمة للنصوص الإبداعية ومن هذا، يرى "بارث "BARTHE "أنّ التناص قدر كل نص، مهما كان نوعه وجنسه، ولا يقتصر حتماً على مسألة المنبع أو التأثير، والتناص مجال عام للصيغ المجهولة، التي نادراً ما يكون أصلها معلوماً والتي تأتي بصورة استجابات عفوية ولا شعورية"(51). إما عند "جوليا كريستيفا "Julia christiva "فالتناص أحد مميزات النص، فكل نص هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى، كما أنّها ترى أنّ كل نص عبارة عن لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى"(52). وبصورة قاعدية نستطيع القول وحسب جوليا كريستيفا julia Christiva "أنّ كل نص هو تناص"(53) وبذلك تكسر نظرية التناص في النقد الحديث إشكالية السرقات الشعرية التي طالما هيمنت على الكتابات النقدية القديمة وأعطتها بعداً جديداً لم يتفطن إليه النقد القديم، فأصبح التناص قدر كل نص إبداعي مهما كان منبعه.
أما إذا عدنا إلى النقد العربي الحديث فإننا نلفيه ينظر إلى إشكالية السرقات الشعرية نظرة مغايرة لما نظر بها النقاد العرب القدامى، ويراها من زاوية النظرة الغربية. "فمحمّد بنيس" يقدم صياغة جديدة، فيسميها "النص الغائب" ويرى أنّ النص الشعري بنية لغوية متميزة، ليست منفصلة عن العلاقات الخارجية بالنصوص الأخرى وهي ما يسميه بالنص الغائب، فيقول "إنّ النص كشبكة تلتقي فيها النصوص لا تقف عند حد الشعري بالضرورة، لأنها حصيلة نصوص يصعب تحديدها، إذ يختلط فيها الحديث بالقديم والعلمي بالأدبي واليومي بالخاص والذاتي بالموضوعي"(54). أما الدكتور "عبد الكريم مرتاض" فيربط "التناص" بفكرة التضمين في البلاغة العربية القديمة وبذلك يعود بالتناص إلى أصوله العربية. يقول (55) "فالتناص ليس إلا حدوث علاقة تفاعلية بين نص حاضر لإنتاج نص لاحق، وهو ليس إلا تضميناً بغير تنصيص". وبذلك فالنص الإبداعي يتكون من مجموعة نصوص متضاعفة التعاقب على المخيلة منسلة من ثقافات متعددة ومتداخلة في علاقات متشابكة ومتحاورة ويذهب الدكتور "مختار حبار" لدى وقوفه عند مصطلح التناص أنّ المراد به "تقاطع النصوص، أو الحوار فيما بينها...
وأنّ النقاد القدماء قد تناولوا هذا النوع من النقد فجعلوه باباً من أبواب نقودهم وسموه "السرقات الأدبية" ونظروا إلى السَّرَقِ منه في غالب الأحيان نظرة نقص وريبة، ثم ظهر هذا النوع في البلاغة العربية بمصطلح "الاقتباس" تارة إذا كان النص المقتبس من القرآن الكريم والحديث الشريف وبمصطلح "التضمين" تارة أخرى إذا كان النص المقتبس غيرهما، وبمصطلح "الأخذ" طور العموم، إذا أخذ الأديب معنى من المعاني أو صورة من الصور، ثم جودها وتجاوزها إلى صورة أحسن منها، فهو أحق بذلك من غيره، وبمصطلحات أخرى في أطوار أخرى، لكن أغلب المصطلحات العربية، كانت تتضمن في الأغلب الأعم معاني النص، أو روح التعالي والمجاوزة، ومعاني التناص في النقد الحديث غير ذلك"(56)، وهي وقفة ميز فيها الدارس بين النظرة النقدية القديمة لظاهرة السرقات الأدبية والتي كانت تحمل في مجملها نظرة النقص وذلك راجع إلى الخلفية المعرفية التي كان يتعامل بها النقد القديم مع ظاهرة "السرقات" أمّا النقد الحديث فنظرته مخالفة لذلك وذلك تمييز وقف عنده القارئ حتى لا يقع خلط بين المفهوم القديم للسرقات ومفهوم التناص في النقد الحديث وأنّ التناص مفهوم جديد نابع من رؤية معرفية جديدة أكثر تطور وعمق.
وباعتبار التباين بين مصطلحي "السرقات الشعرية" عند النقاد القدامى و"التناص" عند النقاد المعاصرين، وباعتبار أنّ النص العذري هو إفراز لواقع اجتماعي وسياسي وثقافي وحضاري واحد، توحد فيه الموضوع والإحساس والقاموس اللغوي مما أضفى عليه مسحة التشابك والتداخل، فصعب على الرواة والمترجمين والنقاد نسبة كثير من النصوص إلى أصحابها فذهبوا إلى أنّها منتحلة موضوعة، فبذروا أصول التشكيك فيها، وذهبت طائفة أخرى من النقاد إلى تتبع تداخل النصوص بين الشعراء العذريين فعدوها إغارة وسرقة شعرية وما هي في الحقيقة إلا تداخل للنصوص العذرية، لأن الذات العذرية ميزتها أنها لم تكن تعي نفسها إلا من خلال الآخر، غائباً كان أم حاضراً، فاللغة العذرية لم تكن لغة حيادية بل هي إفراز لسياقات اجتماعية وحضارية ونفسية واحدة مما أضفى على نصوصها طابع الحوارية في أشكالها ومضامينها، فكان تداخل بارز بين نصوصها، جعل المترجمين والنقاد يعتقدون انتحالاً وقع فيها، واتهام لشعرائها بالإغارة والسرقة الشعرية وما هي في الحقيقة لا "تناص" بين النصوص العذرية.
3-التفسير التاريخي الحديث لنشأة العذرية:
إنّ القراءة التاريخية الحديثة لنشأة الظاهرة العذرية في الأدب العربي القديم، تطرح رؤى مختلفة ومتباينة في تفسيرها لمصادر هذه الظاهرة، وذلك راجع لما اتسمت به العذرية من أصالة في الإبداع وتفرد في الطرح، وعمق في التعبير، وعرفانية في الرؤية، وتميز في المضامين، إذ أعطت للغزل في الأدب العربي بعداً صوفياً، قلما نجد له مثيلاً في الشعر الجاهلي، وبذلك انتقلت بالغزل العربي من بعده المادي الجسدي ذي الأبعاد الشبقية إلى بعد روحي عرفاني ذابت أمامها الشبقية المادية تأسيساً لغزل روحي ينظر من خلاله إلى المرأة من حيث هي قيمة روحية.
إنّ المتأمل في الظاهرة العذرية يدرك أنها ظاهرة تجمع بين معطيات عدة، وأنّ قصصها ونصوصها تدفع بالقارئ إلى تصور عدة أطروحات لمصادر هذه الظاهرة، وأنّها ظاهرة ذات منابع متعددة تحمل بعداً عربياً جاهلياً وبعداً إسلامياً متفرداً. لذلك اتجهت القراءة التاريخية الحديثة في تفسيرها لمصادر هذه الظاهرة إلى اتجاهين أساسيين، اتجاه يرجع مصدرها إلى الجاهلية واتجاه آخر يذهب إلى أنّها ذات مصدر إسلامي، وأنّها إفراز طبيعي للحضارة الإسلامية في العصر الأموي. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:51 pm | |
| آ-المصدر العربي:
إنّ الظاهرة العذرية لما تحمله من نظرة روحية وبعد إنساني ونزعة عاطفية، جعلت بعض الدراسات الحديثة لا توقف مصدر نشأتها إلى الحيز المكاني والزماني الذي نشأت فيه وإنّما تذهب إلى أنّ إرهاصاتها وجدت قبل الفترة الأموية ببعيد "إذ كان للبيئة العربية أثر في التمهيد لنشأة هذا النوع من الغزل، إذ كانت مهدا له والبادية بما فيها من مناظر جميلة رتيبة، وبما كانت تدفع إليه من الشظف والجهد في سبيل العيش وما كانت تستلزمه من تعاون قبلي، ساعدت على تكوين أخلاق وتقاليد جديدة، سرت في روح العربي وتمكنت من نفسه، ومنها البطولة في الحرب، والوفاء بالعهد، وحماية الجار، وقد طبعت العربي على الشهامة والنجدة والاعتداد بالنفس، وهي من صفات الفروسية التي ظهرت آثارها في عاطفته، وحبه، فهو يحب أن يظهر أمام حبيبته بمظهر القوي الذي يحميها ويخاطر في سبيلها" (57) فأخلاق العربي لها أبعاد حضارية اصطبغت بها نفسه وكان لها التأثير البالغ في نظرته للمرأة كمحبوبة، وبذلك يجد الدارس أنّ أخلاق العربي ما هي إلا مستلزمة وإفرازات للطبيعة التي كان يعيش فيها، فكان يريد أن يحقق ذاته من خلال الآخر "المحبوب" ولذلك كانت المرأة بالنسبة إليه طرفاً يحقق ذاته من خلاله فيخاطر بنفسه من أجل أن يظهر أمامها بمظهر الكمال المطلق لذلك يرى "شكري فيصل" أنه (58) "من العبث أن نحدد ولادة هذا الفن الشعري "الغزل العذري"، ذلك أنّه ظاهرة من الظواهر الفنية التي ترتبط أشد الارتباط بالظواهر الاجتماعية ومثل هذه الظواهر تمتاز بأنّها ليست مفصولة عما قبلها ولا منفصلة عما بعدها.. فليس لها هذا التوقيت، وليس في صورتها المكتملة التي نراها عليها مايبيح لنا أن نقول إنّها نشأت في هذا العصر أو استوت في هذه الفترة" فالظاهرة العذرية ليست وليدة العصر الأموي فقط وإنّما كانت لها إرهاصات قبل هذه الفترة، وأن اكتمال صورتها في هذه الفترة دليل على أنّ جذورها سابقة لها لأنه من غير الممكن أن تولد واقفة بغير إرهاصات سابقة لها، وما فروسية الجاهلي وتعلقه بالمحبوبة في قيمتها المطلقة إلا دليل على عذرية الجاهلي ولكنها ليست كعذرية الأموي في بعدها الروحي والعرفاني وإنّما إرهاص أولي للعذرية الأموية.
ويرى "يوسف اليوسف" في هذا السياق أنّه "يمكن القول بأنّ الغزل العذري بل والغزل الأموي جملة هو موروث جاهلي ففي حين يتحدر خط الوقائع، الذي يتمحور حول الإيروسية بالدرجة الأولى، والذي يقوده "عمر بن أبي ربيعة" من "امرئ القيس" نفسه، فإن الخط الروحاني، أو العذري، إنّما يتحدر من النتاج الرقيق "لعروة بن حزام"، والحقيقة أنّ هذا الشاعر يبدو عذرياً أكثر من العذريين، لا في أسلوبه فحسب.. بل في روحانيته كذلك أن أبرز ما يتسم به "عروة بن حزام" هذا الوجع العذري الناجم عن حظر العشق.. أياما كان الشأن، فإن نقاط التشابه بينها وبين النتاج العذري، يخولنا الحق أنّ نعدها أسا للحركة العذرية في الشعر العربي كله"(59).
إنّ رأي "يوسف اليوسف" يذهب إلى أنّ الخط العذري تعود أصوله إلى الموروث الجاهلي بناء على أن "عروة بن حزام" شاعر جاهلي، لكن الباحث في كتب التراجم وبخاصة منها "الأغاني" (في الجزء 20 ص159) و"الشعر والشعراء" في (الجزء الثاني ص519) يجد أنّ الشاعر "عروة بن حزام" شاعر أموي "من عذرة وهو أحد العشاق الذين قتلهم العشق، وصاحبته عفراء بنت مالك العذرية"(60) و"لما بلغ عفراء موته قالت لزوجها، يا هناه، قد كان من أمر هذا الرجل ما قد علمت.. فما زالت تردد هذه الأبيات حتى ماتت فبلغ الخبر معاوية، فقال: لو علمت بحال هذين الشريفين جمعت بينهما"(61) لذلك نلاحظ أنّ "يوسف اليوسف" يحكم حكماً مطلقاً قوامه أنّ الغزل العذري موروث جاهلي، وذلك لما وقع فيه من اعتقاد أنّ "عروة بن حزام" شاعر جاهلي النشأة، لذلك فالأساس الذي بني عليه "يوسف اليوسف" حكمه باطل ولا حجة له فيه. خاصة وأنّ حكمه اتسم بالمطلق عندما اعتبر الموروث الجاهلي أساس الظاهرة العذرية.
أما إذا عدنا إلى دراسة "علي البطل" للظاهرة العذرية فإننا نجده يرجعها إلى أصول ميثيولوجية أسطورية تتصل بعصور ما قبل الإسلام إذ "إنّ القصص العذري في العصر الأموي تمتد جذوره موغلة في القدم إلى حيث المأثور الأسطوري والشعبي في عصور ما قبل الإسلام. وقد حافظ هذا القصص على عناصر كثيرة من ميراثه القديم، مطوراً بعضها، ومضيفاً إليها عناصر أخرى فرضتها الظروف الجديدة"(62)، فيعود بجذور القصة العذرية إلى أسطورتين جاهليتين تتعلقان "بالثريا والقلاص"، والتي سبقت الإشارة إليها. هذا في جانبه الميثولوجي الأسطوري، كما يعود بها إلى القصص الجاهلي، وخاصة الذي يروي قصص بعض الشعراء الذين وقعوا في قصة حب مع فتيات من العرب ولاقوا صعوبات في الظفر بهن كقصة عنترة مع عبلة والمرقش الأكبر مع أسماء.
فالقصة العذرية الجاهلية لها عناصر أساسية هي "العشق الخطبة الرد الرحلة الزواج من الأجنبي استمرار العاشق في عشقه وملاحقته للمحبوبة" (63)، وهذا ما تكرر في قصة عنترة مع عبلة والمرقش مع أسماء. ونجده يتكرر في صلب كل قصة عذرية في العصر الأموي مع إضافات جديدة فرضتها طبيعة المجتمع الإسلامي الجديد.
فعلي البطل يعود بالقصة العذرية الأموية إلى الفترات التاريخية الموغلة في القدم، والمتمثلة في المرحلة الأسطورية في الحضارة العربية، والمتأمل في هذا الطرح يدرك أنّه يؤكد الجذور الأسطورية والجاهلية للقصة العذرية في هيكلها العام، وهو طرح له ما يبرره، علماً بأنّ الفن هو استمرار وتواصل بين الحضارات والفترات التاريخية المتلاحقة وأجيالها. وما الفترة الأموية إلا حلقة من الحلقات التي صنعت العقلية العربية في رحلتها الطويلة مع التاريخ والتطور. وأنّ الفترة الأسطورية والفترة الجاهلية هي المرحلة التي عاشها الفن العربي في مهده الأول، وهي المرجع الأساسي للفن العربي على مدار التاريخ. وما القصة العذرية إلا حلقة من حلقات البناء الفني للقصة العربية في تطورها المتلاحق.
والذي نذهب إليه في النهاية، أنّ القصة العذرية لها إرهاصات في العصر الجاهلي إيماناً منّا أنّ الفن لا يولد واقفاً بالفطرة، وإنّما هو عصارة جهد من الأجيال والحضارات وأنّ العقلية العربية في بنائها الفكري، هي خلاصة حلقات متتالية ولكن هناك فوارق جوهرية بين القصة الجاهلية والقصة العذرية فالقصة العذرية الأموية تدور أحداثها في مجملها حول عذرية العشق بين الرجل والمرأة وأنّ هذا العشق خال منالأهداف الشبقية، وأنّه عشق لذات العشق، وأنّه رابطة يغلب عليها الطابع الروحي العرفاني، أما العشق الجاهلي فهو عشق يحمل طابع التحدي خاصة في قصة عنترة مع عبلة، وأنّه حب الهدف من ورائه إثبات الذات أمام المجتمع، لذلك نلفيه يحمل طابع الفروسية والمغامرة. ينضاف إلى ذلك أنّ النص العذري الأموي نص وهاج بعرفانيته الجنونية التي توحد بين الذات المحبة والذات المحبوبة إلى أن تصل إلى درجة الجنون والاتحاد، وهذا ما لا نلمسه في النص الجاهلي لأن هذا النص لا يعبر إلا على ظاهرة الحرمان والإخلاص للمحبوب والتحدي من أجل الظفر به، وبذلك فالعذرية الأموية أكثر شمولية وأكثر تعبيرية من العفة الجاهلية خاصة وأنّ الأولى امتزجت بالمبادئ الدينية، أما الثانية فتفتقر لذلك وأنّ الأولى كذلك تشكل ظاهرة متكاملة. أما الثانية فلا تشكل إلا عينات متناثرة. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:52 pm | |
| ب-المصدر الإسلامي:
أما الطرح الآخر فيذهب إلى أنّ الظاهرة العذرية ذات مصدر ديني إسلامي، إذ كانت البيئة الإسلامية ذات أثر أساسي في التمهيد لنشأة هذا النمط من الغزل الذي يتغنى بالحب الروحي، معبراً عن الحرمان واليأس والتسامي بالعاطفة، واستعذاب الألم في سبيله، لذلك "فالغزل العذري تعبير عن وضع طائفة من المسلمين كانت تتحرج وتذهب مذهب التقى وتؤثر السلامة والعافية على المغامرة والمخاطرة، وترى النفس أمارة بالسوء وأنّ النار قد حفت بالشهوات على حد تعبير الحديث الشريف، وأنّه من الخير لها أن تصبر.. وأن تلتزم ما أمر الله به أن يلتزم.. ولذلك آثرت هذه الطائفة أن تعدل عن شهواتها، فكانت مثلاً واضحاً للتربية الإسلامية، في سموها وتعاليها"(64). فطرح "شكري فيصل" يبدو أنّه أساس الطرح الذي يذهب إلى أنّ الغزل العذري إفراز طبيعي لأثر التعاليم الإسلامية في النفس العربية المسلمة، وأنّ هذا النمط من الغزل نشأ بدافع من التقوى الإسلامية، وبتأثير من مفهوم الحب في الإسلام وارتباطه بمبدأ "العفة". فمن "العفة التي كان يواكبها الدين، ومن الحب الذي كانت تواكبه الغريزة، من هذا كله كان هذا الحب العذري، وكان لا بد للمؤمن إلا عفة الذين أخفقوا في حبهم من أن يعبروا عن هذا الإخفاق، وأن يتحدثوا عنه في هذه الصورة أو تلك، ومن هنا وجدوا في الفن القولي سبيلاً إلى التعبير عن مشاعرهم. لنا أن نقول إذن أنّ الغزل العذري هو المظهر الفني للعواطف المتعففة والملتهبة في آن معاً، والتي وجدت أنّ الغزل العذري هو المظهر الفني للعواطف المتعففة والملتهبة في آن معاً، والتي وجدت أنّ التعويض هو خير ما تطفئ به لهبها وتتسامى به غرائزها"(65) فالغزل العذري إفراز طبيعي لتأثير الوازع الديني في نفسية المسلم، ومظهر من مظاهر الصراع بين طرفي النفس الإنسانية كما خلقها الله تعالى "ونَفْسٍ ومَا سَوّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاها"(66) فتغلبت فيه العفة على العبثية فكان تعبيراً عما قرّ في نفوس هؤلاء الشعراء من إحساس بالعفة، وتجنبا لما حرمه الدين في الحب، ويبرز ذلك من خلال كثير من الروايات التي تصف حدود صلاة هؤلاء الشعراء بمن يحبون. روى صاحب الأغاني عن جميل(67) قال: "سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما أنّ جميلاً عندها الليلة فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالساً حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه، ثم قال لها: يا بثينة، أرأيت ودي إياك، وشغفي بك، لا تجزينيه، قالت: بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابين. فقالت له: يا جميل، أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيداً عنه. ولئن عاودت تعريضاً بريبة لا رأيت وجهي أبدا. فضحك وقال ما قلت هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنّك تجيبينني إليه لعلمت أنّك تحبين غيري، ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا مع ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد، أو ما سمعت قولي:
وإنِّي لأَرضى مِنْ بثَيْنةَ بالذي
لَوْ أَبْصَرَهُ الوَاشي لَقَرَّتْ بَلابلُهُ
بلاَ وَ بأَلاّ أَسْتطيعُ، وبالمُنى
وبالأَمَلِ المَرْجُو قَدْ خَابَ آمَلُهُ
وبالنظْرِةَ العُجْلى وبالعَامِ تَنْقَضي
أوَاخِرُهُ لا نَلْتَقِي، وأوَائِلُهُ
فقال أبوها لأخيها: قم بنا ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما". وهي رواية وغيرها من الروايات المماثلة والتي يحفل بهم القصص العذري تؤكد طرح "شكري فيصل" من أنّ الغزل العذري "لم يكن من الممكن أن يظهر بقدسيته وطهارته قبل عصر بني أمية.. ويجب أن يكون أثراً لتربية جيل جديد تربية صادقة صارمة.. ويجب أن يكون أثرا لنوع من الحياة الاجتماعية تعرف الاستقرار وتساعد عليه من نحو آخر"(68). فالغزل العذري تعبير عن نفسية امتزجت وتأثرت بالحضارة الإسلامية في بعدها العقائدي والأخلاقي والإنساني، وعن النفس في صفائها الروحي وفي تقواها وعفتها الإسلامية لذلك لم ينجو منه حتى الثقاة الزهاد، ومن ذلك ما يروي عن "عبد الرحمن بن عمار الجشمي "الملقب" بالقس "لشدة تقواه وورعه والذي وقع في حب جارية مغنية عرفت في ما بعد به "سلامة القس". فكان حبه مثالاً واضحاً للنساك وذلك لما عرف منه من ورع وتقوى.
روى أنّ سلامة "قالت له يوماً: أنا والله أحبكَ، قال: أنا والله أحبكِ، قالت: وأحب أن أضع فمي على فمكَ، قال: وأنا والله أحب ذاك، قالت: فما يمنعك؟ فو الله إنّ الموضع لخال. قال: إني سمعت الله عزّ وجلّ يقول: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو، إلاّ المتقين وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول إلى عداوة ثم قام وانصرف وعاد إلى ما كان عليه من نسك"(69) وتلك رواية تؤكد أنّ الغزل العذري كانت له روافد في المدن والحواضر ولم يقتصر على البادية وأنّ طبيعته لم تقتصر على الشعراء، وإنّما تعدت إلى الفقهاء والزهاد فكان "عبد الرحمن بن عمار الجشمي الملقب" بالقس "في مكة و"عروة بن أذينة" و"عبد الله بن عتيبة" في المدينة وأخبارهم مفصلة في الأغاني وكلها أخبار تؤكد ورعهم وتقواهم وزهدهم وفقههم ووقوعهم في الحب. حب امتاز بالعفة والصفاء والبعد عن الشبقية الحسية، وذلك بتأثير من الوازع الديني والخلق الإسلامية، التي كان لها التأثير البالغ في النفس الإسلامية. فحولت نظرة المسلم إلى الحب من نظرة حسية مادية إلى نظرة عرفانية صوفية. وهذا ما جعل "إبراهيم عبد الرحمان محمد" يشير إلى علاقة التشابه بين حيوات العذريين وحيوات الزهاد في العصر الأموي وأنّ "حيوات الشعراء العذريين وشخصياتهم كما تصورها قصة المجنون تذكرنا بطبقة الزهاد من المسلمين الذين أخذوا يكثرون في البيئات الإسلامية المختلفة منذ أواخر العصر الإسلامي وأوائل العصر الأموي، وهي الفترة التي ثارت فيها العصبيات القديمة، وكثرت الحروب الأهلية. وتدلنا أخبار هذه الطبقة على أنّها راحت تمارس نمطاً فريداً من السلوك يتمثل في احتقار الدنيا والعزوف عن ملذاتها، والفرار من الناس والرغبة في الآخرة، وليس الجانب الديني هو وحده الذي يغرينا بالربط بين طبقة الزهاد وشعر الغزل العذري، وإنّما هناك بالإضافة إلى ذلك، هذه السلبية التي تميز بها سلوك العذريين، وانتهاء بهم إلى استعذاب الألم والتغني بالحرمان، واعتزال الناس وطلب الموت في سبيل الحب، وهي سلبية فرضت نفسها كذلك على طبقة الزهاد. فورطتهم في هذه المواقف القدرية إزاء أحداث الحياة.. وهذا ما يغرينا بأن نعدها ثمرة لهذا الصراع النفس والديني والاجتماعي"(70). _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:52 pm | |
| إنّ القول بالعلاقة بين الحركة العذرية وحركة الزهاد في العصر الأموي لا غرابة فيه، إذ من المؤكد أنّ الحركة العذرية في صبغتها الأساسية وليدة نفسية صقلها الإسلام بمبادئه، وغذّاها بعقيدته وصبغ جوانبها بأخلاقه الذي دعا إليها، فميزت نصوص العذريين بظلال إسلامية، إذ كان أساس خلجات نفوسهم ومحور تصوراتهم، فسيطر على مشاعرهم وعقولهم وقلوبهم وذلك كان العامل الديني أقوى من كل العوامل الأخرى التي ساعدت على ظهور الحركة العذرية، فطبعها بطابعه الروحي المتسامي، فكانت العفة أساس النصوص العذرية وقصصهم وهذا ما جعل النص العذري خاصة في تعبيره عن حرارة الوجد يمتزج امتزاجاً كبيراً بالطبيعة والرؤية الصوفية في عرفانيتها، فكان رافداً أساسياً من روافدها، ومنبعاً أساسياً من منابعها.
إنّ قصة المجنون وما دار حولها من روايات وأخبار سواء أكانت حقيقية أم منتحلة خاصة ما تعلق بجنونه وعيشه في الفلاة مع الوحوش، وهيامه على وجهه في الصحراء مفترشاً الأرض وملتحفاً السماء ومستأنساً بالوحوش قريبة من قلوب سكان الحواضر الإسلامية حتى اعتقدت فيه الكرامات فقربته من حضرة الصوفية، وربطت علاقة روحانية بين أخباره وما يفعله الزهاد والمتصوفة في ذلك الوقت، وهذا ما حدا "بغنيمي هلال" إلى الربط بين حركة العذرية ونشأة الحب الصوفي في العالم الإسلامي، وأنّ العذرية في تعبيرها عن الحب مشتركة أيما اشتراك مع الصوفية، لكن الحب العذري "ظل مع ذلك في دائرة الحب الإنساني، أي الحب العذري الذي يدفع فيه الحرمان إلى إضفاء نوع من المثالية على الحب، وما يكتنف ذلك من معان دينية تتوافر لدى من يهبون أنفسهم لصراع بين عقيدتهم وعاطفتهم تنتصر فيه عقيدتهم، فيطلبون المثوبة على مصايرهم فيما ابتلوا به، وكان أدبهم كله يدور حول هذه المعاني"(71)، وهو طرح يميز بين الحب العذري والحب الصوفي، وأنّ الحب العذري لم يكن إلاّ إرهاصاً أولياً للحب الصوفي، وأنّ الحب العذري مرتبط في أساسه بفكرة الحرمان وامتزاجها بالوازع الديني لدى النفوس العذرية، ولذلك -ومهما سما هذا الغزل في التعبير عن الحب -فإنّه لا يرتقي إلى ما ارتقى إليه مفهوم الحب عند الصوفية، إذ أخذ أبعاداً عرفانية غنوصية ارتبطت بمفاهيم كونية وفلسفية ومعرفية كانت نتيجة امتزاج الحضارة الإسلامية بالحضارة التي سبقتها.
ظهر الحب الصوفي في الأمصار الإسلامية مع "رابعة العدوية" في "القرن الثاني الهجري" التي ظهرت بدعوة جديدة هي دعوة التقرب إلى الله عن طريق حبه. ولكن الحب عند "رابعة العدوية" لا صلة له بالحب العذري إذا كانت تنادي بحبها لله، لأنّه أهل لأن يُحب أولا لأنّه مصدر النعم التي لا تنقطع فلا سبيل لأن ينتقص حب المنعم بها، وثانياً لأن الله أهل لأن يحب "لما هو أهل له من الحب، لجماله وجلاله وهذا الأخير هو حب الخواص من أمثال" رابعة العدوية"(72)، وبذلك يتميز الحب الصوفي عند "غنيمي هلال" عن الحب العذري باعتبار دافعه لا باعتبار معانيه وأساليبه، لأن الدارس لمعاني الحب وأساليبه في الاتجاهين يتجلى له تشاكل واضح بينهما "لأن المحب في كلا الأمرين يعبر عن عاطفة يفيض بها شعوره، ويلجأ في تصويرها إلى الألفاظ والصور الحسية للتعبير عما في وجدانه من الشوق ومظاهره. لذا كانت تتشابه طرق التعبير عن الحب والهيام في المتصوف من أمثال "رابعة العدوية" مع شعر المحبين من العذريين لأن الذي يعانيهم في كلا الحالتين إنسان"(73)، وباعتبار ذلك نستطيع القول بأنّ مفهوم الحب عند التيارين متقارب فالوازع الديني هو الذي أفرز النوعين معاً. فالأول كان نتيجة طبيعية للنفس المسلمة التي تشبعت بالقيم والمثل الإسلامية، فزهدت في الدنيا، وأيقنت أنّ قنوات تصريف الطاقة الجنسية عند الإنسان يجب أن تخضع للقنوات الشرعية، وأنّ المرأة يجب أن تنظر إليها من حيث هي روح لا من حيث جسد، وأنّ المتعة الشبقية آلية زائلة، أما السكن النفسي فهو الباق، لذلك كان العذري يبحث في المرأة عن جوهر السكن النفسي الذي افتقد إليه العربي قبل الإسلام. وذلك شأن الصوفي الذي عزف عن المتعة الآنية، وجدّ من أجل البحث عن المتعة الباقية، فأيقن أنّ حب الله والإخلاص له هو السبيل الأوحد إلى ذاك. فزهد في الدنيا وخلا بنفسه بحثاً عن المتعة السرمدية حتى وصل الأمر بكثير من المتصوفة إلى ادعاء الوصول إلى المحبة إلى درجة الخلة بينه وبين الله، بل الاعتقاد في الحلول، وبذلك فصل المتصوفة بين ماهية الحب العذري وماهية الحب الصوفي، لأنّ المتصوفة الأوائل كانوا يعتقدون أنّ الحب الإنساني مرحلة أولى ولازمة للحب الصوفي، "وهذا ما كان يقصد إليه بعض المتصوفة على ما يحكيه المكي: قال بعض المريدين لأستاذه: قد طولعت بشيء من المحبة، فقال: يا ابني، هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه إياه؟ فقال: لا. فقال فلا تطمع في المحبة فإنّه لا يعطيها عبداً حتى يبلوه"(74)، وكان ذلك ضرباً من القنوات التي ربطت بين العذري والحب الصوفي.
إنّ الحب العذري مرحلة لازمة وضرورية وتمهيدية لتذوق الحب الصوفي، لذلك كان المتصوفة في مجالسهم ومواعظهم يضربون الأمثال بالمحبين الذين تفانوا في الهيام بمحبوباتهم، حتى وصل بهم الهيام إلى درجة الذوبان في ذات المحبوب على نحو ما وصف "الشبلي" حب المجنون في كثير من مجالسه، فكان يقول: "يا قوم، هذا مجنون "بني عامر" كان إذا سئل عن "ليلى" يقول: أنا ليلى، فكان يغيب بليلى في ليلى، ويغيب عن كل معنى سوى ليلى، ويشهد الأشياء كلها بليلى، فكيف يدعي من يدعي محبته وهو صحيح مميز يرجع إلى معلوماته وحظوظه. فهيهات أنّى له ذلك، ولم يرمذ في ذرة منه ولا زالت عنه صفة من أوصافه"(75).
فالحب العذري الذي اتصف به المجنون لم يكن إلاّ ضرباً من الفناء والحلول الذي كان يعتقد فيه المتصوفة. فالذات المحبة لا تستشعر حلاوة الحب إلاّ إذا انصهرت في ذات المحبوب، وذابت فيه. ولذلك نخلص إلى أن ماهية الحب العذري كانت إرهاصاً، بل مرحلة جد متقدمة للحب الصوفي، وأن المتصوفة اقتدار بالمحبين العذريين في حبهم الإنساني ليؤسسوا للحب الصوفي.
إنّ عرفانية ماهية الحب العذري عند كبار العذريين أمثال المجنون هي التي دفعت بالمتصوفة إلى توظيف رمز المرأة في إبداعهم وخطابهم، فأعطوه طابعاً صوفياً محضاً، إذ "لم ينشأ التركيب الثيوصوفي لرمز المرأة في شعر الصوفية من فراغ خالص ذلك أنّنا نجد لهذا الرمز المرأة الذي بدا ذا طابع غنوصي، جذوراً بعيدة تتصل بأصول ميثيولوجية قديمة، وبإرهاصات الغزل العذري الذي نسجت حول أخبار وحكايات وأشعار تناقلها الرواد حتى ذاعت في بعض العواصم الإسلامية"(76). وباعتبار ذلك أضحى رمز المرأة من الدعائم الفنية التي يقوم عليها النص الصوفي، وأصبح معادلاً موضوعياً للحب الإلهي، وهكذا دخل رمز المرأة إلى عالم التصوف الرحب، وأصبح علامة تعبر عن عرفانية تحمل أبعاداً علوية عند المتصوف في وجده بين العلو المتجلي والصورة التي تجلى فيها. وبذلك وضع اللامرئي والمرئي، والروحي والفيزيائي في تجانس وانسجام، فتجلى من خلاله المحبوب المقدس، فأقام رمز المرأة بانتقاله من العذرية إلى الصوفية "علائق بين وحدات مترابطة تفضي كل منها إلى الآخر، فالحب الذي يوجد بين الفيزيائي والروحي، يحيل إلى التجلي الإلهي يفضي بدوره إلى المشاهدة التي ترتبط بالإبداع الخيالي أوثق ارتباط ومن خلال هذه الوحدات المتشابكة، يطل الجوهر الأنثوي وتبرز المرأة بوصفها رمزاً على الله المتجلي في شكل محسوس وصورة فيزيائية"(77) فعبر رمز المرأة عن الحب الإلهي في لغة وجدانية إنسانية مستوحاة من شعر العذريين الكبار. وبذلك أشار الصوفية من خلال رمز المرأة إلى الحكمة العرفانية والوجد الصوفي في مظهريه الإنساني والإلهي، فأخذت المرأة بوصفها مجازاً لجمال أكثر ديمومة وكلية تحمل في جوهرها طابعاً علوياً يتجلى من خلاله ما يعانيه في رؤيته للكون التي يتجاذبها قطبا "التأثير والقابلية" و"الفعل والانفعال". _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
| موضوع: رد: الشعر العذري في ضوء النقد العربي الحديث 2008-04-21, 8:53 pm | |
| وأخيراً يلاحظ الدارس للطرح الذي يذهب إلى أن مصدر العذرية في العصر الأموي كان إسلامياً، وأنها إفراز طبيعي للنفوس التي تشبعت بالقيم والأخلاق والمثل الدينية. طرح له مبرراته المعرفية والفنية، وأنّ الظاهرة العذرية لما تميزت به من عرفانية في تعبيرها عن قيمة الحب ليست إلاّ وليدة التغير الجذري الذي أحدثه الإسلام للقيم والمفاهيم التي كان ينظر بها العربي إلى المرأة، من حيث هي جسد قبل أن تكون روحاً، متعة شبقية قبل أن تكون عرفانية روحية. وأنّ ما عرف عن بعض الجاهليين من عذرية في نظرتهم إلى المرأة لم يكن سوى طفرات لم تسْمُ في نظرتها إلى ما وصلت إليه العذرية في العصر الأموي. لذلك فإنّنا نرى أنّ العذرية في أبعادها العرفانية والروحية التي أقصت الجسدية من مفهومها، والتي كانت إرهاصاً قوياً للصوفية الإسلامية، إنّما هي ظاهرة إسلامية في كل أبعادها، وليدة امتزاج القيم الإسلامية بالنفسية العربية التي آمنت بالعفة شعاراً وبالإخلاص طريقاً وبالنظرة الإنسانية للمرأة مبدأ، وذلكم هو جوهر ماهية الحب العذري عند أعلامه.
نخلص في الأخير إلى أنّ للظاهرة العذرية لما اتسمت به من أصالة في الطرح، وعمق في الرؤيا، وجمالية في التعبير، وأبعاد في الخصائص والمميزات أهلتها لأن تكون ميداناً خصباً للكثير من القراءات النقدية، كل واحدة تحاول أن تستجلي جانباً من جوانبها، فتبرز معالمه، وتجلي خفاياه بإتباع منهج الاستقصاء والبحث الجاد من أجل الوصول إلى إجابات كافية تجيب عن كثر من التساؤلات التي تطرحها القراءة الجادة خاصة وأنّ الظاهرة العذرية، ظاهرة تحمل العديد من القضايا التي تستحق البحث من أجل الوصول إلى تفسيرات علمية لها.
إن القراءة التاريخية بوصفها القراءة الأولى حاولت الاقتراب من الظاهرة العذرية، والبحث في جوانبها خاصة ما تعلق بوجودها التاريخي، فانكبت على العمل من أجل إثباتها كظاهرة تاريخية أو نفيها أو نفي ما علق بها من روايات وأخبار وقص كان لخيال الرواة الدور الأساسي في صنعها وإضافتها إليها، إما بهدف المتعة والترويج عن الملتقي حتى تصنع له جواً من الجاذبية الفنية التي يكون للخيال الدور الأساسي في بنائها دون مراعاة الواقعة التاريخية كواقعة يجب الوقوف عند حقيقتها، وإما بهدف إيجاد تفسيرات لبعض النصوص العذرية التي لم يعثر على مرجعيتها التاريخية.
دارت القراءة التاريخية للظاهرة العذرية في فلك النفي والإثبات، فراحت تطرح التساؤلات حول الوجود التاريخي لشعرائها محاولة نفي ما يثبت نفيه أو إثبات ما يمكن إثباته وكانت مرجعيتها في ذلك الرواية التاريخية والتراجم القديمة. ولم تقف عند البحث في الوجود التاريخي للشعراء فقط بل عملت من أجل التحقق من قصصهم ونصوصهم، باعتبارها دعائم أساسية للظاهرة العذرية.
لقد كان لإشكالية الرواية الشفهية -والتي كانت المصدر الأساسي للتدوين للظاهرة العذرية- دور أساسي في إضفاء ظلال الشك حول الوجود التاريخي لشعرائها وقصصها ونصوصها، ولذلك اهتمت القراءة التاريخية بهذه الإشكالية محاولة الإجابة عن تساؤلاتها واستفساراتها. والهدف من كل ذلك خدمة المنهجية العلمية التي تفرض على القارئ الموضوعية مع الدقة والتحقيق، لذلك قال "طه حسين"، وهو يبحث في شخصية المجنون التي دارت حولها تساؤلات عدّة: "أما نحن فأشد من هؤلاء القدماء طبعاً وأكثرهم تحفظاً، لا تكفينا أسماء الثقاة من الرواة، ولا يكفينا جمال القصيدة وجودة المقطوعة، وإنما نريد أن نتخذ كل شيء موضوعاً للبحث والنقد والتحقيق والتحليل، ولا نكاد نفرق في ذلك بين الأدب والعلم. ونحن محقون، لأننا لا نبتغي من الأدب والتاريخ رواية الأعاجيب والعظات، ولا إرضاء الذوق والميل الفني، وإنما نتخذ الأدب والتاريخ مرآة للأمم، وسبيلاً إلى فهم حياتها العقلية والشعرية"(78)، وهي قراءة تبتغي العلمية الصارمة في التعامل مع الظواهر الأدبية بعامة والعذرية بخاصة حتى تجردها مما علق بها من نحل وانتحال، الذي كان المصدر الرئيس لإشكالية الشك في كثير من الجوانب التاريخية للظاهرة العذرية. < |
|