| فصول في علم الاقتصاد الأدبي | |
|
|
| كاتب الموضوع | رسالة |
|---|
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:06 pm | |
| فصول في علم الاقتصاد الأدبي
الفصل الأول: كاسندرا بريام والأدب الحديث
لأمرٍ ما صارت طروادة غنية، حظها أن تصبح غنية، هل هي المكوس البحرية التي فرضتها على البضائع المشحونة أم هي المكوس البرية المفروضة على البضائع العابرة، أم نشاط أبنائها حوّلها إلى دولة غنية؟ لا نعرف فربما كل هذه الظروف مجتمعة جعلت طروادة الدولة الأولى في العالم آنئذ. أبراج وأسوار وقلاع، ساحات وأبهاء وقصور، بيوت ودواوين وطرقات ونقاط مراقبة وجباية مكوس، ملك وجيش وقادة وأبطال، بطون متخمة وخزائن مفعمة، وقد تحولت الثروة إلى كنوز وكنوز حتى حار بريام، ملك طروادة أين يضعها، فقد ملّ من إنشاء بيوتات محكمة ومحصنة لها، كل شيء صار باعثاً على السعادة، وكل شيء بات جميلاً، فحتى العذارى صرن يضارعن الفتيات الأغريقيات حسناً وجمالاً وأناقة وبذخاً... باختصار دبت سوسة الاقتصاد السياسي في هذه المدينة/الدولة.
كانت كاسندرا بنت بريام ملك طروادة تراقب ما يجري بعين نافذة ومتخوّفة، فقد كانت هذه العذراء الفائقة الجمال تمتلك موهبة النبوءة الصادقة التي وهبها لها أبولو، عاشقها الولهان الذي رفضته رفضاً قاطعاً. عرض عليها كل أنواع المسرات والثروات، ولكنه أخطأ في شيء واحد وهو أنه منحها النبوءة الصادقة قبل أن ينال قبولها، فلما عرض عليها نفسه مع كل المباهج والغنى، استلهمت قوة النبوءة فوجدت أنها إن وافقت فسوف تبدأ حياة البؤس والشقاء فلا نعيم ولا سعادة مع الثروة، وتذكرت قصة أيون وأمه مع أبولو فرفضت بكل تصميم، فاغتاظ منها عشيقها المدنف، وبما أنه لا يستطيع استرداد ما وهبه لها، على جاري عادة الآلهة، فقد عمد إلى استرداده بطريقة أخرى، وهي أنه جعل الناس لا تصغي لنبوءاتها الصادقة، ومنذ ذلك الوقت والناس لا تصدق النبوءات الحقيقية، بينما تتهافت على نبوءات الشعوذة والدجل وتؤمن بها.
رأت كاسندرا ما رأت من أمر طروادة، وكيف اغتنى أهلها ففسدت علاقات الابن بالأب، والزوج بالزوجة والأخ بالأخت، فعرفت على الفور أي كارثة سوف يجرها الاقتصاد السياسي على مدينتها، وقالت لأبيها الملك: إنك ترفع للهزيمة راية وتحفر للأحياء قبراً، الأسوار سوف تنهار، وبنات الملوك سوف يصبحن أسيرات والغواني في البراري سوف تهيم وجوههن، أما الأبطال فللقتل منذورون، أما طروادة فلن يبقى منها إلا اسمها تلوكه الأجيال، جيلاً بعد جيل بقلب حزين. أيها الملك السعيد أنت بدأت تاريخ التعاسة وبالبوق أعلنت اقتراب الكارثة.
كانت في مقتبل العمر أي في السن التي تتتفتح فيها موهبة الشعر والأدب، فلم يصدقها بريام ولم يصدقها أحد ممن سمعها. كيف؟ بالمال والثروة والكنوز تصرف طروادة الأمور كما تشاء وكما ترغب. لقد نسي هؤلاء أنك عندما تصبح غنياً يكثر أعداؤك فيتساءلون: من أين له هذه الثروة؟ وهل يستحقها؟ وماذا يفعل بها وهي تتجاوز موهبته وقدرته وعمله؟... إنه يملك ما يجب أن يكون لغيره. وهذه بالضبط نظرة الإغريق تجاه المدينة التي كانت في طرف أوروبا أو طرف آسيا، فقد رأوا أنها تستأثر بما يجب أن يكون ملكاً لهم.
وعندما أراد بريام أن يسفر إلى الإغريق حذرته ابنته كاسندرا: لا تجعل باريس الجميل سفيراً، ولا تحمله الذهب والفضة وذخائر الكنوز هدايا، لأنه بذلك سيعود إليك بالجيوش التي ستدك أسوار طروادة المدينة الغنية المترفة.
ولما صار ما صار واشتد الحصار خاف بريام على ثروته الضخمة فأوفد ابنه بوليدورس مع كنوزه البراقة المغرية إلى صديق له في تراقيا يدعى بوليمنستر. لكن الحلوة كاسندرا التي لا يصدقها أحد قالت لأبيها: أن بوليدورس يصطحب معه قاتله. ومن قاتله من هؤلاء الموفدين؟.. فأجابت كاسندرا: إنه الكنز أيها الأب العجوز. فلم يصدقها ويصر على تنفيذ ما ارتآه، وبالفعل فإن صديقه الحميم جداً بوليمنستر عندما رأى هذا الكنز العظيم بيّت في نفسه شيئاً، وهل يكون هذا الشيء غير التخلص من بوليدورس والاستحواذ على الكنز؟... لقد خسر بريام ابنه وكنزه دفعة واحدة كما تنبأت كاسندرا.
وعندما صرع آخيل شقيقها البطل هكتور قالت لأبيها: إذا تركت روح هكتور هائمة على شواطىء أخيرون فخير من أن تفتدي جثمانه لتعبر روحه النهر إلى الدار الأبدية. وإذا ذهبت إلى آخيل فاعرض عليه الثروة مقابل السلام والرحيل، لا مقابل تسليمك جثمان هكتور، وإلا انهار حصنك ودك عرشك وتدحرج تاجك. لكنّ مالِكَ المال أعمى، يظن أن ماله منجيه من كل متاعبه ومشكلاته، بل يؤجل الأجل ويطيل العمر، فذهب بريام الشيخ ضارعاً وطرح أمام قدمي أخيل فدية مقابل جثة أوشكت تتعفن، فماذا يخبىء في خزائنه إذا كانت هذه هي فديته؟ هنا أزمع الإغريق على متابعة الحصار لتتم نبوءة كاسندرا الصادقة التي لا يصدقها أحد.
ويرى الطرواديون الحصان الخشبي ويصدقون ما رواه عميل الإغريق، لكن كاسندرا وحدها تقف معترضة تحذرهم من هذه الخديعة الواضحة صارخة: يا أهل طروادة لن تعرفوا الراحة والسلم مادامت كنوزكم حكراً لكم. إن هذا الحصان الخشبي يعرف معلفه تماماً، إنه كنوزكم، فلا تدخلوه الأسوار لأنكم ستكونون أول ضحاياه.
كاسندرا الجميلة التي لم يصدقها أحد وجدت هذه المرة أذناً صاغية من لاؤوكون. وهذه ميزة النبوءات الأدبية الصادقة، قلة يصدقون أما البقية فيسمعونها بآذان من طين. والذين يصدقون من أمثال لاؤوكون يلاقون مصيراً مأساوياً.
بعد سقوط طروادة صارت مباحة لجنود الإغريق، فالذكور للقتل والإناث للأسر، أما ما بقي فيها من ثروات فتوزع ويقترع عليها. وكان القائد اغاممنون يطوف بين الخرائب فرأى وجه كاسندرا المختبئة، فضمها إلى غنائمه، بعد أن أنقذها من يد أجاكس الأصغر.
ولما رأت كاسندرا أحمال الذهب مع اغاممنون تذكرت أخاها بوليدورس وسفارته إلى بوليمنستر فقالت لاغاممنون: دعني واذهب وحدك إلى بلدك مسّينا، إنك تحمل قاتلك معك. خلف باب قصرك تلتمع شفرة البلطة، فواجهها وحدك ودعني هنا فخير لي أن أهيم في خرائب مدينتي من أن أقتل في دهليز قصرك. سينتقم لك ابنك، ولكن ما قيمة الانتقام إذا وقع الفأس في الرأس وفات الأوان؟ وكما هي العادة لم يصدق اغاممنون كلمة واحدة مما قالته هذه الصبية، بل جعل أحمال الذهب تنتظم في قافلة تتقدم موكبه، وعاد إلى مسينا واصطحب كاسندرا معه... وخلف باب القصر وقعت الفاجعة، تماماً كما تنبأت هذه الفتاة الجميلة.
***
لا أدري لماذا نميل إلى معاملة الميثولوجيات بعيداً عن الواقع، مع أن كل ميثة من الميثات التي تردنا من هذه الميثولوجيا أو تلك ما هي إلا قصة واقعية بطريقة فنية رمزية. ونحن اليوم نعامل نبوءات كاسندرا باستخفاف فنظن أن هذه النبوءات سجلت في تاريخ الأدب بعد وقوعها ونسبت إلى كاسندرا، وهذا ليس صحيحاً أبداً، فنبوءات كاسندرا قيلت قبل وقوعها، وهي ليست بحاجة إلى قوة خارقة لمعرفتها، إنها لا تحتاج إلا لقليل من التبصر فقط. ولو نظرنا اليوم في هذه النبوءات لبدا لنا أن كاسندرا كانت تقابل بين النشاط الروحي والنشاط المادي، أو بين الاقتصاد الأدبي والاقتصاد السياسي فحيث يكون النشاط الأدبي فسلم وسعادة، وحيث يكون النشاط المادي فالكوارث تترى وتدمر. فلنستعرض تلك النبوءات مجدداً ولنمعن النظر فيها: _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:07 pm | |
| عندما رأت ثروة طروادة تتعاظم قالت لأبيها إنك ترفع للهزيمة راية وتحفر للأحياء قبراً. وعندما رأت بوليدورس يخرج بأحمال الذهب إلى تراقيا قالت لأبيها إنك ترسل قاتله معه، وعندما رأت الحصان الخشبي الضخم عرفت على الفور أن الأعداء لا يمكن أن يقدموا مثل هذه الهدية مجاناً فحذرت منه، وعندما ذهب بريام إلى آخيل بفدية ضخمة من الذهب لاسترجاع جثمان هكتور عرفت كاسندرا أن أباها يزيد من الشهوة الذئبية في صدور الإغريق، وعندما أخذها اغاممنون معه حذرته من عرضه للثروة أمام موكبه، فلو عاد فقيراً مشرداً لما طمعت فيه كليتمنسترا وعشيقها ايجست.
إن نبوءات كاسندرا بسيطة جداً، فهي من قوانين الاقتصاد الأدبي، وفي كل يوم يمارس الأدباء هذه النبوءات، فلو قرأنا أي قصيدة أو مسرحية أو رواية وعثرنا فيها على كنوز بريام أو أحمال لوليدورس أو أسلاب أغاممنون أو حصان طروادة، الهدية التي لا تفسير لها، لقلنا في أنفسنا إن هناك كارثة سوف تقع. فحيث الثروة يكون الوباء، وحيث الكنز يكون الموت حارسه. إنه قانون أدبي لا يمكن تغييره، ولا يمكن لأي اقتصاد أدبي أن يفعل غير ما فعلته كاسندرا، فأي غرابة في نبوءاتها؟
كيف حلّ الاقتصاد الأدبي هذه المشكلة، أو هذه الكارثة؟... حلها بالتربية الجمالية التي تدفع الإنسان إلى القيم المعنوية وتدخله مملكة القناعة المادية وتحول أطماعه إلى طموحات فنية، حيث لا وباء ولا جريمة، ولا حقد ولا حسد ولا غل ولا نميمة ولا طمع ولا جشع... فالكنز المعنوي لا يستطيع أحد انتزاعه منك، لأن الحصول عليه لا يكون باستثمار الآخرين فلا حاجة إلى جريمة أو قتل بل يكون بالتربية الجمالية التي يجعلها الاقتصاد الأدبي الموجه الأول للإنتاج المادي، فبها وحدها تكون السلعة مساوية للحاجة ويكون الإنتاج موازياً للضرورات فقط وليس لاستغلال الآخرين واستثمار جهدهم وإفقارهم.
يناقش النقاد بحرارة ويدخلون في مناظرات ومجادلات شائكة حول "وظيفة الأدب" أو "وظيفة الفن" مع أن هذه الوظيفة معروفة منذ آلاف السنين، منذ أن أوصى بروميثوس ابنه ديوكاليون أن يتعلم، بعد أن يحط فلكه على البرناس من ربات الفنون ما ينقذه ويحميه ويخلص روحه. وقد تابعت كاسندرا نبوءات بروميثوس. كان الاقتصاد السياسي قد نما بعد أن قتل قائين أخاه هابيل واضعاً حداً لأساليب الانتاج القديمة، فكان لا بد أن تحذر كاسندرا من خطورة الانسياق وراء المادة والثروة والكنوز، فوراء كل طمع نكبة، وخلف كل جشع كارثة، فنبوءات كاسندرا هي الخط الأساسي الذي يقوم عليه الاقتصاد الأدبي.
تابع الأدباء هذا الخط، ومع ذلك تعاظم دور الاقتصاد السياسي حتى صار الدور الوحيد الذي يحدد قيمة كل شيء والذي يقبع وراء كل الدوافع حتى أننا رحنا نغزو القمر والكواكب الأخرى تحت ذريعة "الضرورات" فأي ضرورة تدفعنا إلى الإنفاق على مثل هذه المشاريع سوى شهوة الطمع وحب السيطرة؟
إن وظيفة الأدب ليس تقديم التعزية والسلوان، فالأدب لم يخلق لينسي الإنسان متاعبه وهمومه وحياته الصعبة كما قد يظن بعضنا، إنه ليس سيركاً يسلينا ويروح عن نفوسنا وينسينا متاعب نهار شاق، بل إنه مجابهة حقيقية لمشكلات الإنسان المادية والروحية، فهو يطرح باستمرار البؤس الروحي والبؤس المادي، بل يربط بين الأول والثاني، ويرى أن الاضطراب في الحياة المادية سيؤدي إلى اضطراب في الحياة الروحية، ويعزو سبب ذلك إلى هيمنة الاقتصاد السياسي على النشاط المادي بحيث يتحول هدف السلعة من تلبية الحاجات إلى استغلالها، ومن وفرة السوق إلى احتكاره، ومن تأمين الضرورة إلى التلاعب بها. إن هدف الاقتصاد السياسي ليس الموازنة بين الحياة المادية والحياة الروحية بل دفع الناس إلى الانخراط في معمعة لا تنتهي من أجل تكديس الأرباح ضماناً للمستقبل، ومن أجل فرض سلطة قوية تؤمن استمرارية الأرباح وتدفقها. فالاقتصاد المادي هنا لا يعني سوى الربح. والسياسة التي ينسبونها إليه أو يصفونه بها لا تعني سوى السلطة، فكل اقتصاد سياسي هو في النهاية ثروة لتوطيد السلطة، وسلطة لضمان الثروة والاستزادة منها.
هدف الاقتصاد الأدبي، بالمقابل، هو جعل الحياة الروحية المفعمة بالقيم الفنية منطلقاً لتنظيم الحياة المادية، أي أنه يناقض تماماً طريق الاقتصاد السياسي، ولذا يدعو إلى التربية الجمالية لإحلال الرضى الروحي محل الجشع المادي. وهو باستمرار يبين فداحة الإنصياع لقوانين الاقتصاد السياسي، ويرى أن العناصر التي يقوم عليها من ثروة وسلعة وسوق وتجارة... لن تؤدي إلا إلى البؤس، وربما كانت الثروة من أهم ما دأب الأدب على فضحها وإظهار الاضطراب التي تحدثه في الحياة الاجتماعية والنفوس البشرية.
بعد أن دبّت شهوة الثروة والسلطة في النفوس بات من الصعب اقناع الناس بتهافت الاقتصاد السياسي، ومع ذلك ما فتيء الأدب يندد بذلك منذ ميداس وحتى اليوم. وميداس ملك على بقعة صغيرة، أراد أن يكون له نفوذ بتوسيع سلطان مملكته، ومثل هذا الطموح لا يتحقق إلا بالثروة، وعندما أكرم أحد الباخيين الشيوخ كافأه باخوس بتلبية أي رغبة يتمناها، فتمنى الغبي أن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب، فكان أن مياه الشرب ومآكل المائدة تحولت إلى ذهب، فهرع إلى باخوس فوراً ليوقف هذه المهزلة أو هذه المأساة، فنصحه إله الخمرة أن يغتسل بماء نهر يتدفق من ينبوع بين صخرتين، دعاه إلى الانسجام والتكيف مع الطبيعة، واغتسل الرجل فشفي، لكن الأدب بعد ذلك لم يطلعنا على رجل عرف فعل الندامة سريعاً مثل ميداس، فالأغلبية لا يظهر الصحو عندها إلا متأخراً.
إن عناصر الاقتصاد السياسي كلها تتبخر لدى ظهور أي هزة، فما يجمعه الاقتصادي في عشرات السنوات قد يبدده ابنه على مائدة قمار بليلة واحدة، وما يرثه ولد عن والد من أموال قد يتسرب إلى محفظة غانية لعوب بأقل من سنة، وقد برع الأدب الفرنسي إبان القرن التاسع عشر في تقديم الكثير من هذه النماذج. فأي اقتصاد هش هذا الذي تعصف بكل قوانينه نزوة عابرة، أو هواية سيئة، أو عادة ذميمة؟... إن ما يتراءى لنا ثابتاً وطيداً ليس أكثر من أطياف واهية، وما نظنه سنداً لنا ليس أكثر من عامل دسيس يفتت روحنا ويقضي على قيمنا، ويدفعنا إلى اقتتال بهيمي لا ينتهي. إن صراع الأمم، وبالتالي صراع الأفراد لا يكمن وراءه سوى سبب واحد فقط لا شريك له وهو الاقتصاد السياسي. إن الحرب الطروادية تتكرر باستمرار من أيام بريام وحتى هذه الأيام. كل المدن التي دمرت تمثل طروادة الغنية الناشطة التي تتركز فيها الثروة، أو التي تقاسم غيرها الثروة. وما نشبت حرب إلا كان خلفها الاقتصاد أو السياسة، إما لحيازة ثروة أو لتمكين سلطة ولا شيء غير ذلك سواء كانت الحرب تدور حول مرعى بسيط أو حول منطقة غنية بالذهب، حول سفح جبل أو ممر على البحر. وكل ما عدا ذلك ما هي إلا أعذار للتغطية فقط. المذّبة الجزائرية أو قتل مبشر مسيحيي في إفريقيا أو إهانة شعار امبراطورية في جنوب شرق آسيا ما هي إلا أعذار فقط لأن جميع الأسباب تنحصر في اثنين لا ثالث لهما: الاقتصاد أو السياسة، ولو قلنا لسبب واحد فقط هو الاقتصاد السياسي لكان أفضل: لأن لا وجود لسياسة خارج الاقتصاد. وكل تاريخ الانتاج الأدبي مكرس منذ القديم لفضح هذا المحرك للنشاط البشري وإظهار تهافته حتى نكاد نقول إن مجمل الأدب هو فضح تهافت الاقتصاد السياسي، وإظهار دوره المفسد في الحياة الاجتماعية، ولكن أروع ما في الأدب هو تلك الاختبارات التي يخضع لها الاقتصاد السياسي، كما فعل فيه الأدب الفرنسي كما أشرنا، ومثله بقية الآداب، فالدكتور فاوست، سواء في النسخة الإنكليزية أو النسخة الألمانية، يجسد الاقتصاد السياسي عندما يدخل في مساومة مع مفستوفيلس، فيطلب منه طلباً واحداً فقط وهو الثروة والسلطة أي الاقتصاد السياسي تماماً: بالثروة والسلطة يحقق كل ما يريد، حتى أنه يستقدم هيلن، الحسناء اليونانية التي كانت ذريعة نشوب حرب طروادة، ويا لها من ذريعة، كما ينتشر اسمه في كل الأصقاع، ويقصده الناس من كل صوب، ويتوج بالمجد الزائف مثل أي بشري يراكم الثروة ويستخدم السلطة. بيد أن كل هذا المجد، وكل هذه السمعة، وكل هذه الثروة وكل هذه السلطة لا تنفع في شيء، فقد كان العقد بينه وبين مفستوفيلس يقضي أن يدفع حياته ثمناً للثروة والسلطة. وكأن المتنبي كان يسهم في الصياغة الفاوستية عندما قال:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
مخافة فقر فالذي فعل الفقر _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:07 pm | |
| فلا يمكن تحقيق الثروة والاستحواذ على السلطة من دون الوقوع في الخواء الروحي، كما يقول الشاعر اليوت، فما يتحقق في مجال المادة تدفع الروح ثمنه، فما تقدم الاقتصاد السياسي إلا على حساب التربية الجمالية التي هي شعار الاقتصاد الأدبي.
ومن أعظم الاختبارات الأدبية التي أخضع لها الاقتصاد السياسي ما نجده في الرواية الروسية في القرن التاسع عشر. أن راسكولنيكوف يريد تحقيق العدالة عن طريق توزيع الثروة فيصبح رجلاً أجوف خاوي الصدر بعد أن استخدم البلطة وسيلة، ويأتي الإنقاذ على يد سونيا المجدلية الفاضلة، فهي نسخة راسكولنيكوف، أو ظله الذي كان مختبئاً فظهر وكان غافياً فاستيقظ، فهو لا يختلف عن فاوست، وإن كانت الدوافع مختلفة. إن راسكولنيكوف أراد تحقيق العدالة عن طريق وسائل الاقتصاد السياسي ففشل وضاع لو لم تعده سونيا إلى الحياة الروحية. إنه فاوست الروس بقلم دستويفسكي، وشبيه به بطل قصة "موت إيفان ايليتش" التي كتبها تولستوى في أواخر حياته، فقد سعى إيفان إلى الثروة فنالها وإلى السلطة فحققها، ولكن ذلك كان على حساب حياته الروحية، لم يشعر بالخواء الروحي الذي فيه إلا عندما وقع فريسة المرض الذي لا برء منه. وهذه هي اليقظة المتأخرة التي أشرنا إليها، فهي ليست يقظة سريعة كيقظة ميداس بحيث يمكن تداركها بالاغتسال في مياه الطبيعة، أي العودة إلى الحياة الإنسانية الأصيلة، وإنما هي يقظة لا ترد مسافراً إلى الدار الأبدية ولا تؤجل موعده. كل شيء يتغير في نظر إيفان ايليتش بعد أن يدب فيه المرض، يلتفت إلى الماضي فيتألم، وينظر إلى الحاضر فيحزن ويتطلع إلى المستقبل فيتجهم، فقد أمضى حياته في جمع الثروة وتوطيد السلطة فخلق لنفسه ظروفاً غير إنسانية، وهذه الظروف هي المأساة التي يفرزها الاقتصاد السياسي، فهو يستدرجك لبذل جهدك فيما تكمن فيه مأساتك، ولا يستطيع المنجرف خلفه أن يميز بين الحاجة الروحية والحاجة المادية، فيظن أن بالمادة يفعل ما يريد كفاوست، ويغيب عن باله أقفار الحياة الفاوستية من كل معنى وتدهورها.
فضحت الاختبارات والتجارب الأدبية بهرجة الثروة والسلطة، وأظهرت أن المرشد الحقيقي للحياة المادية هو التربية الجمالية وليس شيئاً آخر، فبها تتحول ملكية الطمع إلى ملكية القناعة، وهي الشرط الإنساني الأول لكل حياة بشرية، وهي الخطوة الضرورية لقيام نشاط روحي لا يرتوى منه الإنسان ولا يشبع. ولكن بالمقابل أيضاً نرى أن النشاط الروحي ضروري لضبط المسار المادي، أي لتحقيق ملكية القناعة، فمن دون تربية جمالية يستحيل الدخول في مملكة القناعة... إنهما شرطان متلازمان ولا نستطيع تقديم واحد على الآخر، تماماً مثل قصة الدجاجة والبيضة. لكن في العصر الحديث عصر سيادة الاقتصاد السياسي والانجراف المادي، نرى أن الخطوة الأولى هي إشاعة التربية الجمالية والانفاق عليها حتى تصبح شبه مجانية، فبها يمكن الخروج من بوابة الاقتصاد السياسي والولوج في عتبة مملكة القناعة.
الاختبارات الأدبية هي المحك الذي فضح الاقتصاد السياسي، وقد برع تولستوي في هذه الاختبارات التي ظهرت في معظم انتاجه الأدبي، إن لم نقل كله، وبالأخص في مؤلفاته الأخيرة كالأب سيرجي وموت إيفان إيليتش والمالك والعامل والبعث... وقد اتهم بسبب إدانته للاقتصاد السياسي القائم على الملكية والسلطة، بالرجعية من قبل النقاد الثوريين آنذاك، والنقاد الإشتراكيين الذين ظهروا في أعقاب ثورة اكتوبر، وهم يزعمون أن رجعيته تكمن في رفضه للتطورات الحديثة التي قدمها العلم، وفي دعوته إلى الحياة الريفية. ومثل هذه التهمة هي نوع من التأويل الذاتي والقراءة السياسية لمؤلفاته التي لا نظن أن فيها ما يدل على هذه التهمة التي ليست أكثر من اختبارات كان يدفع الاقتصاد السياسي إليها ليبين بهتانه. فالمعروف أن الاقتصاد السياسي هو ابن المدينة لا ابن الريف وكاسندرا بريام أدانت الاقتصاد السياسي لأنها ابنة مدينة طروادة تعرف سر الأشياء، أما الريف فكان بريئاً من مفاسد هذا الاقتصاد. وقد اضطر تولستوى أن يقارن بين هذين الطرفين لفضح الاقتصاد الجديد، فاحتجاجه لم يكن على العلم بل على طريقة استخدامه، ولم يكن أيضاً على الاختراعات الجديدة بل على وضعها بيد المالكين الكبار مما يجعل لها تأثيراً سيئاً في العلاقات الاجتماعية وتشويش الحياة والتدني بها، ونجد هذا الموقف الأدبي لدى كل الكتاب الأوروبيين حتى منتصف القرن العشرين من بلزاك حتى د. هـ. لورانس الذي أدان هذا الاقتصاد في روايته "عشيق الليدي شاترلي" حيث نجد ميلرز يمثل الحياة المنسجمة مع الطبيعة، وقد لجأت الليدي شاترلي إليه للخلاص من التطورات الجديدة التي أفسدت كلاً من الارستقراطية الإنكليزية والطبقة العاملة. وفي قصة "الحسناء والغجري" نرى ابنة القمر تهرب مع الغجري وكأنها تهرب من "الحياة الجديدة" المريعة التي كانت تلمس مفاسدها، إلى حضن الطبيعة، إلى الحياة الغجرية. فالاحتجاج الأدبي لا ينصب على التطورات العلمية الاقتصادية، وإنما على طريقة استخدامها ذلك الاستخدام المذل والمخيف.
على أي حال لم تكن تهمة الرجعية التي وجهها الاشتراكيون الروس إلى تولستوى مقتصرة على هذا الكاتب، بل شملت كثيرين غيره من أمثال دستويفسكي وكل من أدان الطريقة الجديدة في الملكية واستخدام السلطة. فما الذي جعل كاتيوشا في "البعث" تقف في المحكمة فترى على قوسها ذلك الشاب الذي كان سبباً في سقوطها، إنها الملكية، أو بالتحديد هذا النوع الجديد من الملكية الذي ظهر في كل المدن، وكل مدينة هي طروادة وكل كاتب هو كاسندرا بريام.
***
في النسختين الإنجليزية والألمانية لفاوست يمثل مفستوفيلس الاقتصاد السياسي، فهو يقدم الملكية والسلطة لكل من يبيع روحه، وقد انتقل الاقتصاد السياسي إلى فاوست فاستخدمه اسوأ استخدام. وماتزال هذه المقايضة سارية المفعول حتى أيامنا هذه. لكننا في النسخة الفرنسية لفاوست التي كتبها بول فاليرى في القرن العشرين نلاحظ شيئاً جديداً، وهو أن من يتحكم في الصفقة لم يعد الشيطان بل الإنسان، فقد شعر مفستوفيلس أنه خدع، فكل من اتفق معه ضحك عليه. كان الانسان قد تمكّن من فن الاقتصاد السياسي، صار يصنعه بيديه ولم يعد بحاجة إلى معين كمفستوفيلس، فكل اقتصادي صار أمهر منه، فبدلاً من أن يعقد صفقة معه صار يعقد الصفقات مع بني البشر، فالثروة لم تعد وليدة الحظ بل صارت لها طرق لانتاجها، الحظ يقتصر على تبديدها وليس على صنعها، وهذا ما عزز دور الإنسان الاقتصادي وجعله يستغني عن مفستوفيلس الذي ظهر لنا في النسخة الفرنسية مسكيناً مغلوباً على أمره. لقد تجسد مفستوفيلس وحلّ فينا، وهي خطوة جديدة في الحياة الاجتماعية التي مالت إلى المادة وانجرفت وراءها كلياً على حساب الحياة الروحية، قل الريفية بلغة تولستوى، تلميذ جان جاك روسو. وبهذه الخطوة انتقل الأدب الحديث من النبوءة إلى الإدانة، من اتهام الاقتصاد إلى اتهام الاقتصادي، فكأنه استعار لسان كاسندرا، بعد أن ترجم لغتها ترجمة تنسجم مع العصر الحديث العاصف، ولو قارنا بين الموقف الأدبي في النصف الثاني من القرن العشرين وبين موقف كاسندرا لهالنا هذا التطابق الكبير. كل ما في الأمر أن الحياة الآن صارت أشد قتامة وتعقيداً، حتى أن الإنسان لم يعد يعرف نفسه، ففي مسرحية يونسكو "المغنية الصلعاء" يلتقي الزوج بالزوجة فلا هو يعرفها ولا هي تعرفه، وبطريقة يونسكو المعهودة نعرف أن كل واحد منهما قد ضاع عن نفسه فضاع عن غيره وضاع غيره عنه، وليس غريباً فعندما تقفر الروح يموت الإنسان بتحوله إلى آلة تنتج المفاسد.
تميزت لغة كاسندرا بريام بالوضوح والدقة والصراحة والإيجاز والبعد عن الحذلقة والتنميق والتأكيد المتكرر على المقولة الواحدة، وهذه هي ميزات الأدب الحديث الذي عمد إلى المجابهة، تماماً مثلما كانت تفعل كاسندرا، إلا أن شيئاً واحداً كان ينقص لغتها وهو الإدانة، فقد كان عليها أن تقول لبريام أن السوء ليس في الثروة بل في استخدامها، فهو نفسه السيء الذي جلب الكارثة على وطن بكامله. وهذا ما قام به الأدب الحديث الذي صار يوجه الإدانة للإنسان نفسه، ولا يتنبأ بموته بل صار يعامله كأنه ميت بعد هذا الإيغال في مفاسد الاقتصاد السياسي.
كل ما فعلناه في هذا الحديث أننا شرحنا للقاريء لغة كاسندرا وكيف أنها اللغة التي ترجمها ويترجمها الأدب في موقفه من التطورات الحياتية. وفي الأحاديث القادمة سوف نترجم لغة كاسندرا إلى لغتنا القرعشرينية، ولا فضل لنا غير ذلك. إنها المؤلفة الحقيقية لهذه الأحاديث، ومن المعيب أن يدعي المترجم تأليف ما ترجم.
وقد قمنا بهذه الترجمة لاعتقادنا أن شيئاً في أيامنا لم يتغير عن أيام كاسندرا. صحيح أننا استبدلنا بعض الأسماء والعناوين القديمة بأسماء وعناوين جديدة، وسمينا المدن بأسمائها الحالية فلم نستخدم اسم طروادة أو مسينا أو طيبة أو غيرها، لكن ذلك لا يغير شيئاً، هدفنا "تحديث" لغتها وليس تغييرها، بل لا نستطيع تغييرها، فكيف نغير مثلاً قولها لاغاممنون: الجريمة تختبيء خلف باب القصر؟ هل نقول أن الجريمة تختبيء في مدخل الكوخ؟ من يصدقنا؟ الجميع يعرفون أن الجرائم الخفية لا ترتكب إلا في القصور، مكان إدارة الاقتصاد السياسي، وليس في الأكواخ. واليوم تقع أبصارنا على مئات القصور السامقة الباذخة التي تشاد باستمرار، فلا نستطيع أن نبتكر لها لغة جديدة، بل نتذكر لغة كاسندرا التي تذكرنا دائماً أن خلف باب كل قصر تختبيء الجريمة. يا الله ما أكثر القصور عندنا.
لقد اخترت من كلام كاسندرا الجميلة بعض الفصول وترجمتها بلغتنا القرعشرينية، وأني لفخور بذلك، مع علمي أن ما كان ينتظرها ينتظرنا نحن أيضاً، وإليه سوف نساق سوقاً... مثلها تماماً. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: الفصل الثاني مدخل إلى علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:09 pm | |
| الفصل الثاني مدخل إلى علم الاقتصاد الأدبي
عندما نسمع بمصطلح الاقتصاد الأدبي نظن أنه مصطلح بلاغي، أو أنه ترجمة للمصطلح البلاغي المشهور: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أي يقوم على التزام القواعد البلاغية، بحيث يتقن المتكلم أصول الكلام أو الكتابة من أجل تشخيص الحال بما يلائمها، من دون زيادة أو نقصان، فقد تقتضي الحال الإيجاز أو المساواة أو الاطناب، فأي اخلال بذلك يعني الإخلال بالأداء، وبالتالي الانحراف عن الهدف المنشود. ليس هذا وحسب، بل إنه يشتمل أيضاً على أصول انتقاء الألفاظ، إذ قد تكون اللفظة المناسبة في موقف غير مناسبة في موقف آخر، وقد تكون الألفاظ مناسبة إلا أن التركيب غير مناسب... ومع ذلك نرى أن الأساليب تتغير وتتبدل من عصر إلى عصر، بينما تبقى البلاغة كما هي.
علم الاقتصاد الأدبي لا علاقة له بالبلاغة، لأن البلاغة إنما تحصل عن طريق التقاليد الأدبية وليس عن طريق التعليم والدراسة أي بدخول المرء في عمق الدلالة الأدبية، وليس في القواعد البلاغية. والملاحظات التالية قد تكون مفيدة في تحديد دور البلاغة.
1- البلاغة عندما تكون نتيجة تلقين القواعد البلاغية هي بلاغة جامدة لأن الدخول إلى الأدب عن طريق بلاغي يعني تماماً تهميش الموقف الأدبي، كالدخول إلى الشعر من باب معرفة العروض، فالبلاغة كعلم تابعة لا متبوعة، فهي من العلوم الناقلة التي لا يجوز جعلها طريقاً إلى الأداء اللغوي الجميل، فالبلاغي لا يقابل الأديب. البلاغي له حرفة غير حرفة الأدب، إن كتب انتج كلاماً صحيحاً ولكنه ليس كلاماً أدبياً بالضرورة. ونلاحظ أن جميع البلاغيين في تاريخنا لم يكونوا أدباء، فالجرجاني والعسكري والقزويني وأضرابهم لم ينتجوا سلعة أدبية حقيقية. فمعرفة البلاغة لا تؤدي إلى انتاج النص الأدبي بالضرورة، تماماً مثلما أن معرفة العروض وعلومه لا تعني انتاج النص الشعري، والعروضيون كانوا نظامين ولم يبرز منهم شاعر.
2- الدخول إلى الاقتصاد الأدبي عن طريق القواعد البلاغية لا يعني تهميش الاقتصاد الأدبي وجعله تابعاً وحسب، وإنما يعني أيضاً تجميد الانتاج الأدبي وتقييد حريته وإن لفترة. والملاحظ أن الاقتصاد الأدبي هو ابن التقليد الأدبي ولكنه ليس ابن القواعد البلاغية. فالتقليد الأدبي هو النشاط الحر الناجم من الموقف الأدبي، فأنت عندما تجعل الآثم ينال جزاءه إنما تتبع تقليداً أدبياً لا تستطيع أن تغيره وإلا سقط أدبك ولم يأبه به أحد. أما كيف تجعل الآثم ينال جزاءه فهذا لا قاعدة له وإنما متروك للنشاط الفني الابتكاري الحر. ولا شك أن البلاغة -في التحليل الأخير- هي خلاصة التأملات في الفن الأدبي، ولكنها على يد المتحمسين المندفعين انقلبت إلى قوالب جامدة، وفقدت صلتها بالعلاقات الميثولوجية التي تحدد الأدب، والتي هي أصل اللغة والبلاغة والأدب.
البلاغة تسير في الطريق المعاكس، أي تقدم القاعدة وتطالب الضرب عليها ضرباً، على النقيض مما يطالب به التقليد الأدبي، الذي ينبع من موقف أدبي إنساني عام ذي أصل ميثولوجي لا يمكن مخالفته، كما لا توجد قاعدة متبعة، فأنت حر في اتباع آلاف الطرق للتعبير عن هذا الموقف الذي ترى نفسك منساقاً إليه بطبيعتك. إن الروائي الذي يعاقب الآثم إنما يفعل ذلك من تلقاء ذاته، وعندما لا يعاقبه، بل يدعه يرقى في سلم النجاح فإنه يدفعه إلى النجاح المعكوس، أي النجاح الذي يثير سخطنا ويجعلنا ناقمين على الكاتب نفسه، ونسرع فنعلن فشله على الملأ. من يفرض على الكاتب معاقبة الآثم؟ لا أحد سوى التقليد الأدبي.
من هذا التقليد العفوي تنشأ البلاغة الحقيقية. أما القواعد البلاغية فلا تنشىء أدباً، بل إنها تسهم في تجميد أساليب الأداء فيرى المنتجون الأدبيون أنفسهم وقد وقعوا في أشراك الكليشيهات والتعابير الجاهزة، فنحن مثلاً نقول ارتعدت فرائصه، وقلما استخدمنا تعبيراً جديداً من أمثال: تراءى له قلبه وهو يرتجف، أو شعر كأنه تمثال من جليد... أو غير ذلك. إننا عندما ندخل الانتاج الأدبي عن طريق البلاغة نكون وافقنا مسبقاً على التخلي عن حرية التعبير التي هي الشرط الأساسي للانتاج الأدبي وابراز التقليد الأدبي لا إعادته كما هو. إننا دائماً موجودون في قفص التقليد الأدبي، لأنه تقليد أخلاقي، لكن حرية التعبير هي التي تعيد هذا التقليد ضمن ما يسمى الجديد. والبلاغة لا تسهم في هذا التجديد، فهي دائماً تطفو على السطح ولا تغوص إلى عمق العملية الفنية.
3- البلاغة مرتبطة بالسفسطة، أي باللغو الكلامي، فحتى الآن لم نعرف سفسطائياً إلا كان ضليعاً بعلم البلاغة، بل إنه يستخدم هذا العلم لا لانتاج النص الأدبي، بل لإظهار البراعة وقوة المناظرة وحسب. فلا غرابة مثلاً إذا أيّد شيئاً هنا ورفض شيئاً هناك لا يختلف عن الشيء السابق في شيء، ولا غرابة في اتخاذ موقفين من ظاهرة واحدة. وقد اشتهر الإغريق بالسفسطائيين من أمثال سقراط وهيباس وبروتاغوراس وغورجياس... الذين برعوا في التلاعب اللفظي باعتماد البلاغة لتأييد فكرة مغلوطة أصلاً... فإذا نظرنا في أقوال سقراط - وهي الأوفر لدينا- لم نخلص إلى شيء. إنه يناقش في العدالة أو القانون أو الخير أو الجمال... ولكنه لا يوصلنا في النهاية إلى تحديد العدالة أو القانون أو الخير أو الجمال. إنه يستخدم البلاغة للغوص في السلبيات وليس للغوص في التحديات الإيجابية. وقد وصل الأمر ببروتاغوراس إلى نفي وجود الأشياء بتلاعبه البلاغي وتفتيقه اللفظي.
أما الأدب فمهما اعتمد على الفنون البلاغية، وحتى لو غدا كليشيهات جاهزة في أساليب الأداء اللغوي فإنه لا يصل إلى هذه الدرجة المتمحلة والمصطنعة، فلا يجوز أن يتجه إلى البلاغة كغرض مقصود لذاته. ولعل المقامات في الأدب العربي مثال بارز في هذا الصدد، فما كان منها ناحياً نحواً بلاغياً نجح في التنميط اللغوي وفشل في الأداء الفني، فالمسألة هنا أبعد من مسألة الصح والخطأ، إنها مسألة كيفية التواصل مع الآخرين، ومدى قبولهم لما نقول. لقد قدم الإغريق بسفسطتهم البلاغية نصوصاً إدهاشية، أي تقوم على الإدهاش، ولم يقدموا نصوصاً أدبية، والنصوص الإدهاشية لا تحترم التقليد الأدبي، بل لا تحترم أي تقليد.
ونعتقد أن سبب ذلك هو انجرافهم وراء الاقتصاد السياسي وليس وراء الاقتصاد الأدبي، فكلهم -عدا سقراط وبعض تلاميذه- كانوا يبيعون قدرتهم البلاغية، أي يعلمونها لقاء مبالغ متفق عليها. وهذا الموقف جرهم إلى المزيد من الاصطناع البلاغي والإيغال فيه، فقد خضعوا للسوق الاقتصادية وليس للسوق الأدبية التي لها قوانين مختلفة. ونظن أن هذا الإيغال هو ما أفقد البلاغة وهجها في العصر الحديث، فأخضعها النقد الأدبي لدراسات عادت بها إلى أصلها الميثولوجي، ولم يعد لتلك الفروع الكثيرة التي انتهت إليها البلاغة أي أهمية بالنسبة إلى الكاتب المعاصر، فقد غدت كالجداول اللوغارتمية، من غاص فيها ضاع ضياع الطفل في جرن معمودية فلورنسا، كما يقول دانتي.
الأدب وليد الفطرة، ينمو ويتطور وفقاً لأنماط الفطرة هذه، من غير قسر ولا فرض، ولا تقعيد جامد. بلاغة الأدب مستمدة من طقوسيته الميثولوجية التي تتنامى باستمرار وتتجدد كل يوم، من غير أن تتخلى عن الجذور الأولية التي تعتبر أساساً لا يمكن التخلي عنه، لا لأنه يفرض نفسه، بل لأنه منطلق كل بلاغة أدبية، فالسفسطة البلاغية في الأدب انتحار.
لقد أدت السفسطة البلاغية لدى البنيويين الفرنسيين إلى نتائج لم يقبل بها قسم كبير من المختصين، بل أن بعض الذين انتهوا إليها طفقوا يتراجعون عنها ويعيدون النظر فيها، وعلى الأخص في بعض اطروحاتها كموت المؤلف وموت النص. وهذا يدل على أن الغوص في بلاغة القول بعيداً عن مرجعيته الميثولوجية قد يؤدي إلى مثل هذه النتائج، في حين أن ربط الإنتاج الأدبي بهذه المرجعية مثمر النتاج، من غير ما حاجة إلى التقعيدات البلاغية المتشعبة، فالفن الأدبي ليس بلاغة إلا بمقدار ما تصدق البلاغة في حملها الينبوع الميثولوجي الأدبي، وإلا فإن الطغيان البلاغي يحرف الإنتاج الأدبي عن مساره ويغير من استراتيجيته.
4- ثم إن البلاغة تحاول أن تحدد ما لا يحدد. فهي تزعم مثلاً أنها علم مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع أن الحال لا يمكن تقديرها من قبل البلاغة، وبالتالي فإن البلاغة لا تستطيع أن تحدد مقدار الكلام المناسب لمقتضى الحال. وقد يوضح المثال التالي ذلك:
لنفرض أن ثلاثاً من الأمهات استيقظن صباحاً فوجدن أطفالهن يعانون من ارتفاع حرارة، ولا شيء آخر سوى هذه الحرارة. فهل يكون رد الفعل الكلامي واحداً؟... لا نعتقد ذلك، فقد تكتفي إحداهن بصرخة، وأخرى بدعوات لله والنبي ورقية على الرأس، وثالثة تفضل استدعاء الطبيب. إذا رفعنا العدد إلى ثلاثة آلاف أو ثلاثة ملايين امرأة، نحصل على زمر من ردود الفعل، وليس على رد فعل واحد، فأين مطابقة الكلام لمقتضى الحال؟
والمثال ذاته ينطبق على الأدباء، فقد يتريث أديب عند مشهد يمر به غيره مروراً عابراً، فما يحدد مقتضى الحال ليس القواعد البلاغية، بل النفس البشرية. وهذا يدل أن البلاغة هي علم الجزئيات لا يمكنها أن تحيط بالفلز الأدبي. إنها تصفه بتشعباته وفروعه ولكنها لا تفسر لنا سبب استمرارية التقليد الأدبي كمرتكز لكل اقتصاد أدبي. فالقول ان البلاغة هي علم مطابقة الكلام لمقتضى الحال نوع من السفسطة التي تشتمل على مغالطة داخلية، وهذا ما جعل البلاغيين يظنون أن الأدب هو علم الكلام فراحوا يحددون "الأصول" في الألفاظ والبدايات والخواتيم والتقديم والتأخير وأنواع الأفعال والأسماء. وقد وصلت البنيوية الفرنسية إلى الطريق المسدود مثل البلاغيين العرب الذين ساروا في هذا المنحى.
ثم إن بلاغة التعبير لا تنحصر في بلاغة الكلام، لأن هذه البلاغة تابعة للشغل الميثولوجي لانتاج الأدب، حتى أن بعضهم تطرف وصرح بأن كل كتابة هي خلق ميثولوجي، واللغة على أهميتها هي جزء من الدلالات الأدبية، وإلى جانبها كثير من الدلالات، وإلا كيف نفسر أن الأدب الإيمائي الذي ينتعش في هذه الأيام لم يفتقد الدلالات على الرغم من افتقاده اللغة؟
هناك تشبيه ناجح لبرغسون في كتابه "منبعا الأخلاق والدين" حول الثابت والمتغير استمده من النباتات النهرية، فكثيراً ما تنمو هذه النباتات من قاع النهر بساق طويلة باسطة أوراقها على سطح الماء الذي يحركها حسب اتجاهه، فتبدو لنا متحركة وهي ثابتة. فالكلام هو ظاهر الأدب ولا يجوز لنا الاقتصار على التوصيف السطحي. لا بد من المتابعة للوقوف على المرجعية الأساسية للأدب حتى تستقيم الأمور، وعندها يكون للبلاغة معنى آخر يطرح عنها تلك التراكمات الأجرومية المرهقة.
*** _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:09 pm | |
| بعد هذا التحديد للعلاقة بين الأدب والبلاغة ننظر في عناصر الاقتصاد الأدبي: الفلز الأدبي والواقع الاجتماعي والأنماط الأولية، ثم الصياغة الفنية والحرية.
هذه هي أهم عناصر الاقتصاد الأدبي، ولكن قبل الخوض بها نتريث قليلاً عند هذا المصطلح لنبين أهميته ودوره في الحياة والرابطة الاجتماعية والانتاج المادي.
قد نظن للوهلة الأولى أن الاقتصاد الأدبي مقتصر على الأدب ولا علاقة له بالحياة والرابطة الاجتماعية والانتاج المادي، مع أنه ذو علاقة وثيقة، فهو ليس تسلية ولا تزجيه لأوقات الفراغ، بل هو وسيلة من وسائل دفاع الإنسان عن نفسه وتحفيز قواه الروحية وتحويل العمل إلى نوع من الفرح وتمكين الإنسان من النظر إلى الآخرين بروح الرضا والمغفرة وتجاوز السيئات... وفي هذا ضابط للإنتاج المادي فلا يداخله الاستغلال والاستثمار والشهوات الذئبية. واليوم إذ يعمل الاقتصاد السياسي على إفساد الناس ودفعهم إلى التنافس المميت، نرى الاقتصاد الأدبي يعمل على تجنب قوانين الاقتصاد السياسي المدمرة، ويقيم نوعاً من العلائق السليمة، التي لو توافرت لابتعد المجتمع عن فوضى الانتاج ومضاربات السوق وهدر الطاقات.
سلطة الاقتصاد السياسي مستمدة من الجهاز المالك/ الحاكم، أما سلطة الأدب فمستمدة من القاعدة الروحية الواسعة للمجتمع، وأقصد بالقاعدة تلك الطبقات المبعدة عن مباذل الاقتصاد السياسي. إن الاقتصاد الأدبي يفعل فعله بصمت وهدوء، وعلى المدى الطويل. ربما تمر أجيال وأجيال على الناتج الأدبي من غير أن يفعل فعله ومن غير أن نلحظ له تأثيراً، ولكن لا بد من أن يؤثر في المجتمع فيوقف على الأقل الأنهيار الذي يدفعه إليه الاقتصاد السياسي. إنه غير مدعوم بقرارات وإجراءات رسمية كالاقتصاد السياسي، بالإضافة إلى أنه يفتقد إلى القوة المادية، فانتاجه روحي وإن انعكس على النشاط المادي.
سلطة الأدب تكون بإشاعة جو من الرهافة بعيداً عن الجو المشحون الذي يخلقه الاقتصاد السياسي. إن الأخلاق الأدبية هي التي تدفع الناس إلى التعاون في الجائحات والأزمات وليس الاقتصاد السياسي الذي يسببها، ولولا هذه الأخلاق لما استطاعت الهيئة الاجتماعية التغلب على الصعوبات أو التخفيف منها. وكلما تقلصت الأخلاق الأدبية امتدت واتسعت وسادت أخلاق الاقتصاد السياسي القائمة على شريعة الشهوة الذئبية، التي تجعل الملكية محركاً أولياً لكل حياة البشر كأنهم لم يخلقوا إلا ليتملكوا.
يرمي الاقتصاد الأدبي إلى السيطرة على المادة لا السيطرة بالمادة، فهو يخاطب الروح الإنسانية لتترفع عن الصراع المادي، بغية الخلاص من الجرائم التي جرها الاقتصاد السياسي. إنه يدعو إلى ملكية القناعة مقابل ملكية الجشاعة التي يدعو إليها الاقتصاد السياسي. إنه يدرك أن الاضطراب في المجتمع مرده إلى الناحية المادية، ويرى أن هذا الاضطراب الشنيع لا ينتهي إلا إذا قامت الأخلاق الأدبية مقام الأخلاق المادية. قد يتحدث عن الملائكة والعالم العلوي ويصف الشياطين والعالم السفلي وقد يستخدم الجن والعفاريت, لكنه في المحصلة يرمي إلى إقامة علاقات روحية توجه وترشد العلاقات المادية. ومن دون هذا التوجيه لا يمكن الخلاص من ربقة الاقتصاد السياسي القائم على الاستغلال وإذلال الكرامة الإنسانية. وقد عرفت البشرية عصوراً ساد فيها هذا الاقتصاد فعرفت السلام والقناعة وفرح العمل، لا الحرب والجشع وحمى التنافس.
كل مجتمع يتطور فيه الاقتصاد الأدبي، ويزداد عدد المستهلكين، يميل إلى التوازن ويتخلص من معظم العقابيل التي يخلقها الاقتصاد السياسي ذو السطوة والسيطرة على السوق الاستهلاكية، ويتوقف هذا على نسبة الاستهلاك الأدبي. وقد لوحظ أن البلاد التي يحقق فيها الاستهلاك الأدبي بنسبة عشرين بالمئة تميل إلى التوازن. وفي بلادنا لا تتجاوز نسبة الاستهلاك الأدبي نسبة 0.045 بالمئة، فنحن مقصرون جداً في هذا المضمار. وقد لوحظ أيضاً أن الأحياء التي يزداد فيها الاستهلاك الأدبي تخلو من وطأة العلاقات الاجتماعية الشائهة. ولا علاقة لهذه الأحياء بالمستوى المادي، إذ ليس من الضروري أن تكون من الأحياء الغنية، وإن كانت الأحياء المتوسطة هي الأغلب. وعندما يمر المستهلكون الأدبيون بالأحياء الغنية يقولون جهارة انها أحياء الجرائم والمفاسد الصامتة، فهي المسؤولة عن انهيار العلاقات الاجتماعية في كل طبقات المجتمع.
في رأي الاقتصاد الأدبي أن السلعة المادية تبدأ بالروح قبل أن تخرجها اليد والآلة إلى السوق. وهي تحمل صفات هذه الروح معها فإن كانت روحاً طيبة فإنها سلعة مفيدة وطيبة، وإن كانت روحاً خبيثة فإنها سلعة ضارة ومفسدة. الروح هي التي تحمّل السلعة رسالتها: تنزل إلى السوق لسد حاجة وتعود بربح الكفاية، أم تنزل لتستغل الحاجة من أجل سرقة ما في الجيوب أو منافسة ما في الأسواق أو تدمير خصوم أو فرض سلطة أو استغلال ندرة أو إنشاء مملكة الثروة؟
وهذه الروح لا تنشأ إلا من الأخلاق الأدبية، أي من الاستهلاك الأدبي الواسع والعميق. انظر إلى أحياء المدينة: إنها تخضع لاقتصاد سياسي واحد ودستور واحد وأنظمة واحدة، ولكنها تختلف باختلاف الاستهلاك الأدبي، فالأحياء التي يدخلها الكتاب -أقصد طبعاً الكتاب الأدبي لا أي كتاب- هي الأرقى والأهدأ، هي الأرقى أخلاقاً والأهدأ اجتماعاً والأوثق علاقات. وعندما تدخل الروح الأدبية في عملية الانتاج المادي فإنها تغير من هدف هذا الانتاج بالقضاء على جرثومة الاقتصاد السياسي، وهي الشهوة الذئبية النهمة التي لا تعرف قناعة ولا تشعر بشبع، أو كما يقول انجلز " نزع روح الاستغلال من السلعة" إن السلعة المادية لا تعرف الانحياز ولا تعي هدفها. إنها حيادية ولكننا نحن الذين نحملها الرسالة ونطلقها لتكون حملاً أو ذئباً، لتكون لنا أو علينا، لتكون معمّرة أو مدمّرة. وكل محاولة خارج هذا الإطار لا معنى لها ولن تؤدي إلى نتيجة مرغوبة. وهذا هو منطلق دعوتنا إلى ضرورة توطيد ما سميناه "علم الاقتصاد الأدبي" الذي يؤدي إلى غايات إنسانية كبرى والذي يحول السلعة إلى معادلة إنسانية.
بعد أن بينا أهمية العلم الذي ندعو إليه في توجيه الانتاج المادي ننتقل إلى مناقشة أهم عناصره، وهي عناصر متآزرة، نفصل بينها من باب التبسيط: _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: الفصل الثالث موجز تاريخ الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:10 pm | |
| الفصل الثالث موجز تاريخ الاقتصاد الأدبي
يجعل الاقتصاد السياسي تاريخ البشرية مقسماً إلى خمس تركيبات اقتصادية سياسية هي المشاعية فالعبودية فالإقطاعية فالرأسمالية فالإشتراكية. ويضع لكل تركيبة خصائصها المادية التي تستحضر أوتوماتيكياً، أو بالتدريج، البنية الفوقية الخاصة بها، ويدرس أدوات الانتاج وطريقة انتاج كل مرحلة على حدة، زاعماً أنه يضع يده على مفاتيح التطور والتقدم. ولا أعلم ما الجدوى من هذه الدراسة مادامت العلة قائمة في كل التركيبات. فما الفرق بين القمع الإشتراكي والقمع العبودي؟ ما الفرق بين التجويع الرأسمالي والتجويع الإقطاعي؟ ما الفرق بين رفيق يسرق جمهورية كاملة من جمهوريات السوفيات وملك قديم يجعل مملكته ملكية خاصة له؟ ما الفرق بين سجن شيد بالحديد وسجن شيّد بالطوب المشوي؟ ما الفرق بين العاطلين عن العمل في أكبر الدول الحديثة وأسرى الحرب المهملين في مقالع الأحجار؟ ماالفرق بين احتكار السلاح الذري اليوم واحتكار أدوات الحرب والقمع بالأمس؟
الاقتصاد الساسي ليس علماً وليس مذهباً إنسانياً. إنه "رقية" كهنوتية تعلمنا كيف نملك وكيف نتاجر وكيف نفرض إرادتنا على غيرنا. إنه كتاب لتعليم فن السرقة واضطهاد الآخر، إنه مذهب بلا محبة، فلابد من النضال لفضحه وإظهار مدى تهافته، وابتعاده عن القلب البشري، مرجل الانتاج الأدبي، بل مرجل التنظيم الإنساني الحقيقي، شريطة أن يكون نظيفاً من أي نزوع إلى الملكية الاستلاطية.
لقد أخذ الاقتصاد السياسي مقولاته التاريخية من الاقتصاد الأدبي، ولكنه أطلق عليها أسماء جديدة، وجعلها تسير بعكس مقولات الاقتصاد الأدبي. وبدلاً من أن يفضح الوسائل الجديدة والخطيرة للحيازة راح يطريها ويحللها ويعلمنا طرائقها، بل يرى في كل وسيلة جديدة خطوة تقدمية في تاريخ البشرية، فلا عجب إذا هلل لاختراع الذرة واعتبرها أعظم تقدم في تاريخ البشرية، بينما شكك الاقتصاد الأدبي فيها ورآها كما رأى غيرها وسيلة بيد الأقوياء لبسط السيطرة واحكام الهيمنة. إن شرط الاقتصاد الأدبي هو نظافة القلب البشري، فمن غير هذه النظافة فإن كل "خطوة" هي خطوة نحو الهوة. وكل إنتاج بعيد عن نظافة القلب البشري هو إنتاج ضار، فلو أنتجت الأجهزة الحديثة آلاف النسخ من المسيح المسالم لاستخدمت هذه النسخ استخداماً مضاداً لبني البشر مثلما استخدمت الكنيسة الغربية النسخة القديمة للمسيح من أجل شن الحروب الصليبية وإقامة محاكم التفتيش وفتح أميركا...
السؤال المحرج للاقتصاد الأدبي هو: هل يمكن الحصول على قلب نظيف حتى نبني عليه استراتيجية مختلفة عن استراتيجية الاقتصاد السياسي؟... سنحاول الإجابة في غير هذا البحث.
إن الاقتصاد الأدبي يرى أن تاريخ البشرية يسير من التقدم إلى التخلف على الضد مما يراه الاقتصاد السياسي، ولهذا يرى أن العصر الذهبي يقبع وراء البشرية وليس أمامها، كما يريد إيهامنا الاقتصاد السياسي. فالبشرية بعد هذا العصر انتقلت إلى العصر الفضي فالبرونزي، وهي الآن في العصر الحديدي.
وإذا كان لابد من أن نشير إلى تركيبات أو مراحل تاريخية للاقتصاد الأدبي، فإنها موجودة منذ القديم جداً، وردت على لسان بروميثوس، وهي العصور التي أشرنا إليها، والتي كررها بعد بروميثوس كثير من الشعراء والأدباء، من هزيود في "الأيام والأعمال" وحتى ادغار آلن بو في قصيدته "الأجراس". وهي عقيدة أدبية راسخة يؤمن بها كل المنتجين في الاقتصاد الأدبي في كل أنحاء المعمورة. وقد أخذوا هذه العقيدة عن بروميثوس، كما أخذوا نبوءاتهم من كاسندرا بريام، فالعقيدة الأدبية هي بنت الأسطورة وحدها، والنبوءات هي بنت الصدق وحده، الذي مارسته كاسندرا اقتداء ببروميثوس. والأسطورة تمثل النظرة الواقعية، واقعية الأحلام البشرية، لذا فإن النبوءات التي تصدر عنها تكون دائماً واقعية وتتحقق لأنها تقيس الواقع بمقياس المثال، فتلمس خلله، وتحكم عليه سلفاً بالفشل مادام لا يسير باتجاه المثال، فكل نبوءة كارثة.
العقيدة الأدبية بسيطة جداً، شرحها بروميثوس في نبوءة عجيبة وفريدة من نوعها. وقد ظهرت هذه العقيدة عندما انحاز بروميثوس إلى البشر، مع أنه من الأسرة المقدسة، فهو إله من الآلهة الأولمبية، إلا أن الآلهة ناصبوه العداء، وبالأخص زيوس كبير الآلهة الذي كان يسعى إلى تعزيز هيمنته، لكن الإنسان وقف معه، فالذي فك قيوده هو هرقل الذي كان إنساناً وإن كان نصف نسبه يرجع إلى كبير الآلهة.
قبل ظهور بروميثوس لا تجد تاريخاً للاقتصاد الأدبي، لأن المصالحة بين الإنسان والطبيعة كانت هي السائدة. لكن إصرار زيوس على إفناء البشر ووقوف بروميثوس إلى جانبهم هو الذي جعل الاقتصاد الأدبي يخضع للتطورات، بعد أن ولى العصر الذهبي، وتلته العصور الأخرى: الفضي والبرونزي والحديدي، في انحدار لكل القيم البروميثية.
نحن نحترم بروميثوس لأنه -كما هو شائع لدينا- سرق النار الالهية وقدمها للإنسان فطار صواب زيوس ودعا المجمع الأولمبي إلى الانعقاد وحكم على بروميثوس بالصلب على جبل القفقاس فكان أول فاد يبذل جسده من أجل البشر. لكن الحقيقة شيء آخر مختلف كل الاختلاف، فسرقة النار كانت ذريعة اتخذها زيوس لإدانة بروميثوس. أما السبب الحقيقي فله قصة خفية حاولت الآلهة إخفاءها عن البشر حتى لا تشد من عزائمهم، وحتى لا تتمسك بربها الفادي الذي بذل نفسه من أجلها، بل إنها حاولت تشويه سمعة الرب الذي علمنا خلاص النفس.
تبدأ القصة منذ أن حارب الآلهة المشرقون تلك الطياطين الشريرة التي كانت تريد القضاء على كل حي في الكون من نبات أو حيوان أو إنسان. وقد انضم بروميثوس إلى الآلهة وحارب إلى جانبهم تلك القوى الطبيعية المدمرة التي خلقتها الطبيعة مع الآلهة في آن واحد. وبعد انجلاء المعركة وتقييد تلك الملخلوقات في قاع الهوة (كوستوس) تنبأ بروميثوس بأن الصراع سوف ينشب بين أعضاء الأسرة المقدسة ذاتها. وبروميثوس كلمة تعني الفكر المتقدم، أي الذي يرى المستقبل. وبالفعل فقد اقتتلت الأسرة المقدسة إلى أن نجح زيوس في إزاحة أبيه عن العرش واعتلاء سدة الأولمب، بعد أن تزوج من هيرا التي كانت نصيراً كبيراً له ولحكمه.
بعد أن استتب الأمر لزيوس وصار السيد المهيمن الذي لا يستطيع أن يقف في وجهه أحد، التفت إلى حياة البهجة واندفع وراء ملذاته وقد اطمأن إلى أنه لا منافس له، فأكل الأمبروز وشرب النكتار، بل اختطف غلاماً جميلاً من بني البشر هو غانيميد ليكون ساقيه في الأولمب، لكن زيوس ظل يشعر بالرغبة في معرفة المستقبل. وهذه المعرفة لا يملكها سوى بروميثوس، الفكر المتقدم، فزاره سراً واستنطقه... ونطق بروميثوس فأطار صواب زيوس. قال له: سوف يزول حكمك في أواخر العصر الحديدي، وهو العصر الذي يأتي بعد انصرام العصور الذهبية والفضية والبرونزية. وهذه العصور هي التركيبات التاريخية أو المراحل التاريخية التي تتراجع باستمرار في عرف الاقتصاد الأدبي.
- من يستطيع أن يقوم بأعمالي العظيمة حتى يحل محلي؟ سأل زيوس مستنكراً.
- عندما يستطيع أن يقوم بأعمالك فسيحل محلك. أجاب بروميثوس.
- من يملك سلاحاً مثل سلاحي؟ إنني أملك الصاعقة وبضربة واحدة أستطيع أن أدمر الأرض والقمر وأن أقضي على كل الأعداء كما فعلت بالطياطين ودفعتهم إلى الهوة السحيقة في أعماق الأرض، إلى كوسيتوس.
- سيأتي يوم في أواخر العصر الحديدي يظهر فيه سلاح يدمر الأرض ويدمر الأولمب. إنه سلاح يعرف سر الأشياء فلا يبقى باب في وجهه مغلقاً. وبهذا السلاح سوف ينتهي حكمك.
- ومن سوف يحوز هذا السلاح؟ _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:10 pm | |
| هنا صمت بروميثوس ورفض أن يسمي ذاك الذي سوف يحل محل رب الأرباب زيوس. فعرف زيوس أن البشرية هي الخصم الأكبر له وأن السلاح سوف يظهر فيها، فعمد إلى إذلال البشرية لتبقى قطيعاً يركع ويصلي له ولبقية الأرباب. وكان دائماً يطرب لكل الطقوس التي تقام له ولكل الأضاحي التي تقدم للآلهة.
كتم زيوس أخبار ما دار بينه وبين بروميثوس عن الآلهة، فلم يرغب في إفشاء نبوءة بروميثوس حتى لا يتجرأ أحد من الآلهة على التمرد. وبذل جهده لمعرفة خليقته فلم يبح له بها بروميثوس، الذي كان يعرف أن "العلم" سوف يمتلك أسلحة جبارة تقضي على سلطة زيوس، ولكنها ستكون وبالاً على البشرية إن لم تحسن توجيهها، وإن لم تسترشد بربات الفنون، فالعلم سوف يتقدم تقدماً جارفاً في أواخر هذا العصر الحديدي المشؤوم، وسوف يكون مدمراً إن لم يرشده القلب النقي.
منذ ذلك التاريخ نشب الصراع بين الآلهة والبشر. فقد كان الإنسان خنوعاً يقدم الأضاحي لزيوس والأولمب من غير أن يذوقها. لكن بروميثوس علّم الإنسان ما لم يعلم، علمه كيف يقاسم الآلهة هذه الأضاحي، فجعل الضحية قسمين: قسم كلّه لحم ومغطى بجلد، وقسم كله عظام ومغطى بطبقة من الدهن. وقد اختار زيوس القسم الثاني لاعتقاده أنه القسم الذي يليق بالآلهة ولكن سرعان ما عرف الحقيقة وكشف الخديعة ودور بروميثوس فيها فكظم غيظه وحفظها لبروميثوس منتظراً الفرصة السانحة لإخضاعه وانتزاع السر من صدره.
جاءت الحادثة الثانية لتدل على عناد بروميثوس، فقد عزم زيوس على إغراق الأرض بالطوفان ليهلك البشرية المناوئة بحجة أنها تكفر بالنعمة الآلهية، فلا يبقى منها مخبر. لكن بروميثوس علّم ابنه ديوكاليون كيف يصنع فلكاً كبيراً ويحمل عليه زوجته وأهمّ مستلزماته، ففعل كل ذلك، وزيوس لا علم له، إذ كان يشرب الخمرة من يد غانيميد في الأولمب وهو ينظر إلى البشرية تفنى. وبعد تسعة أيام نجا ابن بروميثوس في فلكه الذي استقر على قمة البرناس، وهي القمة الوحيدة التي لا تصل إليها مياه الطوفان ولا سلطة الآلهة، وهذه أهم نقطة مشرقة في تاريخ الاقتصاد الأدبي، فلنقف عندها قليلاً لأنها تشكل صلب العقيدة البروميثية.
لقد رسا فلك ديوكاليون على قمة البرناس، لا على قمة أرارات ولا في أي من جبال أرمينيا أو إيران، فلماذا اختار بروميثوس قمة البرناس وليس غيرها؟
لقد اختار بروميثوس قمة البرناس لأنها القمة الوحيدة التي تستطيع الحفاظ على رقي البشر، وفيها الوسيلة الوحيدة لخلاصهم. فماذا فيها؟
فيها ربات الفنون إلى جانب آلهة الحكمة والخمرة من أمثال أبولو وأثينا وديونيسوس. وهذه هي المتلازمات الثلاث لخلاص بني البشر: الفن والحكمة والخمرة، أي مهارة اليد والعقل والقلب. أما ربات الفنون فهن تسع يمثلن الفنون التسعة التي لم تستطع البشرية أن تزيد عليها فناً جديداً ولا أن تحذف منها فناً واحداً. وكل هذه الفنون يمكن جمعها تحت كلمة "الأدب" فيكون البرناس هو القمة الأولى في العالم التي قامت بإنتاج الأدب ونقله إلى الإنسان ليحقق خلاصه، وما كان أصدق شوبنهور عندما أعلن في العصر الحديث أنه لا خلاص للإنسانية إلاّ بالفن، وبالفن وحده، وأي تقدم في أي فرع من فروع المعرفة: علم، فلسفة، اقتصاد... سيكون مدمراً خارج مظلة الفن.
من هنا نعرف لماذا دفع بروميثوس ابنه لبناء الفلك قريباً من جبل البرناس، فهو يريد أن يكمل له عملية الخلاص، التي لا تتم أبداً من دون الوصول إلى نبع الانتاج الأدبي.
نجا ديوكاليون وزوجته بيرها من الطوفان، وعرفا من قمة البرناس كيف يكون الإنتاج الأدبي، فمنذ ذلك التاريخ والإنتاج الأدبي لم ينقطع، وبسبب تعرفهما على ربات الفنون أعادا خلق البشرية من الأرض إذ ألقيا بحجارة خلفهما فنبتت الأرض البشر مرة ثانية، فالفن واقعي مهما تعددت مذاهبه لأنه سلاح الخلاص بيد الإنسان.
نحن من سلالة بروميثوس الذي انحاز إلى جانب الإنسان وعلمه ما لم يعلم، بل يكفيه أنه علمه الفن وسيلة للخلاص. ولكن البطن بستان كما يقولون في الأمثلة الشعبية، فلا غرابة إذا اختلفت المواهب الفنية لدى البشر، وإن كانت في تلك الأيام متقاربة.
نتساءل: لو أن الإنسان نجا من الطوفان ولم يرس الفلك على قمة البرناس، ولم يطلع على أصول الإنتاج الأدبي، فماذا كان يحصل له؟
ربما يبقى جنسه مستمراً ولكنه استمرار الوحشية مادام بعيداً عن الأدب والإنتاج الأدبي، فحتى يكون إنساناً حقاً لابد من أن يمتلك وسيلة الخلاص الخاصة بالإنسان وحده: الأدب.
يبدو أننا انسقنا وراء نقاش أهمية الأدب للإنسان وكيف رفعه فوق مستوى البهيمة، ونسينا تاريخ الإنتاج الأدبي الذي هو تاريخ الصراع بين الأدب والقوى الأخرى المناوئة له، القوى التي تشد الإنسان إلى الحيوانية ومنها الاقتصاد السياسي، فلنعد إلى ما كنا فيه.
لم يستطع زيوس بقواه الغاشمة أن يقضي على الإنسان. طاش صوابه بعد أن علم كيف حط الفلك على قمة البرناس واكتسب الإنسان وسيلة الخلاص. غيّر من خطته، فلم يعد ناوياً على تدمير البشرية، بل جعل همه يتركز في إبعادهم عن التقدم فحرمهم من النار المقدسة، فما كان من بروميثوس إلا أن سرق النار وقدمها للإنسان الذي أحرز بها تقدماً كبيراً وصار يرى الكون رؤية أوضح.
هنا ثارت ثائرة زيوس فجمع البانثيون الأولمبي وألقى خطبة رنانة أدان فيها بروميثوس زاعماً أنه علّم الإنسان ما لم يعلم مما جعله يتمرد على الآلهة ويستخف بها ولا ينصاع لأوامرها. أين أولئك البشر الذين كانوا يركعون وهم يرتعدون مبتهلين للآلهة أن تسعفهم؟ لقد تغير البشر وصاروا ينتجون الأدب وهو إنتاج كان خاصاً بالآلهة يوم لم يكونوا يعرفون العداء ولا الحقد... وطالب في نهاية خطبته بصلب بروميثوس على جبل القفقاس وتسليط نسر ينهش كبده نهاراً لينمو ليلاً في عذاب أبدي مرير.
لماذا أخضعه للعذاب فقط؟ لينزع من صدره السر فيعرف من سيحل محله. لقد أخضعه للعذاب لانتزاع المعلومات كما تفعل أجهزة المخابرات في عالم اليوم. لم يدفع به إلى الهوة "كوسيتوس" لأنه يريد أن يعرف ذاك الذي سيطيح به فيتجنب الكارثة. فسرقة النار كانت ذريعة. السر يكمن في معرفة اسم وريثه ومغتصب عرشه.
لكن بروميثوس ظل صامتاً إلى أن حرره الإنسان فرد جميلاً بجميل، فقد مر به البطل اليوناني هرقل واستمع لقصته فانقذه متمرداً على قوانين الآلهة. وبذلك عاد بروميثوس ليكون عوناً للإنسان.
أيقن زيوس أن مثل هذه الخطة لن تنجح، فتخلى عنها وعمد إلى خطة لئيمة تختلف عن الخطة السابقة القائمة على العنف. لقد لاحظ زيوس أن العنف لا يؤدي إلى نتيجة، فتخلى عنه ومال إلى طريقة جديدة هي تقديم إغراءات للإنسان الذي نجا من الطوفان مبرأ من عيوبه السابقة، وكثر نسله وساد الأرض، إذا ما اتبعها ضل طريقه ونسي تعليمات ربات الفنون، وانخرط في صراع محموم يقضي عليه وعلى نسله. وبذلك يعود إلى بيت الطاعة ويخضع للآلهة كما كان قديماً يوم لم يكن يعرف النار المقدسة.
جمع زيوس البانثيون الأولمبي وزعم أنه يجب أن يكافيء هذا الإنسان، لأنه مخلوق عظيم فقد أظهر بطولة فائقة أمام الصعوبات التي اعترضت مسيرة حياته، فأوعز إلى هيفستوس أن يصنع له امرأة من ماء وطين وأن يجعلها من أجمل الخلق طرا، ففعل وقدم له هذه الأنثى فسماها "باندورا" أي هدية الآلهة للإنسان. فكانت آية في الجمال والإغراء. وحمّلها صندوقاً فيه كل أنواع الأمراض القاتلة، والمغريات التي هي أشد فتكاً من الأمراض، إلا أن ابولو دسّ في هذا الصندوق شيئاً عظيماً من دون أن يعلم أبوه زيوس. هذا الشيء هو الأمل.
نصح زيوس باندورا إلا تفتح غطاء هذا الصندوق، وهو يعلم أن باندورا لن تقوى على ذلك، أنه يعرف طبيعتها، أليس هو الذي قدم المواصفات لهيفستوس؟
كان زيوس قد تصالح ظاهرياً مع بروميثوس. وعربوناً لهذه المصالحة قدم له باندورا مع صندوقها لكن بروميثوس رفضها رفضاً قاطعاً. وبما أنه يعرف أخاه أبيميثوس (الفكر المتخلف الذي لا يفكر بالمستقبل) معرفة جيدة فقد هرع إليه وسهر معه ليلة بكاملها محذراً من قبول الهدية التي عرضت عليه قبله، والتي سوف تعرض على أبيميثوس بعد ذلك. وفي تلك الليلة حدث بروميثوس أخاه طويلاً عن أساليب الآلهة في إفساد البشر عن طريق المغريات، بل قال له: إذا رفضت المرأة فارفض أيضاً صندوقها فالآلهة لا تهدي الإنسان ما يخلصه ليظل تابعاً لها.
- وماذا يحتوي الصندوق؟ سأل أبيميثوس أخاه.
- كل ما يبعد الإنسان عن البرناس، فيظل ضعيفاً جاهلاً يركع أمام القوى الغاشمة. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:11 pm | |
| أبيميثوس الذي لا يفكر بالمستقبل ما إن رأى باندورا حتى خر شاكراً الآلهة على هذه الهدية النفيسة فقبلها وتزوجها، وما هو إلا وقت قصير حتى دب الوسواس في صدر باندورا، ففتحت الصندوق لتنطلق منه الأوبئة: فيروسات من كل نوع كالطاعون والزكام والتهاب الكبد وميكروبات مختلفة كالسل وبقية الأمراض الفتاكة من كل صنف ولون، فامتلأت الأجواء بهذه الجراثيم المخيفة التي ما إن تدخل بدناً حتى تميته أو تذيقه الموت وهو على قيد الحياة.
هذه هي الأمراض التي تفتك بالأبدان، أما الأمراض التي تفتك بالروح فكثيرة جداً، وكلها انطلقت من الصندوق: الغش والخداع والكذب والتزوير والجشع والغضب والكبرياء والشهوة الذئبية التي تجعل الإنسان ينقض على الإنسان، وحب الثروة والأنانية والطيش والتهور والطمع... باختصار: إن صندوق باندورا أطلق كل ما يعادي قمة البرناس وربات الفنون. سارعت وأطبقت الصندوق ولكن لم يكن قد بقي سوى الأمل، فأطلقته.
هنا، بعد فتح الصندوق تساوى الناس من جهة واختلفوا من جهة ثانية. تساووا أمام الأمراض التي تفتك بالبدن، لكنهم اختلفوا في أمراض الروح، إذ انخدع -وينخدع الآن- قسم منهم بهذه الأمراض النفسية وظنوها سبيلاً إلى السعادة، وهو القسم الأكبر والأغلبية العظمى، وقسم لم تخدعه هذه المغريات وظل محافظاً على العقيدة البروميثية ومتمسكاً بالتقليد البرناسي في إنتاج الأدب والفن. لقد انقسم الناس إلى بروميثيين وزيوسيين.
بعد هبوط باندورا كانت الأغلبية لصالح البرناسيين، وقد استمرت هذه الأغلبية حتى القرن الثالث بعد الميلاد. وقد سعت هذه الأغلبية للتخلص من هيمنة زيوس الوحدانية فاندفعت إلى الإنتاج الأدبي والفني بغزارة وبلغت الأوج في القرن الثالث قبل الميلاد، ففي عصر بركليس مثلاً، قرر مجلس الشيوخ زيادة المبلغ الذي يدفع لكل من يحضر المسرح، وقد شجع هذا الإجراء الفلاحين الذين كانوا يهبطون من قراهم لمشاهدة المسرحيات والمباريات الأولمبية إينما أقيمت، فكانت التربية الجمالية أساساً للمواطنة حتى أن العبد كان عندما يصبح منتجاً أدبياً يمنح وثيقة الحرية من مجلس الشيوخ، ولكنه لو قدم من الإنتاج المادي ما يعادل عشرة أضعاف الثور لما حصل على وثيقة الحرية. كانوا ينظرون إلى العبد كما ننظر اليوم إلى الآلة، والانتقال من الآلية إلى الإنسانية لا يكون بالإنتاج المادي، بل بالإنتاج الأدبي والفني، أي بالانتساب إلى البروميثية. وقد ازداد الاستهلاك الأدبي ازدياداً كبيراً في تلك الفترة، فمن النادر أن تقابل يونانيا لا يعرف التراث البرناسي.
لقد كانوا واعين أن الاقتصاد الأدبي يجب أن يكون القائد والموجه لكل النشاطات الأخرى، فلم تكن الأعياد والمباريات الرياضية تبدأ إلا بعد تقديم العروض المسرحية والمنافسات الأدبية، وتعليلهم أن المرء لا يستطيع استيعاب الجمال في الطبيعة والمجتمع إلا إذا كان بروميثياً يرفض الهبات الزيوسية المغرية التي تبدو عظيمة في ظاهرها، بينما هي لئيمة في حقيقتها، فالزيوسيون لا يقدرون دور الأدب والفن ولا يفهمونهما، وإن كانوا يستغلونهما لصالحهم، سواء كانوا من الحكام أو من المواطنين. ولذلك نجد أن الحكام كلهم أو معظمهم، وإلى جانبهم الأغنياء يتمسكون دائماً بالهبات الزيوسية سراً بينما يعلنون الهبات البرناسية لاستغلالها تمتيناً لوضعهم.
في تلك الفترة كان الاقتصاد الأدبي مقياساً للمواطنة وموجهاً للنشاطات فعلاً، بل يمكن القول إنه كان يحظى بهالة من الاحترام وبشيء من القدسية. والحادثة التي وقعت لبركليس تدل على ذلك فقد كان بركليس يشاهد إحدى المسرحيات، فأراد أحد الأغنياء، وهو طبعاً من الزيوسيين، أن يهينه لأنه يقف أمام مشاريعه الاقتصادية، وكان صاحب صناعة جلدية متطورة، فداس على ثوبه وشتمه لما أصدره من قوانين تحد من مصالحه.
لم يرفع بركليس عليه دعوى طيلة وجوده في السلطة، لأنه كان يعتبر نفسه حاكماً، عليه أن يتحمل إساءة الآخرين. ولكن بعد أن ترك السلطة أقام عليه دعوى بتهمة الإساءة للفن والجماهير لأنه لم يحترم المسرح الذي كان فيه، كما لم يحترم الجمهور الكبير من المشاهدين، فهي دعوى باسم الحق العام وليست دعوى شخصية. وقد انقسم المواطنون قسمين، فالبروميثيون وقفوا إلى جانب بركليس، والزيوسيون من بعض المسؤولين والأغنياء وقفوا إلى جانب الدباغ الغني. ونظراً لأن البروميثيين كانوا الأكثرية وكان الجو العام مؤيداً لهم فقد ربح بركليس الدعوى.
أعظم آيات الأدب والفن ظهرت في تلك الفترة، لكن الصراع بين الزيوسيين والبروميثيين كان عنيفاً وإن كان صراعاً خفياً لم يظهر على السطح بسبب غزارة الإنتاج الأدبي. وقد استخدم الزيوسيون كل "المواهب" التي كانت في صندوق باندورا من جشع وطمع واستغلال... كأسلحة فعالة في تغيير المجتمع واعتمدوا على الثروة في إفساد النفوس وتأليب الناس ضد البرناس.
كان الزيوسيون يسعون إلى فرض هيمنة الإله الواحد وإقامة حكومة زيوسية واحدة تفسح المجال أمام القوى المادية لتنطلق وتتطور، وقد برز سقراط كممثل للزيوسيين في السلك الفلسفي، فنشر عقيدة الإله الواحد التي كانت أمنية زيوس لتعزيز سلطته، وأيد الحكومة الدكتاتورية ورفض الديمقراطية التي كانت شعاراً لبركليس وكل البروميثيين، وطالب بإبعاد المنتجين الأدبيين عن الحكم. وقد تجلى فكر سقراط في مؤلفات تلميذه أفلاطون وبخاصة في "الجمهورية" حيث أبعد الأدباء والفنانين عن هذه الجمهورية. وقد جاء كتاب الجمهورية مشرعاً للاقتصاد السياسي والإنتاج المادي، فكل طبقات الشعب في الجمهورية هي طبقات منتجة مادياً تقف على رأسها مجموعة من الفلاسفة يقودها رئيس لهم. إنه الهرم الزيوسي: إله واحد، كتاب واحد، شعب واحد، على النقيض من البروميثيين تماماً، إذ أن البروميثيين، كما لاحظنا، أكدوا على الإنتاج الأدبي كمرشد وكمقياس وكشرط للمواطنة. وقد سمى أفلاطون هذا الإله "الديمرجوس" وأسبغ عليه الصفات التي ستبرز في الديانة الوحدانية المسيحية. ولهذا نعتبر كتاب الجمهورية أول كتاب في الاقتصاد السياسي وقف في وجه الاقتصاد الأدبي.
الدعوى التي أقيمت على سقراط تذكرنا بدعوى بركليس على صاحب صناعة الجلود، فهي دعوى "الحق العام" ليس فيها أي اتهام شخصي، فالرجل كان يدعو إلى إله واحد، رافضاً بقية الآلهة، زاعماً أن الكون الواحد يفسد إن كان فيه أكثر من إله واحد، وهذه أكبر جريمة في نظر البروميثيين، لأن هذا الزعم يقود إلى الدكتاتورية. وبالفعل فقد أخذ على سقراط أنه من أشد أنصار الدكتاتورية بل إن الدكتاتوريين الذين استلموا زمام الأمور لفترة كانوا من تلاميذه.
تشكلت هيئة المحلفين، على جاري العادة، وزادت على خمسمئة عضو. وقد انقسم الأعضاء إلى قسمين، فالزيوسيون صوتوا إلى جانب سقراط، والبروميثيون صوتوا ضده وفازوا بالأغلبية وأدين سقراط وخير بين الموت أو ترك أثينا، المدينة التي كانت قدوة في تلك الأيام. وقد اختار سقراط شراب الموت "الشوكران" على مغادرة المدينة، وبيده تجرع كأس الموت.
كان الاقتصاد الأدبي أساساً لبنية المجتمع، وقد بدا واضحاً في الدستور الأثيني، فمثلاً لا يحق للمواطن أن يرشح نفسه لمجلس الشيوخ أو أن ينتخب غيره إذا لم تتوافر فيه الصفات الأدبية، فهذا الحق يفقده كل من إساء لزوجته وأولاده إساءة أدبية كالشتم والإهانة، وكل من أساء للآداب والفنون وكل من أهمل حراثة حقله بحجة أنه غني ولا يحتاج إلى منتوج الحقل، وكل من تلاعب بقوت الشعب الروحي والمادي، وكل من فر من معركة وكل من اغتصب امرأة، وكل من اتخذ زوجة ثانية إلى جانب زوجته، فلم يكن يحق للرجل سوى زوجة واحدة فإن لم تنجب رفع كتاباً إلى مجلس الشيوخ الذي يحاول إقناع الزوجة باختيار أمة لزوجها، بغرض الإنجاب، لأن حب الأولاد غريزة إنسانية، وكل من أساء لغيره إساءة معنوية فحسب، أما الإساءة المادية فتحلها المحاكم المختصة، وكل من استخدم ثروته لتضليل المواطنين أو لاستغلالهم استغلالاً قبيحاً، وكل من رشا مهما كانت ضآلة الرشوة، وكل من تخلف عن مشاهدة المباريات الأدبية والمباريات الرياضية، وكل من اتخذ لنفسه حرساً شخصياً...
وحتى لا يكون للاقتصاد السياسي دور في الانتخابات اخترعوا حيلة ظريفة ولكنها عادلة، وهي اللجوء إلى القرعة بعد الانتخابات، لأن عدد الناجحين يجب أن يكون ضعف عدد أعضاء المجلس المطلوبين وبذلك قطعوا الطريق على الاقتصاد السياسي، إذ أن من بذل المال والرشوة للفوز بالانتخابات سيواجه دواليب الحظ، ويخضع للقرعة، فما كان أحد يغامر بأمواله ليمثل أخيراً أمام مجموعة من الصبية يديرون دواليب الحظ، فربما لا يكون رقمه من الأرقام الفائزة. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:11 pm | |
| كل القوانين الأثينية كانت ترمي إلى الحد من "المواهب" الزيوسية ولجم الاقتصاد السياسي من التفشي ونشر الفساد، إلا أن فيليب المقدوني قضى على كل هذه القوانين ومهد الطريق أمام الرومان للانتقال إلى الاقتصاد السياسي، فقد شح الإنتاج الأدبي في أيامهم، بل تحولت المسارح والملاعب إلى ساحات المجالدة تتفرج عليها الطبقة الارستقراطية في منصة كبرى، يحيط بها جمهور من الغوغاء يصوتون على القتل برفع الأصابع أو بتنكيسها، فينظر راعي المجالدة إلى أصابع هؤلاء الغوغاء، ولكن ليس من الضروري أن يوافقهم فقد يرفع أصبعه إذا نكسوا أصابعهم، وقد ينكسها إذا رفعوها... ومع ذلك يهلل الغوغاء لقراره الحكيم... كانت فكرة الإله الواحد قد راجت...
ألغيت المبالغ التي كانت تدفع لمن يشاهد المسرحية. صار الدخول مجاناً فقط، لكن الاهتمام بالمسرح والأدب تضاءل إلى درجة أن المشاهدين كانوا لا يشغلون إلا قسماً ضئيلاً من المدرجات. ومع الأيام هجر المسرح وأهمل الأدب. وكان هذا ضربة أليمة للاقتصاد الأدبي. لقد صارت المادة أو هبات زيوس ومواهبه هي السائدة.
إلا أن الضربة الأشد فتكاً بالاقتصاد الأدبي جاءت على يد المسيحيين الذين نصبوا زيوسهم محل زيوس القديم، وأعادوا الاعتبار إلى سقراط وتلميذه أفلاطون حجة بيدهم على ضلال "الوثنيين" فعندما تحدث أفلاطون بلسان معلمه عن الديمر جوس أكدوا أنه كان يتحدث عن إلههم الواحد الأوحد الذي يهيمن بجبروته ورحمته، بعقابه وجزائه، بحبه وكراهيته على كل شيء. وطبقوا آراء أفلاطون في الحكومة ورأوا أنها يجب أن تكون بيد النخبة المفكرة تحت رئاسة واحدة، فكانت النخبة رجال الكهنوت وكانت الرئاسة بيد البابوية التي تمثل الإرادة الإلهية.
كل شيء تغير في العهد المسيحي، فقد تلاشى الاقتصاد الأدبي أو كاد،وحطمت تماثيل وأقيمت مكانها تماثيل، فتمثال مارس مثلاً في مدينة فلورنسا استبدل بتمثال يوحنا المعمدان... وهكذا. وقد قضي على المسرح ولم يعد الانتاج الأدبي يظهر، وألغيت الألعاب الأولمبية وما كان يرافقها أو يتقدمها من نشاط أدبي، ومعها كل الألعاب الأخرى وحظرت المسرحيات من دون أي استثناء ولم يعد مطلوباً من المواطن سوى أن يتلقى أوامر زيوس الجديد بلسان ممثله الجديد وكهنته الجدد، فحلت الوحدانية محل التعددية في كل شيء وقد استمر الوضع على هذه الشاكلة أكثر من ألف سنة (من 500 إلى 1500).
محقون أولئك الذين يطلقون على هذه الفترة لقب "العصور المظلمة" فهو لقب جدير بها ولائق لها. وأعظم إنتاج أدبي في تلك الفترة جاء على يد دانتي وهو "الكوميديا الإلهية" فقد حاول التصدي لهذه الوحدانية الزيوسية الجديدة، وسعى إلى إعادة دور الاقتصاد الأدبي بقيمه الروحية في حياة البشر، بل جعله الوحيد القادر على إنقاذ البشرية. إن "الكوميديا الإلهية" هي أعظم صيحة بروميثية في عالم الإنسان، فلم يشهد التاريخ حتى اليوم كتاباً نضالياً كهذا الكتاب. إن المرء يخال أن بروميثوس هو الذي كتبه، ولم لا؟ إن دانتي يعترف بأنه استلهم أبولو وربات الفنون البرناسية:
_________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:12 pm | |
| فيا أبولو الطيب، هذه آخر مهماتي
ابتهل إليك أن تجعلني وعاء لقدراتك
طالما تعتقد أني أهل لأن أتوج بالغار.
كادت قمة واحدة من البرناس تكفي
حاجتي، لكني الآن بحاجة إلى قمتين
حتى أدخل حلبة المنافسة مرة أخرى.
(الفردوس 1: 13-18)
إن تضاؤل الإنتاج الأدبي في العهد الجديد لزيوس الذي كان ينطق بلسان نوابه وكهانه جعل الناس أقرب إلى الحيوانات البشرية، وقد فضل دانتي أن يخاطبهم بأسمهم الحقيقي وهو يحذرهم من الخدعة الزيوسية:
أيتها الحيوانات الأرضية، أيتها العقول المتخشبة
إن الإرادة الإلهية خيرة بذاتها لذاتها
وترضي ذاتها بالخير الذي لذاتها فقط.
(الفردوس 19: 85-87)
ومع أننا قطعنا شوطاً بعيداً عن زمن دانتي، فإننا مانزال في زمن الوحدانيات: زيوس واحد وشعار واحد وتعليم واحد واقتصاد عالمي واحد... ويظل أفضل كتاب للاقتصاد الأدبي في العصر الحديث هو كتاب "الكوميديا الإلهية" الذي يجب -لو كان بالإمكان- أن يوزع مجاناً للوقوف على هذا الأسلوب الحديث الذي وضعه دانتي في كتابه، الذي عرض فيه بجدارة أهم قوانين الاقتصاد الأدبي التي يجب أن تسود. والذي نراه أن "الكوميديا" هي أعظم صيحة في تاريخ البشرية على الإطلاق، إنها الصيحة البروميثية الحقيقية.
صيحات كثيرة أعقبت الكوميديا، وصيحات كثيرة صاحبتها، لكنها تظل الصيحة الأشد تأثيراً من غيرها فهي أنضج إنتاج أدبي على مر العصور، وهي الأساس الذي اعتمد عليه الإنتاج الأدبي في عصر النهضة.
إننا نحتاج إلى مجلدات كثيرة لشرح هذا السفر النفيس، هذا الانجيل البروميثي المتوهج الذي أعاد العقيدة البروميثية إلى العمل، والذي فضح كل المغريات الزيوسية، وكشف سر الكنيسة الغربية الوسطوية في السيطرة على عقول الناس وإبعادهم عن ينابيع البرناس.
فإذا كان شرح انجيل دانتي يستدعي كل هذه المجلدات، فكم يستدعي رصد الإنتاج الأدبي في عصر النهضة، وفي العصور التالية؟ كم مجلداً نحتاج لرصد إنتاج شعراء التروبادور وشعراء الغزل الألمان، وروايات الحب الفرنسية وأعمال شكسبير؟ بل إن اراسموس وحده يحتاج إلى مجلدات، أو تلميذه المخلص رابليه، الذي قدم سفراً إلهياً ضخماً هو "غارغانتوا وبنتاغرويل" أو سرفانتس الذي كان فاتحة النبوءة الجديدة للاقتصاد الأدبي الحديث. فماذا نفعل الآن في عرضنا الموجز لتاريخ الاقتصاد الأدبي وكل محطة من محطاته تقتضي كتاباً خاصاً؟ نتمنى أن يسهم غيرنا في شرح الاقتصاد الأدبي عن طريق التخصص، في الأعلام أو المراحل، فيكون كتابنا هذا أشبه بمخطط سريع ليس غير...
ومع ذلك فلابد أن نقف عند دانتي قليلاً قبل استئناف الرحلة الخاطفة في تاريخ الاقتصاد الأدبي الحديث، لا لنشرح انجيله المقدس الذي يحمل قيم الرب الإله بروميثوس، فادي البشرية ومرشدها إلى طريق الخلاص، فهذا شيء كرسنا له جهداً استمر أعواماً لتقديم ترجمة أدق لانجيله، بمقدمة ضافية، وإنما لنشرح سوء فهم هذا الإنجيل من قبل المتعاملين معه.
إن سوء فهم هذا الإنجيل البروميثي يرجع إلى انسياق بعض الدارسين وراء القيم الزيوسية، فهذا يزعم أنه متأثر بالمعراج أو بالمعرى، وهذا يدعي أنه متأثر برؤيا يوحنا، وهذا يؤكد أنه متأثر برؤيا ألبريغو ورسالة بابل الجهنمية التي كتبها جياكو مينودا فيرونا، وهذا يرجح أن يكون متأثراً برحلة سان براندانو. كثير من التهم وجهت إلى هذا الإنجيل الفذ، كاتهمامه بالإستفادة من رؤيا بطرس أو رؤيا بولس... أشياء وأشياء لا مجال لمناقشتها، بل إن مناقشتها غير مجدية لأنها لن تؤدي إلا إلى مزيد من التشويش، إلا أن من الضروري المرور ببعض النقاط لإظهار فرادة هذا السفر العظيم.
يستخدم دانتي دائماً الأسماء الرومانية بدلاً من اليونانية: أريس هو مارس وافروديت هي فينوس وهيرا هي جونو، وبالتالي فإن زيوس هو جوبتر الإله الذي يريد أن يتفرد بالكون والحياة. وبما أن دانتي من سلالة بروميثوس فإنه يقف دائماً في وجه جوبتر بأسلوب متلاعب خبيث هرباً من طغيان الكنيسة. فهو في الجحيم يعجب بكابانيوس الذي رفع قبضته في وجه جوبتر، وهو دائم السخرية منه، فلما حلّ جوبتر الجديد محل جوبتر القديم، فعل الشيء ذاته ورأى في دستوره انحرافاً عن العدالة:
جوبتر، أيها الفائق، يا من صلبت من أجل
البشرية، سأسألك إن كنت تسمح بالسؤال:
ألا ترى أن عين عدالتك انحرفت بعيداً؟
أمْ أنَّ ما تفعله هو مخطط وضعتْهُ
حكمتك التي لا حد لها من أجل الخير،
وهذا لا يمكن أن يدركه الإنسان الفاني؟
إنه ينطلق من العقيدة البروميثية في محاسبة جوبتر الساعي إلى بسط نفوذه والتفرد بالسلطة بوحدانية متشددة. إن المعركة هي دائماً بين الاقتصاد السياسي الذي أرسله زيوس في صندوق باندورا، وبين الاقتصاد الأدبي الذي وضع أسسه بروميثوس في تعليماته لابنه ديوكاليون والذي اكتمل في قمة البرناس.
هذه هي النواة الحقيقية للكوميديا الإلهية، انجيل التربية الجمالية. وهي ميزة فريدة لا نجدها في أي سفر آخر، لا في رسالة الغفران ولا في غيرها. إن انجيل دانتي يحافظ فقط على شيء واحد من أوله حتى آخره وهو العقيدة البروميثية في التربية الجمالية.
من هنا نعجب كل العجب من أولئك الذين يرون دانتي متأثراً بغيره. فحتى فرجيل لم يكن له عليه تأثير، وإن سار في صحبته. لقد كان فرجيل جواز مرور للدخول إلى قلعة زيوس الجديد وتفجيرها، فالمسيحيون يعتبرون فرجيل مبشراً بزيوس الجديد بسبب بيت من الشعر. وقد أحسن دانتي في اصطحاب فرجيل، إذ جعله جواز سفر إلى الممالك الزيوسية. أما ما سوى ذلك فلا تأثير له في هذا الانجيل، السفر الذي يبرز الصراع بين الثقافتين: البروميثية والزيوسية. وكل من فاته إدراك هذا الخط المستمر في الكوميديا، أخطأ في تأويلها. وما على القاريء إلا أن يطلع على مقارنته تلك التي أجراها بين الفضائل الطبيعية وبين الفضائل الدينية من إيمان ورجاء ومحبة، أو يطلع على الاختبارات التي أجريت له في إيمانه ورجائه ومحبته في الفردوس حتى يعرف أين يقف دانتي، وعم يدافع. إنه يدافع عن التربية الجمالية ضد الهبات التي وضعها زيوس في الصندوق لتفسد البشرية.
أما المعري فما أبعده عن هذه الأجواء. إنه لم يلامسها ولم يتنشق نسمة واحدة منها، فقد كان الرجل متشائماً عازفاً عن الحياة. صحيح أنه يناقش زيوس، بيد أن نقاشه يصب بعيداً عن التربية الجمالية ومفهومها البروميثي. إن رسالة الغفران مزيج من الفذلكة اللغوية الثقافية والسخرية المعرية من الموزاييك الديني. لكنها ليست أكثر من ذلك، فهي لم تقارب الثقافة البروميثية أبداً، وهي أبعد ما تكون عن التربية الجمالية، وسيلة الخلاص البرناسية التي تشكل صلب العقيدة البروميثية. أما الإطار المشترك من جحيم ومطهر وجنة فهو إسكاتالوجيا مشتركة بين كل الشعوب، ويمكن لأي منتج أدبي أن يستخدم هذا الإطار من دون أن يطلع على الكوميديا أو رسالة الغفران أو سواهما.
أيضاً وأيضاً نعجب من أولئك الذين يسبغون حلة الإيمان الزيوسي على دانتي. إنه مؤمن حقاً ولكن بالقيم الجمالية البروميثية التي دافع عنها فكان فاتحة الاقتصاد الأدبي الحديث. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: الفصل الرابع الاقتصاد الأدبي الحديث 2008-04-09, 3:13 pm | |
| الفصل الرابع الاقتصاد الأدبي الحديث
دانتي في انجيله الأدبي "الكوميديا الإلهية" كان فاتحة الإنتاج الأدبي الحديث بعد أن عانى هذا الإنتاج ما عانى من قمع كنسي في العصور الوسطى التي ظهر دانتي في منتصفها تقريباً. أو ظهر في الثلث الثاني منها. فمنذ القرن الخامس الميلادي تراجع الإنتاج الأدبي تراجعاً لا مثيل له واستمر الأمر طيلة ثمانية قرون وأكثر. إن ظهور انجيل دانتي كان حدثاً فريداً من نوعه أعلن استئناف الإنتاج ووضع الأسس العامة للاقتصاد الأدبي، وكل إنتاج بعد دانتي حتى القرن العشرين جرى وفقاً لهذه الأسس، ولكن بتفريعات وتفصيلات موسعة فرضت سيطرتها في القرون التالية.
كان دانتي رسولاً بروميثياً مخلصاً وضع في انجيله "الكوميديا" العقيدة البروميثية الأدبية. وبعد أن أنهى هذا الإنجيل الكبير بعدة أسابيع توفي في منفاه، كأنما أخلد للراحة بعد أن أدى واجبه الرسولي.
في هذا الإنجيل يتابع دانتي التقليد النبوئي البروميثي، فقد تنبأ بروميثوس بخطورة هدية الآلهة لباندورا، فمن صندوقها انطلق الجشع والطمع والفتن والصراع، وهي الأسس التي قام عليها الاقتصاد السياسي، وتنبأ بالعصر الحديدي الذي نحن فيه الآن وكيف أن هذا العصر سوف يقضي على سلطة زيوس ويقيم سلطته المدمرة أيضاً في جو من التنافس والاقتتال والحروب المستمرة وتدمير تلك المؤسسات البشرية التي تنشأ لتخوض فيما بينها صراعاً مريراً.
وتابعت كاسندرا بريام هذا التقليد فتنبأت بالحرب الطروادية وحذرت منها، وعندما شاهدت حصان الأغريق رأت فيه تكراراً لصندوق باندورا ونبهت الطرواديين إلى أن هذه الهدية تشبه هدية زيوس ليس فيها إلا الدمار، وتنبأت بمصير اغاممنون وبمصيرها أيضاً ، لكن أحداً لم يصدقها فتمت كل هذه النبوءات، وعندها فقط صدق الناس، ولكن بعد أن جرى ما جرى وانهار ما انهار.
في الإنجيل الجديد يسير دانتي على التقليد البروميثي ذاته فيتنبأ بإفلاس الاقتصاد السياسي وانهيار مؤسساته، التي تنشأ قوية وسرعان ما تتحطم وتندثر، ثم يظهر غيرها ويلاقي مصيرها، أما ما يبقى فإنه الانتاج الأدبي الذي يلغي الزمن خلفاً وأماماً، ويظل يتمتع بالحداثة والنضارة. قال في كوميدياه، في النشيد السادس عشر من الفردوس:
76 ... لما صعب عليك أن تفهم، أو كان
غريباً عليك أن تسمع ان العائلات تنهار
بل حتى المدن سوف تسعى إلى نهايتها.
79 ... كل مؤسسات البشرية، من أي نوع كانت،
سوف تموت، مهما طال بقاؤها،
لكن ذلك يخفى عليكم لقصر حياتكم
85 ... لذلك ليس من الغريب أبداً أن
تسمعني أتحدث عن الفلورنسيين الطيبين
الذين لا يطال التغير شهرتهم.
وبهذا وضع قانونا أساسياً للاقتصاد الأدبي: إن المنتجين الاقتصاديين زائلون، أما المنتجون الأدبيون فخالدون لا يطال التغير شهرتهم.
لم يختر دانتي الممالك الأخروية الثلاث عن عبث. لقد ترك المملكة الأرضية وراح يطوف تلك الممالك لأنه يريد أن يكشف سر جوبتر، ويفضح الممارسات الشائنة لأنصاره. لقد عرف أن السبب الأساسي لفوضى الحياة على الأرض يرجع إلى القوانين الجوبترية، التي سببتها الأمراض الروحية التي انطلقت من صندوق باندورا، من طمع وجشع واستلاط وحسد... أي كل ما يقبع وراء الملكية الآثمة. وقد أكد لنا أن جوبتر، كعقيدة طبعاً، يبسط سيطرته الشاملة ليس على الممالك الأخروية وحدها بل على المملكة الأرضية أيضاً، فكما في السماء كذلك على الأرض، إذ أن كل شيء يجري بأمره، وينفذه جهاز من رجال الاقتصاد السياسي، رجال الملكية الجشعة. إنهم جهاز تنفيذي يفعلون كل ما يريدون تحت غطاء تبريري من العقيدة الجوبترية المقدسة التي لا يسمح لأحد أن يطالها، لأنه بعمله هذا طالهم هم بالذات. ولهذا فإن أنصار جوبتر يجعلون العقيدة باسطة ظلها على كل شيء، من أكبر الممالك حتى الفكر الشخصي، أو حتى التأملات التي تنطلق عندما يخلو المرء بنفسه. وحتى الجحيم نفسه الذي نظن أنه مملكة لوسيفر إنما يخضع لأوامر جوبتر، ففي النشيد التاسع من الجحيم يرفض الشياطين السماح لدانتي بعبور البوابة مع فرجيل. وخاف دانتي من أن يتركه وحده، فطمأنه فرجيل وطلب منه أن ينتظر قليلاً. وبالفعل يظهر رسول جوبتر بعد قليل ويفتح البوابة بعنف بعد أن يهدد الشياطين بعقوبات أشد إذا عادوا إلى مثل هذا التمرد.
رأى دانتي أن سبب كل ما يجري في الأرض مرجعه إلى العقيدة الجوبترية فسافر في ممالكها ووصل إلى عقر دارها في الإمبريوم، وكشف كل أسرارها وكل مقولاتها من إيمان ورجاء ومحبة وجزاء وعقاب، وأظهر أنه في ظل هذه العقيدة المتسلطة لا يمكن الخلاص من الفساد الأرضي، بل لا يمكن حتى مساعدة الإنسان للوقوف في وجه الأمراض الروحية التي انطلقت من صندوق باندورا. فالعقيدة الأحادية المهيمنة هي دمار للإنسان البروميثي بأي شكل تجلت وبأي ممارسة ظهرت، فيكفي أنها تدمر نزوعات الإنسان الجمالية، وتقيد نشاطاته في منحى واحد حتى تكون هدفاً للنضال البروميثي من أجل إسقاطها وإطلاق حرية الإنسان، الحرية التي تتجلى في الفن والأدب. فوضع الروح في المسار البروميثي الحر هو بداية حقيقية لصالح الإنسان، فمن العبث الحديث عن أي إنجاز إنساني فعلي من دون الروح البروميثي القائمة على احترام النزوعات المتعددة للنفس البشرية التي تجد تعبيرها في النشاط الأدبي قبل سواه. وحيازة الروح الأدبية هي بداية كل تنظيم، لأنه بذلك سيكون تنظيماً يحترم حرية الروح ونزوعاتها، وإلا فإنه تنظيم قمعي كما هو الأمر في الاقتصاد السياسي، حيث صارت السلعة وثنا متحكماً مسيطراً وليس الفن والأدب، وسيكون ماركس من أعظم الذين أدانوا وثنية السلعة وتحطيمها لإنسانية الإنسان في القرن التاسع عشر.
إن الكوميديا هي أعظم انجيل بروميثي ظهر في كل تاريخ الإنتاج الأدبي، ودانتي هو أعظم رسول بروميثي بين الرسل.
إذا كان دانتي قد اختار الممالك الأخروية وكشف أسرارها، فإن سرفانتس طاف المملكة الأرضية وقدم لوحة بما يجري عليها من دمار وتخريب للروح البروميثية، في أنجيله المتشائم الذي يذكرنا بنبوءات كاسندرا بريام، التي عرفت مصيرها ولم تهرب منه.
عندما طاف سرفانتس المملكة الأرضية في عصره أطلعنا على شيء جديد كل الجدة. وهذا الجديد ليس شخصية دون كيشوت بل شخصية سانشوبانزا، فهو الذي يمثل المملكة الأرضية وليس دون كيشوت الذي يجسد المثل البروميثية من شهامة وصدق وقلب أبيض خال من الغش والجشع والطمع والنميمة والحقد والحسد والكراهية... أي كان بريئاً من كل الهبات الزيوسية التي حملتها باندورا في صندوقها.
دون كيشوت هو الابن الشرعي للتراث الأدبي، وبالمقابل فإنه الابن غير الشرعي لعصره، وهذا شأن كل بطل أدبي، إذ سيكون مرفوضاً ومنبوذاً من أبناء عصره، ولكن ليس من كل أبناء عصره، وإنما من الزيوسيين أنصار البراغماتية والاقتصاد السياسي، أما القلة القليلة من البروميثيين الذين يتضاءل عددهم كلما استلط الاقتصاد السياسي على الحياة البشرية، فإنها ترى في دون كيشوت بطلاً بروميثياً عظيماً جداً... ولا أدل على ذلك من أن المنتجين الأدبيين بعثوه من جديد كبطل رائع. هكذا تجلى لنا في كتاب أونومونو الإسباني وفي كتاب غراهام غرين الإنكليزي في القرن العشرين، الأول قدمه في أوائل هذا القرن والثاني قدمه بعد منتصف هذا القرن، تأكيداً للصفات البطولية البروميثية التي قدمتها ريشة سيرفانتس. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:13 pm | |
| لكن سانشوبانزا يظهر إلى جانب دون كيشوت كنقيض له وفي الوقت نفسه كمحب مخلص. وفي هذا الشيء الكثير من المغالطة الظاهرية التي سوف نفسرها على النحو التالي:
خرج دون كيشوت من بطون الكتب، فالكتاب هو الرحم الذي احتضنه حتى إذا حان المخاض ظهر لنا هذا الوليد مشبعاً بكل أجواء الرحم الذي جاء منه. إنه يحمل كل المثل والقيم الأدبية. سلالة دون كيشوت البشرية غير معروفة ولا يمكن لأحد أن يؤكدها. كل ما نستطيع قوله هو أنه ابن الخيال الأدبي البروميثي، وهو يصرح بذلك لتابعه مؤكداً أنه قد يكون من أسرة نبيلة ريعها السنوي خمسمئة سويلدو، وهو مبلغ تافه جداً يكاد لا يسد الحاجات الضرورية، ولكنه بالتأكيد ليس من سلالة الملوك، وبهذه الطريقة أعلن البطل انتماءه الحقيقي... أنه من الرسل البروميثيين الشجعان.
حياته المادية بؤس في بؤس، كأنه مثال للمنتج الأدبي، فقد كان ينفق ثلثا دخله على لحم البقر في بعض الأيام وعلى العدس في معظم الأيام، فلم يكن يأكل اللحم إلا قليلاً، فالعدس أرخص ويمكن لدخله أن يؤمنه له. الثلث الباقي كان يشتري به لباسه: سترة بسيطة وبنطلوناً رخيصاً من الشعر. هذه هي ملكية بطلنا العظيم، وهذا ما يفسر لنا إحجامه عن الثروة والمجد الزائف واندفاعه لتخليص المظلومين ولو كلفه ذلك حياته.
حياته المادية فقيرة جداً يقابلها غنى روحي لا حد له. أما سانشو بانزا فمن أين خرج؟ من عفن الحياة في ذلك العصر، فوالداه معروفان وأسرته معروفة، وهو مثال حقيقي لعالم ذلك العصر، فهو براغماتي شديد البراغماتية، وانتهازي شديد الانتهازية، ووصولي شديد الوصولية، يهفو إلى الثروة بجوانحه ويتمنى السلطة بشغاف قلبه، لكنه لم يكن مالكاً الوسائل التي تمكنه من ذلك... طبعاً فعصره لم يكن يخوله القيام بكامل دوره. وبمقدورك أن تعرف صفاته من الحوارات التي كان يجريها مع معلمه، فهو دائماً يدلي برأي مناقض لرأي سيده، ودائماً يكون رأيه الرأي الناجح في هذا العالم الذي يسوده الاقتصاد السياسي، ولكنه إذا قيس بالرأي الكيشوتي فإنه رأي مرفوض، فموقف كيشوت هو الموقف المثالي، الموقف الأدبي الصادر عن نقاء القلب، أما موقف تابعه فإنه موقف العارف بأسرار عالم الاقتصاد السياسي وما فيه من طمع وشهوات ذئبية، ولهذا فإن سانشوبانزا يمثل الموقف الصحيح في نظر الاقتصاد السياسي والموقف المرفوض في نظر الاقتصاد الأدبي. فأدبياً لا يستطيع كيشوت أن يتخذ الحيلة أو الخديعة أو الغش أو الطمع وسيلة لتحقيق مأربه، وإن كان يعرف سر الأشياء كلها. وفي هذه المواقف لا ينجح إلا البراغماتي، إلا سانشوبانزا الذي صار رجل أعمال في أميركا ومسؤولاً في الدول التي يطلق عليها اسم "العالم الثالث" بل حتى الموظف الصغير في هذه الدول تخلق بأخلاق سانشوبانزا البراغماتية.
ومع ذلك كان سانشوبانزا يحب سيده، وفي الفصل الثاني عشر من الجزء الثاني يفصح عن سبب حبه عندما يتحادث مع تابع آخر فيقول بأنه يحب سيده لأن في مقدور أي إنسان أن يقنعه أنه في منتصف النهار عندما يكون في منتصف الليل، وإنه في منتصف الليل والشمس في رائعة الظهيرة. إنه مثل الطفل يتصور أن الآخرين دائماً يقولون الصدق. وهذه أهم ميزة من الخصائل البروميثية.
ويعلق أونامونو على هذا الفصل مخاطباً سانشو: نسأل الله يا صديقي سانشو أن يحمينا ويبقينا دائماً أطفالاً.
رجل الأعمال أو المسؤول الثالثي لم يعد في هذا العصر يحب دون كيشوت كما كان يحبه سانشو. لقد تطورت الأمور وصرنا أقرب إلى الأغناروك السكندنافي، أي المعركة الفاصلة، فلا مجال للمساومة.
في الفصل الرابع من الجزء الأول يدور حوار بين التجار وكيشوت، فيسخر التجار من دولسينا حبيبة بطلنا التي لا وجود لها ولكنها تمثل كل ما هو رائع وجميل، تمثل الحق والخير والجمال، تمثل القيم البروميثية. ويحتج التجار بأنهم لا يستطيعون الإيمان بدولسينا لأنهم لم يروها. فيرد كيشوت على الفور بأنه لا فضل لهم أن آمنوا بها بعد أن يروها، يجب أن يؤمنوا بها من غير أن يروها. ليس هذا وحسب، بل طالبهم بالدفاع عنها والنضال من أجل سلامتها.
في هذا الفصل يقدم لنا سرفانتس صورة رائعة ودقيقة للواقع المتشائم الذي تفاقم في أيامنا كثيراً. فالناس لا يؤمنون إلا بكل ما هو ملموس، وبما أن القيم البروميثية غير موجودة في هذا العالم، فكيف بها يؤمنون؟ والحق معهم، بل كل الحق معهم لأنهم حالما يؤمنون بدولسينا تنهار مصالحهم وتتبخر ثرواتهم غير المشروعة. ولم يكن اختيار سرفانتس للتجار كمحاورين لكيشوت مجرد مصادفة. كان يعرف كيف يضع طرفي الحوار ليقدم الدلالة البالغة لأفكاره. فالحق والخير والجمال نؤمن بها ولا نراها، والتجار -أسياد هذا العالم- لا يتعاملون إلا مع ما يرون.
وباختيار طرفي الحوار استطاع سرفانتس أن يقدم لنا حصة كل طرف في الحياة، فالحظ دائماً إلى جانب الفريق الأول من الاقتصاديين السياسيين، والشجاعة دائماً إلى جانب الفريق الثاني من الاقتصاديين الأدبيين. والحظ والشجاعة لم يلتقيا في يوم من الأيام. التجار في حالة خوف دائم على ما يملكون بين أيديهم قبل الخوف على ما يملكون بين صدورهم، والبارون كيشوت في حالة مستنفرة من الشجاعة، فالرجل لا يملك ما يخاف عليه، لذلك يهفو بشجاعة إلى دولسينا الحق والخير والجمال، فلا وجود للخوف والشجاعة معاً، ولا وجود لتاجر وأديب في شخص واحد. والإيمان الوطيد بدولسينا هو الذي وجّه أعمال دون كيشوت النبيلة دائماً كما أنه هو الذي منحه شجاعة القول بثقة ان الأجيال القادمة.ستروي أعماله المجيدة . وهذا شأن كل مناضل أدبي . إنه لايُعرف تماماً إلاّ في الأجيال القادمة أما التاجر أو من شابهه، فابن يومه يموت بموته، وهو نفسه لا يفكر بالأجيال القادمة ولا يهمه إذا ذكرته أو أنكرته. همه شبيه بهم الحيوان بالعلف، لا يرى غيره ولا يفكر في أي شيء آخر من القيم التي لا يمكن وضعها بالمعلف والمذود.
الفشل الذي كان يمنى به كيشوت يقابله النجاح المستمر لسانشو الذي أبدى مهارة كبيرة في إدارة الأمور عندما صار حاكماً على إحدى الجزر. لقد عرضت عليه مشكلات شائكة لا يستطيع كيشوت حتى أن تخطر على باله، فحلها حلاً عملياً أدهش المختصين، فأثبت أن البراغماتي ليس بحاجة إلى ذكاء ولا إلى حساسية حتى يحل المشكلات القائمة، إنه بحاجة إلى حس خنزيري فقط، فهل هناك من عجب إذا ارتبط الفشل بالاقتصاد الأدبي، وارتبط النجاح بالاقتصاد السياسي؟ وكثيراً ما نسمع من الأوساط الشعبية قولهم: ما أذكاه، أميّ وجمع ثروة طائلة. ولو توخوا الدقة لعرفوا أنه لو كان ذكياً حقاً لما كان صاحب ثروة. الثروة لا تحتاج للثقافة، إنها تحتاج فقط لحس خنزيري. والكتب التي منها ظهر كيشوت هي التي حددت مصيره. هي التي جعلته مناضلاً فاشلاً، فابسط الأمور المادية كانت تدحره، إلا أنه كان شامخاً في إيمانه بدولسينا.
من هنا نعتقد أن خاتمة دون كيشوت جاءت منطقية تماماً، مثلما أن خاتمة سانشو جاءت هي الأخرى منطقية، فالأول مات وظل حياً، والثاني ظل حياً ولكنها حياة مطفأة مثل حياة الاقتصاديين السياسيين في كل العصور، لا يمدحهم أحد في حياتهم ولا يذكرهم أحد بعد وفاتهم. لقد صدق كاراسكو عندما نقش على ضريحه:
هنا يرقد النبيل الجبار الذي فاق حدود الشجاعة
حتى أن الموت لم ينتصر على حياته بالموت
لقد وطىء الموت بالموت فانبعث بيننا بطلاً بهياً، شأن كل بطل أدبي يبعث بعد موته في ذاكرة البشرية الأدبية.
لقد استشرف سرفانتس آفاق المستقبل فقدم هاتين الشخصيتين: كيشوت الهائم بالقيم البروميثية الذي مات وانبعث، وسانشو الذي ورثه كل المتهافتين على الثروة والمادة الذين لا يتركون بعد رحيلهم أي أثر يذكر. لقد مات كيشوت كما مات كثيرون غيره، لكنه وحده الذي قام من بين الأموات الذين يؤلمهم النسيان. وبعد قيامته عاش بطلاً مشرقاً في أذهاننا، بينما جعله الاقتصاديون السياسيون مثالاً سيئاً ومثاراً للسخرية، فهو المهزوم دائماً أمام المادة، ويا له من وسام عظيم، يقدمونه له وهم لا يعلمون.
وعندما يظهر مفكر إنساني في ميدان الاقتصاد السياسي، سرعان ما يتهمونه بالدون كيشوتية، ساخرين منه. هكذا فعلوا مع فورييه وكرون وكريج وأمثالهم ممن أكدوا أن الملكية الجشعة هي السرقة بذاتها. وصفوهم بالمثاليين بينما هم واقعيون حقيقيون، وهل هناك واقعية أكثر من إدانة السرقة؟ فالواقعية هي المذهب الإنساني المنفتح على الواقع لا لقبوله بل لرفضه. إن كيشوت واقعي كل الواقعية برفضه الأخلاق الخسيسة من جشع وطمع وحقد واستغلال واستثمار. وقد تقولون: صحيح ولكنه لم يكن يملك وسائل وطرائق لتغيير هذا الواقع ، ونحن نقول انظروا إلى كل الذين كانت في أيديهم وسائل وطرائق لتغيير الواقع المادي، ألم ينقلبوا إلى اقتصاديين سياسيين وتخلوا عن كل القيم البروميثية؟ ثم من قال ان كيشوت ليس عملياً؟ إنه العملي الوحيد الصادق، ولكن قولوا ان قوى زيوس قوية وتتعاظم بتقدم الوقت أكثر فأكثر. _________________
|
|
 | |
نسمة أمل ~~~~~~~~~~~~~


سجّل في : 05 أغسطس 2007 عدد المساهمات : 8002 الدولة :  أوسمة ممنوحة :  MySMS :
 | موضوع: رد: فصول في علم الاقتصاد الأدبي 2008-04-09, 3:13 pm | |
| إنهم يسخرون من فشل كيشوت العملي. ولكنهم لا يستطيعون أن يقدموا لنا اقتصادياً سياسياً واحداً يمكن اعتباره ناجحاً، لا في دنيا الرأسمالية ولا في دنيا الاشتراكية. كلهم فشلوا، وتدل على فشلهم البطالة الدائمة، سواء كانت ظاهرة أو مقنعة. إن نجاح الاقتصادي السياسي يعني تماماً تشليح الناس من ثروتهم وممتلكاتهم، واحتكار الحاجات الضرورية بغية التحكم بهم، وهذا هو الفشل في عرف الاقتصاد الأدبي. لذلك نقول أن دون كيشوت عرف السر الحقيقي، ووقف في وجوههم شامخاً.
إن سرفانتس يؤكد مقولة دانتي بأن كل هؤلاء الاقتصاديين مع مؤسساتهم هم أشبه بالحباحب، يلتمعون ثم ينطفئون، أما المشهورون فهم في صفوف الاقتصاديين الأدبيين الذين لا ينال الزمن منهم مهما تقادم. وقد تحول كيشوت من مستهلك أدبي ولد من بطون الكتب إلى منتج أدبي يقف وراء الكثير من المؤلفات العالمية والأفكار الإنسانية الصافية. ونحن مثل دون كيشوت: نفشل كثيراً في الأمور المادية، ولكننا لا نخطىء ولا نسقط عندما نتمسك بالقيم البروميثية.
قلنا ان سرفانتس قد استشرف المستقبل. وبالفعل فإن كل الإنتاج الأدبي الذي أعقب الثورة الصناعية يدور حول قطبين: كيشوت وسانشو. والمأساة دائماً من حظ الكيشوتيين، والثروة دائماً من حظ السانشيين. كل ما كتبه أعلام الكلاسية الجديدة والرومانسية والواقعية والطبيعية يدور حول هذين القطبين، رغم اختلاف التسميات. البروميثي البريء المتمسك بمناقب المحبة والتضحية والحق والعدالة والمنادي بالإخوة والعطاء، لا بالحقد والاستلاب، مهزوم دائماً، مثل دون كيشوت. والزيوسي الذي يبسط سيطرته لجمع ثروته، ويجمع ثروته لبسط سيطرته، وعلى حساب الآخرين يقيم مملكته، هو الذي لا يهزم من أمثال سانشوبانزا. وإذا نظرنا في تاريخ الاقتصاد الأدبي منذ بروميثوس وحتى اليوم لم نجد بريئاً نجح ولا خبيثاً فشل إلا في الملهاة التي تعتبر الوجه الإعلامي المباشر للقيم البروميثية.
قلنا من قبل ان انجيل سرفانتس كان متشائماً لأنه أبقى على سانشو ودفن كيشوت، وإن كانت ذكراه حية. وهذه النظرة تغيرت في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد صار الدمار شاملاً في المذهب التعبيري، الذي لا نجد فيه بارقة أمل، فهو لا يحمل في يده وردة بل بطاقة نعي. وكل المذاهب التالية سارت في هذا المنحى، فقد صارت ترثي الإنسان نظراً لمصيره المحتوم الذي لا مفر منه، وصارت تهزأ بما يسمى "المجد" و"الخلود" وما شابه ذلك مما كنا نجد منه بصيصاً عند دانتي وسرفانتس.
وتفسير ذلك واضح جداً، فقد ظهرت الثورة الصناعية الأولى ثم تلتها الثورة التقنية الثانية ونحن في بداية الثورة الثالثة. وهذا يعني أنه كلما ح |
|