الصفحة الرئيسيةابحـثالتسجيلدخول
ارسل الموضوع الجديد   رد على الموضوع
 

الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:55 pm

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


1- 2 - الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة

1- تـوطــئة:‏

الأدب المقارن، في أبسط مفاهيمه وتعريفاته، هو ذلك النوع من الدراسات الأدبية الذي يتمثل جوهره في إجراء مقارنات بين آداب قومية مختلفة، أي بين آداب كُتبت بلغات متعددة. إنّ تجاوز حدود الأدب المكتوب بلغة واحدة هو المسألة الوحيدة التي لا خلاف حولها بين المقارنين على اختلاف اتجاهاتهم ومدارسهم، أمّا المسائل الأخرى فيمكن اعتبارها كلّها خلافية. ولكن حتى حول هذا الحدّ الأدنى فإنّ الاتفاق غير كامل. فمن المقارنين من يريد أن يحصر المقارنة في أدبين قوميين لاغير، وهناك من يريد توسيع دائرة المقارنة لتشمل آداباً قومية متعددة، وهناك أخيراً من يدعو إلى مقارنة الأدب بالفنون الأخرى من موسيقا وتصوير وغيرهما، لا بل إلى مقارنته بميادين المعرفة الإنسانية كلّها كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع.‏

لقد ضيّقت الفئة الأولى ميدان الأدب المقارن، إذ حصرته في المقارنة بين أدبين قوميين فقط، كأن يقارن المرء بين الأدب الفرنسي والأدب الألماني، أو بين الأدب العربي والأدب الفارسي. وحجّتها في ذلك أنّ مقارنات كهذه تفضي إلى نتائج محددة ومفيدة، وتخدم العلاقات الأدبية الثنائية، وبذلك فهي تخدم العلاقات الثنائية بين أمّتين، كالفرنسيين والألمان، والعرب والفرس. أمّا الفئة الثانية فهي توسّع دائرة المقارنة بين الآداب القوميّة بحيث تشمل عدة آداب، كأن يدرس المرء علاقات الأدب الفرنسي بالأدب الألماني والإنكليزي والإسباني والإيطالي والروسي وغير ذلك من الآداب القومية. وحجّة هذه الفئة هي أنّ العلاقات الأدبية تتجاوز الإطار الثنائي بطبيعتها، ويندر أن تكون ثنائية. فللأدب الفرنسي مثلاً علاقات بمعظم الآداب الأوروبية وبآداب غير أوروبية، فلماذا نحصر الدرس المقارن في مقارنته بأدب قومي واحد؟ أمّا الفئة الثالثة فلم تكتفِ بالدعوة إلى المقارنة بين الآداب بصورة تتجاوز حدود اللغات والثقافات والأقاليم، دون أن تجعل من أيّ أدب قومي نقطة ارتكاز أو مركزاً، بل وسّعت دائرة الأدب المقارن توسيعاً جذرياً، بحيث يشمل المقارنة بين الأدب وبين ظواهر غير أدبية. وبذلك أصبح البون بين الأدب المقارن كما تفهمه هذه الفئة وبين المفهومين الآخرين للأدب المقارن شاسعاً جداً. ترى أما زالت هناك قواسم مشتركة بين تلك المفاهيم؟ إنّ القواسم المشتركة المتبقية قليلة جداً وتتلخص في:‏

أ- تجاوز حدود الأدب القومي الواحد.‏

ب- المقارنة كوسيلة معرفية.‏

هذان هما الأمران المتفق عليهما بين المقارنين، وهما اللذان يجمعانهم في علم واحد، أو في فرع واحد من فروع الدراسات الأدبية، له مؤسساته الأكاديمية ودورياته وروابطه التي تتخذ من "الأدب المقارن" عنواناً لها. فالأدب المقارن هو إذاً عنوان عريض فضفاض يؤوي تحت رايته دراسات أدبية متباينة ومتعارضة، لا بل متضاربة، في منطلقاتها وتوجهاتها وإجراءاتها ومناهجها وأهدافها. أمّا الوحدة التي يوحي بها مصطلح "الأدب المقارن" فهي وحدة لا وجود لها إلاّ في الحدود الدنيا. وبالمناسبة فإننا لا نعدّ ذلك أمراً سلبياً، بل دليل تطور وديناميكية. فالتقدم في العلوم الإنسانية لا يتولد عن الانسجام والاتفاق والوحدة، بل يتأتى من الاختلاف والتناقض والتباين والصراع، وما تفرزه هذه العوامل من جدل وديناميكية.‏

والمقارنون مختلفون أيضاً حول الغاية من دراساتهم الأدبية المقارنة. لماذا نقارن أدباً قومياً بأدب قومي آخر، أو بعدة آداب قومية؟ لماذا نقارن الأدب بالموسيقا والرسم والفلسفة؟ ما هي الأهداف التي نود التوصل إليها من المقارنة؟ هل المقارنة هدف لذاته أم وسيلة للوصول إلى أهداف معرفية وعلمية؟ من حيث المبدأ فإنّ الأدب المقارن علم، وللعلم أهداف معرفية صرف بالدرجة الأولى. فالمعرفة مسوغ كاف لوجود أيّ علم. ونظراً لأنّ الأدب المقارن علم يقارن الآداب، وأنّ الأدب موضوعه، فإنه مطالب بأن يقدّم مساهمة في معرفة موضوعه. أمّا إذا لم يقدّم مساهمة كهذه، فإنه يفقد مسوغات وجوده، ويكون مصيره التهميش ثم الزوال. فما هي الأهداف المعرفية التي يحققها الأدب المقارن على صعيد معرفة الأدب، وأين تكمن خصوصيتها التي تميز الأدب المقارن عن سواه من مناهج الدراسة الأدبية؟‏

لايقدّم الأدب المقارن إجابة موحدة عن هذا السؤال، بل تختلف الإجابة من مدرسة مقارنة لأخرى ومن إتجاه لآخر، وذلك طبقاً للأسس النظرية والتوجهات التطبيقية لكلّ مدرسة أو اتجاه. ومن هنا تتأتى ضرورة تفحّص الأسس والتوجهات ومراجعتها مراجعة نقدية. وهذا ما نحاول القيام به في هذه الدراسة، وإن يكن بصورة غير كاملة.‏

2- دراسات التأثير والمنهج التاريخي‏

يرى علماء الأدب المقارن الذين يحصرون ميدان هذا العلم في دراسة العلاقة بين أدب قومي معيّن وأدب قومي أو مجموعة من الآداب القومية أنّ الهدف الذي يسعون إلى تحقيقه هو استقصاء ظواهر التأثير والتأثر بين الآداب القومية المقارنة: كأن يحدد المرء ماذا أعطى الأدب الفرنسي للأدب الألماني من مؤثرات وماذا أخذ منه. أمّا المكسب العلمي أو المعرفي الذي يحققه الأدب المقارن نتيجة لدراسة علاقات التأثير والتأثر بين الآداب فهو ذو طبيعة تاريخية. فعندما يدرس المقارنون ما تمّ بين الأدبين الفرنسي والألماني من تأثير وتأثّر، فإنهم يقدّمون بذلك مساهمة في كتابة تاريخ هذين الأدبين. إنّ الغرض من دراسة علاقات التأثير والتأثّر هو إكمال كتابة تاريخ الآداب القومية. ومن خلال تلك المساهمة يضيف الأدب المقارن إلى تاريخ الآداب جانباً كان مؤرّخو الآداب القومية قد أغفلوه. فقد كانوا يؤرّخون لكلّ أدب قومي بمعزل عن الآداب القومية الأخرى، ولكأنه تاريخ التطور الداخلي لذلك الأدب فقط. لم يعر مؤرخو الآداب القومية اهتماماً لعلاقة كلّ أدب بالآداب القومية الأخرى، إلى أن جاء الأدب المقارن في صورته المبكّرة، أي دراسات التأثير والتأثر، فسدّ تلك الثغرة في تأريخ الأدب، وبيّن أن تاريخ أيّ أدب قومي ليس مجرّد تاريخ ما يجري ضمن ذلك الأدب من تطورات، بل هو أيضاً تاريخ ما يتمّ بينه وبين الآداب القومية الأخرى من تبادل وتفاعل. وعند هذا الحدّ تنتهي مهمة الأدب المقارن، كما تصورها روّاده وتابعوهم من ممثلي "المدرسة الفرنسية القديمة" في الأدب المقارن: إنه العلم الذي يؤرخ للعلاقات الخارجية بين الآداب (1) .‏

ولكن ماذا عن الجوانب الجمالية والفنية والذوقية للأدب؟ ماذا عن البنى الداخلية للأعمال الأدبية؟ إنّ الأدب المقارن الذي اتخذ صورة دراسات التأثير والتأثر يكتفي بتأريخ العلاقات الخارجية للأدب، ولا يتطرق إلى الجوانب والأبعاد الجمالية الذوقية: فهو لا يحللها ولا يقيّمها، وجلّ ما يفعله بشأنها هو أن يبيّن العلاقات الخارجية والوسائط والمؤثرات المرتبطة بها (2) . أمّا الأمور الجمالية والفنية فإنّ الأدب المقارن التقليدي (دراسات التأثير) يترك التعامل معها للنقد الأدبي، الذي يعدّه المعنيّ الأوّل والأخير بالأبعاد الداخلية للأدب، فذلك هو مجال اختصاصه. إنّ علاقة الأدب المقارن بالنقد الأدبي تبدو من هذا المنظور علاقة تقسيم عمل، فلكلّ من المنهجين مضماره المحدد الذي يعرف تخومه بدقة: فعلماء الأدب المقارن ليسوا نقاداً، والنقاد ليسوا مقارنين. وما يفصل الأدب المقارن عن النقد الأدبي لا يقتصر على حدود مضمار كلّ منهما، بل يشمل المنهجية والطريقة أيضاً. فللنقد الأدبي طرائقه في مقاربة مواضيعه، وللأدب المقارن، في صورته التقليدية، طرائقه التي تختلف جذرياً عن طرائق النقد الأدبي. فمنهجية الأدب المقارن منهجية تاريخية تجريبية، تتمثل في جمع الوثائق والأدّلة والوسائط وكلّ ما يبرهن بصورة ملموسة ويقينية على وجود علاقات تأثير وتأثر بين أدبين قوميين أو أكثر (3) .‏

هكذا فهم الأدب المقارن مضماره ودوره ومنهجه على امتداد فترة طويلة من تاريخه، ساد فيها ما بات يعرف "بالمدرسة الفرنسية التقليدية"، التي دامت من أوائل القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين، عندما ظهرت في ساحة الأدب المقارن اتجاهات ومدارس جديدة، فهمت مضمار الأدب المقارن ووظيفته وأهدافه بصورة أخرى.‏

ولنظرة المدرسة الفرنسية التقليدية إلى دور الأدب المقارن وحقله العلمي ومنهجيته أسس وخلفيات نظرية وفلسفية، تأتي في المقدمة منها النزعة التاريخية في دراسة الأدب، تلك النزعة التي انتشرت على نطاق واسع في فرنسا وأوروبا على امتداد القرن التاسع عشر. يرى أصحاب هذه النزعة أنّ تاريخ الأدب هو، في جزء كبير منه، تاريخ مصادره (Quellen) ومواضيعه (Themen) وموادّه الأدبية (Stoffe) التي تنتقل داخل الأدب القومي وبين الآداب القومية بصورة يمكن دراستها وتتبعها بالوثائق والأدلة (4) .فالدراسة المقارنة لتلك الآداب تدلّ على وجود علاقات تأثير وتأثر بينها على أساس من السببية الصارمة. إنّ انتقال مادّة أدبية من أدب إلى أدب قومي آخر ليس مسألة عشوائية، بل هو علاقة تاريخية قائمة على السببية، وهذا ما على الأدب المقارن أن يبرهن عليه بصورة لا تقبل الجدال، أي أن يبيّن مصدر التأثر وواسطته ونتائجه.‏

يتبع
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:55 pm

ترافق انتشار النزعة التاريخية في الدراسات الأدبية مع انتشار نزعة أخرى، هي النزعة الوضعيّة (Positivismus) ، وهي فلسفة ترى أنّ المعرفة الصحيحة هي التي تستند إلى قاعدة تجريبية أو إمبيرية قابلة للمراجعة بصورة عبر ذاتية. أمّا المعرفة التي تقوم على التخمين والحدس والتفكير والمقارنة فقط، فهي معرفة غير موثوقة ولا يعتدّ بها (5) . انتقلت هذه النزعة إلى الدراسات الأدبية أيضاً، ودعا أنصارها، وأبرزهم الناقدان الفرنسيّان سانت- بف‏

(Sainte- Beuve) و تن(H. Tain) إلى تحويل تلك الدراسات إلى علم موضوعي يقوم على أساس تجريبي كالعلوم الأخرى (6) . وقد عبّرت النزعة الوضعية عن نفسها في الأدب المقارن من خلال دعوة "المدرسة الفرنسية التقليدية" إلى اعتماد المنهج التجريبي في دراسات التأثير والتأثر، وذلك بعدم الاكتفاء بتخمين وجود التأثير، بل البرهنة على وجوده بالأدلة والوثائق الملموسة التي لاتدع مجالاً للشك.‏

شكّل هذا التواؤم بين النزعتين التاريخية والوضعية أساساً نظرياً لما يعرف بالمدرسة الفرنسية في الأدب المقارن، وهي مدرسة ترى في الأدب المقارن علماً يدرس علاقات التأثير والتأثر (أو التبادل) بين الآداب القومية بطريقة علمية صارمة. وقد أدى هذا الأساس النظري إلى ظهور اتجاه ساد الأدب المقارن مايربو على قرن وربع القرن من الزمان، وحوّله إلى نوع من الدراسات الأدبية التي لاهمّ لها سوى تقصّي علاقات التأثير والتأثر بين الآداب القومية بهدف المساهمة في تأريخها.‏

في ضوء الأرضية النظرية السابقة الذكر تحددت التوجّهات التطبيقية للأدب المقارن في مايعرف بدراسات التأثير، وصدر عدد كبير من الدراسات المقارنة التي يُستقصى فيها تأثر أديب معيّن كالألماني غوته بأديب أجنبي معين كشكسبير، أو بجنس أدبي محدد، أو بأدب قومي معين كالأدب الإنكليزي، أو بمادة أدبية محددة، أو بمدرسة أدبية كالرومانسيّة، إلى آخر ذلك من مواضيع.‏

من المؤكّد أنّ هذا النوع من الدراسات قد سد فجوة في كتابة تاريخ الآداب القومية، تلك الثغرة التي خلفها التأريخ الذي حصر نفسه داخل حدود كلّ أدب قومي، وأغفل الامتدادات والأبعاد الخارجية التي تتجاوز الحدود اللغوية القومية للآداب. إنّ تأريخ أدب قومي ما، كالأدب الفرنسي، لا يجوز له أن يقتصر على أحقاب ذلك الأدب وأجناسه ومدارسه الفنية والفكرية وأعلامه.. الخ، فتأريخ كهذا يغفل جانباً أساسياً من جوانب الأدب الفرنسي، ألا وهو علاقاته بالآداب الأوروبية الأخرى، كالأدبين اليوناني القديم والروماني، والأدب الإنكليزي والألماني والإٍسباني والروسي، كما يغفل علاقة الأدب المؤرَّخ بالآداب غير الأُوروبية، كآداب شعوب العالم الثالث. من هذه الزاوية كان الأدب المقارن الذي مارسته المدرسة الفرنسية التقليدية في صورة دراسات التأثير مفيداً. فقد برهن على صحّة مقولة تناساها كثيرون في غمرة تحمسهم لأدبهم القومي، واندفاعهم في الذود عن "أصالته" و "تفرده" و "خصوصيته" و "عبقريته". وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإنّ دراسات التأثير والتأثر قد برهنت على بطلان مقولة "الاكتفاء الذاتي" للآداب القومية واستقلالية تلك الآداب وتفردها. فليس هناك أدب قومي لم يتأثر بالآداب القومية الأخرى بصورة من الصور. كذلك فإن لأصالة الأدب القومي وخصوصيته وتفرده حدوداً. فقد دلّت دراسات التأثير والتأثر على أنّ هذه الأمور نسبية، وأن الآداب في حالة تفاعل وتبادل، وأخذ وعطاء، واستيراد وتصدير. وبذلك شكّلت دراسات التأثير والتأثر رداً على دعاة التعصب القومي في الأدب الذين يزعمون أن أدبهم أصيل بصورة مطلقة، وخالٍ من المؤثرات الغريبة. لقد ساهمت دراسات التأثير في تجاوز ضيق الأفق القومي في الدراسات الأدبية، فأضعفت بذلك الشوفينية الأدبية. وهذا مكسب مهمّ، إذا أخذ المرء في الاعتبار حقيقة أنّ تلك الشوفينية مكوّن رئيس من مكوّنات الشوفينية السياسية، التي كانت الأساس الإيديولوجي للنازية والفاشية وغيرهما من الحركات والاتجاهات الدكتاتورية العنصرية الحديثة.‏

إلا أنّ حصر الدراسات المقارنة في مايمكن البرهنة عليه تجريبياً من ظواهر تأثير وتأثر، واستبعاد الجوانب الجمالية والذوقية للأدب من مضمار الدراسات المقارنة قد ضيق ذلك المضمار كثيراً، وحدّ في الوقت نفسه من جدوى تلك الدراسات ودورها العلمي والثقافي. لقد حوّل التوجّه التاريخي الوضعي عالم الأدب المقارن إلى مؤرخ بالمعنى الصارم الضيّق للكلمة، أي إلى شخص يجمع الوثائق والمصادر والمنابع والوسائط المرتبطة بالعلاقات الخارجية للآداب، ومنعه من عقد أيّ مقارنات خارج ذلك الإطار بمعزل عن علاقات التأثير والتأثر، بدعوة أنّ ليس لتلك المقارنات قيمة معرفية. فقد شبّه محمد غنيمي هلال، أبرز ممثلي مدرسة التأثير في الأدب المقارن العربي، مقارنات "عقيمة" كهذه بمن يقارن "زهرة بحشرة"، وتساءل عما إذا كانت مقارنة من هذا النوع تنطوي على أيّ فائدة علمية أو معرفية (7) .‏

لقد ضيّق الأدب المقارن التقليدي رقعة الدراسات المقارنة، إذ حصرها في قمقم التأثير والتأثر، كما أقام جداراً مصطنعاً بين الجوانب التاريخية وبين الجوانب الجمالية والذوقية لدراسة الأدب، أي بين تأريخ الأدب والنقد الأدبي، وهذه نقطة مقتل دراسات التأثير والتأثر. فدراسة الأدب دراسة صرف تاريخية، تتجنب الخوض في الأمور النقدية بصورة مطلقة، هي ضرب من الوهم. فليس بوسع مؤرّخ الأدب مهما كان موضوعياً، أن يتخلى بصورة تامة عن التذوق والتقييم، واضعاً ذاتيته على الرفّ، وأن يجعل دراسته التاريخية خالية تماماً من الأبعاد النقدية. فطبيعة المادة التي يتعامل معها مؤرخ الأدب طبيعة رهيفة، تخاطب العواطف والأحاسيس وتثيرها، مما يجعل مسعى علمياً كهذا ضرباً من المستحيل، اللهم إلاّ إذا اقتصر تأريخ الأدب على سرد الوقائع والمعطيات الجافة. ولكنّ تأريخاً كهذا لا يستحقّ أن تُطلق عليه تلك التسمية.‏

ومن ناحية أخرى فإن الزعم بأنّ مقارنة الآداب من زاوية التأثير أمر غير مجدٍ علمياً ومعرفياً هو زعم لاصحّة له، بل العكس هو الصحيح. فمقارنة ظواهر أدبية متشابهة في آداب قومية مختلفة لم تقم بينها علاقات تأثير أمر مثير معرفياً، وتحدّ معرفي كبير لعلوم الأدب. إنّ تفسير ظواهر التشابه بين الآداب التي ترجع إلى علاقات التأثير أمر سهل، وذلك بمجرد إثبات الوسائط التي تمّ من خلالها ذلك التأثير. ولكن كيف نفسّر ظواهر التشابه الملاحظة بين آداب لم تقم بينها علاقات تأثير، ولذلك لايمكن إرجاعها إلى تلك العلاقات؟ ذلك هو السؤال الذي رفض الأدب المقارن التقليدي أن يجيب عنه، وأبعده عن دائرة الاهتمام بطريقة تعسفية. إلاّ أنّ ذلك السؤال هو السؤال الذي انطلقت منه الاتجاهات والمدارس الجديدة في الأدب المقارن، كالمدرسة "السلافية" التي ركّزت على "التشابهات التيبولوجية" والمدرسة "الأمريكية" التي اهتمت بدراسات "التوازي والتقابل" بين الآداب. وبرفض الأدب المقارن التقليدي (الفرنسي) الإجابة عن هذا السؤال، فإنه حصر الدارسات المقارنة في قمقم ضيّق، وسدّ أمامها إمكانات وآفاقاً رحبة للمقارنة. ولذلك لم يكن من الصعب ولا المستغرب أن توجّه سهام النقد إلى الأدب المقارن التقليدي (دراسات التأثير) ، وأن تعلوا الأصوات التي تنادي بتجاوزه.‏

أمّا من الناحية الفعلية أو العملية فإنّ التوجّه التاريخي الوضعي لدراسات التأثير لم يتمكّن من أن يمنع المقارنين الذين يمارسون هذا النوع من الدراسات من القيام بنشاط تقييمي، أي بدور نقدي. فالمفاهيم نفسها قد تخون أصحابها. إنّ فعل "أثّر" يعني لغة ترك في الآخر أثراً، أي أن المؤثّر هو بالضرورة الطرف الفاعل والإيجابي. أمّا التأثر فهو التعرض للتأثير. "تأثّر به" يعني لغة "حصل منه على أثر" أو "ظهر فيه الأثر" (8) . والتأثر هو الانفعال، أي ردّة فعل على مؤثر خارجي، وهو سلوك سلبي. فالتأثير أمر إيجابي ضمناً، خلافاً للتأثر، فهو أمر سلبي، اعترف المرء بذلك أم لم يعترف. وبالفعل فإنّ دراسات التأثير والتأثر قد تحولت عملياً إلى شكل من أشكال دراسات "السرقات الأدبية"، يقوم فيها الطرف المتأثر بدور "السارق"، بينما يقوم الطرف المؤثر بدوره "المسروق"، وبذلك يتحول الطرف المؤثر إلى الأصل أو "المنبع" أو "المصدر"، وهو لذلك الطرف الأصيل، خلافاً للطرف المتأثر، فهو التابع المقلّد الذي يفتقر إلى الأصالة. ولا عجب بعد ذلك في أنّ تورّط دراسات التأثير والتأثر في النقاش الدائر حول الأصالة، وهي قيمة نقدية (9) ، لابل أن يصبح إثبات أصالة أدبنا القومي هدفاً رئيساً لتلك الدراسات (10) . وهكذا تحولت دراسات التأثير إلى شكل من أشكال النقد الأدبي، وسقط أحد المقومات المنهجية للاتجاه التاريخي الوضعي في الأدب المقارن.‏

يتبع
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:56 pm

ومن حيث تدري أو لاتدري لعبت دراسات التأثير دوراً قومياً. فهي تبيّن، في رأي الدكتور محمد غنيمي هلال، أصالة الأدب القومي (11) . وبدلاً من أن تكون وسيلة لتجاوز ضيق الأفق القومي، هاهي تخدم النزعة القومية، وبدلاً من أن تبيّن أنّ الآداب ليست مكتفية ذاتياً، بل تتبادل المؤثرات، انعكست الآية، وتحوّل الأدب المقارن التقليدي إلى وسيلة لإظهار "أصالة" الأدب القومي، أي استقلاليته وتميّزه عن الآداب القومية الأخرى.‏

من الناحية الفعلية تحوّلت دراسات التأثير والتأثر، على حد قول أحد منتقديها اللامعين، رينيه ويليك (Rene Wellek) إلى عملية "مسك الدفاتر" لنشاطات الاستيراد والتصدير التي تتمّ بين الآداب القومية (12) . وبموجب تلك "الدفاتر الثقافية" يمكن معرفة ما صدّره أدب قومي معيّن إلى آداب قومية أخرى، وما استورده منها. وبالطبع فإنّ التصدير أفضل من الاستيراد، في الثقافة أيضاً، والطرف المصدّر أو المرسل هو الأفضل والأقوى، وهو صاحب الفضل والأيادي البيضاء على الطرف المستورد المستقبل الآخذ المتأثر. وهكذا خدمت دراسات التأثير والتأثر نزعة التباهي والتعالي القومي والإقليمي، وصار أهل كلّ أدب حريصين على إظهار تأثير أدبهم القومي في الآداب الأخرى وفضله عليها.‏

وأحرز الفرنسيون قصب السبق في هذا المجال. فقد مكنتهم دراسات التأثير، التي كانوا قد ابتكروها وطوروها ورعوها، من إظهار ضخامة التأثير الذي مارسه الأدب الفرنسي على الآداب الأخرى، أوروبية كانت أم غير أوروبية (13) . أما على الصعيد الإقليمي فإنّ دراسات التأثير أظهرت أنّ تأثير الآداب الأوروبية في الآداب غير الأوروبية كبير جداً، وهو يفوق بكثير تأثر الآداب الأوروبية بآداب القارات الأخرى. في الحالة الأولى خدمت دراسات التأثير نزعة التعالي الثقافي الفرنسية، وهي نزعة قومية توسعيّة، شكّلت في الماضي مقوماً من مقوّمات الإيديولوجيا الاستعمارية الفرنسية، وهي تشكل اليوم الأساس الفكري والثقافي لما يعرف "بالفرانكوفونية". والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الحالة الثانية. فقد خدمت دراسات التأثير نزعة "المركزية الأوروبية" (Eurozentrismus) وهي نزعة متعالية توسعيّة، شكلّت مكّوناً هامّاً من مكّونات العقلية الاستعمارية الأوروبية، ومازالت إلى اليوم تخدم مساعي الهيمنة الثقافية الأوروبية. لقد عززت دراسات التأثير نزعة المركزية والتفوق لدى الفرنسيين والأوروبيين على حدّ سواء، وكان هذا موضع نقد من جانب خصوم المدرسة التقليدية في الأدب المقارن داخل فرنسا وخارجها. وكان في مقدمة من انتقدها من الفرنسيين المقارن الكبير رينيه اتيامبل (Rene Etiemble) ، وهو مقارن ذو أفق إنساني رحب، يرى أنّ حدود الإنسانية لا تنتهي عند حدود أوروبا، وأنّ الأدب العالمي لا يتطابق مع الأدب الأوروبي ولا يقتصر عليه (14) . فقد حذّر ايتامبل من المركزية القومية والإقليمية للأدب المقارن التقليدي، ومن ابتعاده عن جوهر الأدب. وقد شكل ذلك النقد خطوة هامة نحو تجاوز الاتجاه الوضعي في الأدب المقارن.‏

مهما يكن من أمر فإن الأساس النظري لدراسات التأثير قد تداعى نتيجة ما وجّه إليه من نقد. فالنزعة التاريخية التي بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر قد انحسرت، وكذلك أفل نجم الفلسفة الوضعية. وهكذا اتضح أنّ كتابة تاريخ الأدب القومي مسألة تنطوي على إشكالية كبيرة، وذلك لعدة أسباب، منها أنّ مفهوم "الأدب القومي" نفسه مفهوم إشكالي وخلافي. ما هو الأدب القومي؟ أهو مجموع ما كتب بلغة واحدة من أعمال أدبية؟ ولكن هناك كيانات قومية متعددة يكتب أبناؤها بلغة واحدة، كالإنكليزية والفرنسية. فهل تشكّل آداب كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا ونيوزيلاندا وايرلاندا أدباً قومياً واحداً؟ وهل تشكل آداب فرنسا والكانتون الناطق بالفرنسية من سويسرا ومقاطعة كوبيك الكندية وبعض الأقطار الإفريقية الناطقة بالفرنسية أدباً قومياً واحداً؟ وهل يمكن اعتبار آداب إسبانيا ومعظم أقطار أمريكا الجنوبية أدباً قومياً واحداً؟ وبالمقابل هناك كيانات قومية تسود فيها تعددية لغوية. ففي سويسرا يكتب الأدباء بثلاث لغات، هي الألمانية والفرنسية والإيطالية. فهل نتحدث عن أدب قومي أم عن آداب قومية سويسرية؟ والشيء نفسه يمكن أن يقال عن كندا والعراق والهند وأقطار كثيرة، تشكل من الناحية السياسية كيانات قومية، ولكنها تستخدم لغات متعددة في كتابة الأدب. وأخيراً لابد من التساؤل: ألا تتجاوز معظم الظواهر الأدبية حدود الأدب القومي الواحد؟ هل تقتصر الأجناس والتيارات والمدارس الأدبية على أدب قومي دون سواه؟ إذا كان الجواب بالنفي، فما معنى الحديث عن "أدب قومي"؟ وضمن أية حدود وقيود يمكن أن يستخدم هذا المفهوم؟‏

ومن جهة أخرى فإن علامة استفهام كبيرة قد ارتسمت على تاريخ الأدب نفسه. هل يمكن إيواء عدد كبير جداً من الأعمال الأدبية ضمن حظيرة تاريخية واحدة؟ إذا كان تاريخ الأدب هو عرض ما هو مشترك بين الأعمال الأدبية، ألا يؤدي ذلك بالضرورة إلى صرف النظر عن خصوصية كلّ عمل من تلك الأعمال، أي عن أهم ما فيها؟ وهل يتسع أي تاريخ أدب لعرض الأعمال الأدبية كلها التي تنتمي إلى ذلك الأدب؟ كذلك فإن المقاربات النقدية الحديثة تنطلق من داخل النصوص الأدبية، أي من علاقاتها وبناها ومكوناتها الداخلية، وليس من علاقاتها الخارجية. ترى ألا يؤدي ذلك بالضرورة إلى وضع حدّ لأي شكل من أشكال تأريخ الأدب؟ لقد أصبح تأريخ الأدب مسألة إشكالية، وعملاً تحوم حوله الشكوك، وتوجّه إليه الانتقادات، لابل لم يعد أمراً ممكناً في نظر الكثيرين. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على علم يرى وظيفته في إكمال كتابة تاريخ الآداب القومية، أي على الإتجاه التاريخي الوضعي (أو المدرسة الفرنسية التقليدية) في الأدب المقارن.‏

أما الفلسفة الوضعية التي مدت الأدب المقارن التقليدي بقسم من أساسه النظري، فقد تعرضت بدورها لانتقادات شديدة من جانب الاتجاهات الفلسفية الجدلية أو الديالكتيكية، مما جعل موقفها بالغ الصعوبة. ولئن كانت الوضعية قد عادت إلى الظهور حديثاً في صورة الوضعية الجديدة (Neopositivismus) ، فإنّ زمن الوضعية القديمة قد ولى وإلى غير رجعة (15) .‏

وأخيراً وليس آخراً فقد ظهرت اتجاهات ومناهج نقدية جديدة، كالنظرية المادية (الماركسية) للأدب، والبنيوية، والنقد الجديد ونظرية التلقي ونظرية التناصّ، وغير ذلك من الاتجاهات التي تعارضت مواقعها الفكرية مع منطلقات الأدب المقارن التقليدي (16) . وقد سجّلت هذه الاتجاهات انتقادات جذرية وجوهرية على دراسات التأثير والتأثر، فأكملت بذلك سحب البساط النظري والمنهجي من تحتها. ونتيجة لتفاعل الأدب المقارن مع تلك الاتجاهات النقدية ظهرت مدارس مقارنية جديدة، نافست المدرسة الفرنسية القديمة وقدّمت بدائل لها.‏

ولكن هل يعني ذلك أنّ دراسات التأثير والتأثر قد توقفت، ولم يعد هناك من يمارسها، بعد أن تعرضّت أسسها النظرية لكل تلك الضربات؟ ثمة مايدل على أنّ دراسات التأثير في شكلها التقليدي قد تراجعت في أوروبا وفي الأقطار الغربية عموماً، لابل إنّ مفهوم "التأثير" نفسه (EINFLUSS / INFLUENCE) قد أصبح موضع ارتياب. ومن يستعرض الدوريات المتخصصة في الأدب المقارن، والإصدارات الجامعية وغير الجامعية المعلقة بهذا المضمار، يجد أن مصطلح "التأثير" قد أصبح من مخلّفات الماضي، وقد اختفى من الدراسات الأدبية المقارنة إلى حدّ بعيد. أمّا العالم العربي فإنّ الدلائل تشير إلى أنه لم يواكب تلك التطورات. فدراسات التأثير والتأثر العربية شهدت حديثاً عصرها الذهبي، بحيث يمكن القول إنّ معظم ما أنتجه المقارنون العرب من دراسات مقارنة تطبيقية يدخل في باب دراسات التأثير (17) . ما تفسير ذلك؟ لماذا لم يتماش الأدب المقارن في العالم العربي مع التوجه العلمي إلى الإقلاع عن دراسات التأثير؟ لماذا تزدهر دراسات التأثير العربية، في الوقت الذي تكاد فيه تختفي في العالم بأسره، حتى في فرنسا، بلد المنشأ بالنسبة لهذا النوع من الدراسات؟‏

يتبع
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:56 pm

لهذه الظاهرة أسباب متعددة، أولها أنّ هذا النوع من الدراسات هو الأسهل منهجياً وتطبيقياً، لابل إنه أوضح المناهج المقارنة وأسهلها إطلاقاً. فهو من الناحية التطبيقية عمل توثيقي بالدرجة الأولى، يتمثل في جمع المادة التاريخية التي تدلّ وجود علاقة تأثير وتأثر بين أدب قومي ما وأدب قومي آخر أو آداب قومية أخرى. ومن جهة أخرى فإنّ دراسات التأثير يمكن أن توظّف بسهولة في النقاشات والمعارك الأدبية والنقدية الدائرة في الوطن العربي حول قضايا أدبية كقضية الأصالة والتقليد والتبعية والمثاقفة في الأدب العربي الحديث. إنّ الباحث المقارن الذي يستطيع البرهنة بصورة تجريبية مدعّمة بالوثائق على مدى تأثر مسرحي عربي كسعد اللّه ونوس بمسرح الألماني (بريشت) (B. Brecht) ، وعلى تأثر العديد من الروائيين والقاصين العرب بأدب النمساوي فرانز كافكا (Franz Kafka) ، يستطيع أن يجعل من حجم التأثير معياراً للحكم على مدى أصالة المتأثرين. فكلما كبر التأثر قلّت الأصالة وفقاً للتصور السائد. وللأسف فإنّ النقاد العرب يستخدمون دراسات التأثير للطعن في أصالة الأدباء العرب، والحطّ من قدرهم الإبداعي، وذلك بإظهارهم في مظهر مقلّدين للأدباء الأجانب. وهكذا حلّت دراسات التأثير عملياً محل دراسات "السرقات الأدبية". فالهدف واحد والنتيجة واحدة في الحالتين، ألا وهي التقليل من شأن الإنجازات الفنية والفكرية للأدب العربي الحديث، والنيل من أصالته، ووضعه في دائرة "التبعية الثقافية" و "الغزو الثقافي" و "الفكر المستورد". ولسوء الحظ فإنّ بعض المقارنين العرب يتصرّفون وكأنهم "شرطة الأدب" التي تسعى إلى ضبط الأدباء العرب "في الجرم المشهود"، ألا وهو جرم التأثر بالآداب الأجنبية. ترى ألا يشكّل هذا الدور الثقافي البوليسي حافزاً لإنجاز المزيد من دراسات التأثير؟‏

ومن جهة ثانية فإنّ استبدال دراسات التأثير بنوع آخر من الدراسات المقارنة، نوع يعتمد نظرياً على المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة، كنظرية الأدب الجدلية والنقد الجديد ونظرية التلقي ونظرية التناص.. الخ، ليس بالأمر السهل. فهو يتطلب استيعاب تلك المناهج استيعاباً وافياً من جهة، وتطوير القدرة على استخدامها تطبيقياً في الدراسات الأدبية المقارنة من جهة أخرى (18) . إلا أنّ استيعاب الفكر النقدي العالمي في الوطن العربي، وإن كانت سرعته تختلف من قطر لآخر، يتمّ ببطء شديد. فالحواجز اللغوية والثقافية بين العرب والعالم كبيرة جداً، وهي تعيق التفاعل الثقافي حتى في مضمار الأدب المقارن. كذلك فإنّ تأصيل المناهج النقدية المعاصرة، وتوظيفها تطبيقياً في الدراسات المقارنة العربية، ليس بالأمر السهل أيضاً، خصوصاً وأنّ بعضاً من تلك المناهج لم يطوّر بصورة وافية إجراءات تطبيقية خاصة بالأدب المقارن. وحتى إذا استوعب المرء الاتجاهات المقارنة الحديثة المنبثقة عن الفكر النقدي الحديث، فإنه ليس هناك مايضمن أن تستخدم تلك المناهج تطبيقياً بصورة مناسبة، وألاّ يظلّ الالتزام بها نظرياً لا تطبيقياً، بدليل أنّ بعض ممثلي المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن العربي، قد نحوا في دراساتهم التطبيقية منحى دراسات التأثير والتأثر الفرنسية التقليدية. وأفضل مثال على ذلك هو الدكتور حسام الخطيب، الذي روّج أفكار المدرسة الأمريكية في العالم العربي، ولكنه نهج نهجاً فرنسياً تقليدياً على الصعيد التطبيقي (19) .‏

هناك إذن تأخّر وتقصير في استيعاب المناهج والاتجاهات الجديدة في الأدب المقارن العالمي، وذلك في سياق التقصير والتأخر الحاصلين في استيعاب الفكر النقدي العالمي بصورة عامة، وهناك قصور في استخدام تلك المناهج تطبيقياً في الدراسات المقارنة العربية (20) . وعلى أية حال فإنّ دراسات التأثير العربية تعيش حالياً فترة ازدهار. وقد ظهر على هذا الصعيد اتجاهان: اتجاه يركز على تأثير الأدب العربي (والثقافة العربية) في الآداب الشرقية وتأثره بها، وفي مقدمة تلك الآداب الأدبان: الفارسي والتركي. أما الاتجاه الثاني فهو يركّز على تأثر الأدب العربي بالآداب الأوروبية والغربيّة. فيما يتعلق بالمحور الأول، أي علاقة الأدب العربي بالآداب الشرقية والإسلامية، فقد حظي الأدب الفارسي بالقسط الأعظم من اهتمام الباحثين وجهودهم. لقد دُرس تأثر الأدب العربي القديم بالثقافة الفارسية، وتأثر الأدب الفارسي بالأدب العربي والثقافة العربية عموماً. ومن أبرز المواضيع التي تمحورت حولها الدراسات المقارنة موضوع "ليلى والمجنون" في الأدبين العربي والفارسي (21) .‏

ومن المؤكد أن هذه الدراسات (بصرف النظر عن منهجيتها) قد ساهمت في توضيح بعض من جوانب العلاقات الأدبية والثقافية بين الأمتين الجارتين العربية والفارسية، وهذا أمر جدير بالترحيب. فالحوار الثقافي بين هاتين الأمتين المرتبطتين ارتباطاً مصيرياً ضرورة ملّحة. إلاّ أنّ الدراسات المقارنة بين الأدبين العربي والفارسي، حتى وإن أخذت شكل دراسات تأثير وتأثر، غير كافية. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الدراسات المقارنة بين الأدبين العربي والتركي. فالعلاقات بين أدبي هاتين الأمتين الجارتين تستحق مزيداً من الاهتمام. أمّا السبب في قصور تلك الدراسات فهو هيكلية دراسة اللغات والآداب الأجنبية في الجامعات العربية. فهي تتمحور حول الأدبين الإنكليزي والفرنسي، وتغفل دراسة وتدريس آداب شعوب تجمعنا بها روابط التاريخ والجوار (22) .‏

أما المحور الثاني لدراسات التأثير والتأثر العربية فهو علاقة الأدب العربي بالآداب الأوروبية، أي تأثره بها وتأثيره فيها. وقد برزت على هذا الصعيد مواضيع استأثرت باهتمام الباحثين وجهودهم. فعلى صعيد تأثر الآداب الأوروبية بالأدب العربي وبالثقافة الإسلامية حظي موضوع المصادر العربية والإسلامية في "الكوميديا الإلهية" لدانتي (Dante) باهتمام كبير من جانب المقارنين العرب، وكانت "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري وقصة "الإسراء والمعراج" أهمّ المصادر التي سعى المقارنون العرب لإثبات تأثر دانتي بها. فقد صدرت عدة دراسات حول هذا الموضوع، مما جعل منه مركز استقطاب لبحوث التأثير العربية (23) . ومن المواضيع التي حظيت بقسط وافر من اهتمام المقارنين العرب تأثير حكايات "ألف ليلة وليلة" في الآداب الأوروبية. إنّ رحلة تلك الحكايات إلى أوروبا، وما مارسته هناك من تأثير، هو أمر مثير حقاً، وقد تناوله عدة باحثين، درسوا ذلك التأثير في آداب قومية أوروبية مختلفة (24) .‏

ولابدّ من الإشارة أخيراً إلى موضوعين آخرين استقطبا اهتمام دراسات التأثير العربية، هما: تأثر "شعر التروبادور" الأوروبي بشعر الغزل العربي، وتأثر أدب القصة والرواية الأوروبيّ بفنّ المقامة.‏

يتبع
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:57 pm

لاشكّ في أنّ لدراسات التأثير العربية دوافع معرفية وعلمية، ولكن من الواضح أيضاً أنّ لها دوافع إيديولوجية تتلخص في السعي لدحض فكرة التفوّق الأدبي والثقافي الأوروبي، وذلك بإظهار فضل العرب على الأوروبيين، وأنّ شمس العرب تسطع على الغرب، ليس علمياً وفلسفياً فحسب، بل أدبياً أيضاً(25) إنّ هذه الدراسات هي ردة فعل عربية على المركزية الأوروبية وعلى مساعي الهيمنة الأوروبية الغربية، ولاشكّ في أنّ هذا الدافع مشروع، ويمكن أن يوضع في سياق الدفاع عن "الأمن الثقافي" العربي، وأن ينظر إليه في إطار المحافظة على الهوية الثقافية العربية المهددة بالتمزق نتيجة ما يمارسه الغرب من توسع وهيمنة ثقافيين.‏

إنّ دراسات التأثير العربية هذه هي انتفاضة طرف مهدد ثقافياً ضدّ طرف توسعيّ يمارس الهيمنة الثقافية، ويسعى لمحو الهوية الثقافية العربية والقضاء عليها، كي يستكمل سيطرته الاقتصادية والسياسية والعسكرية على المنطقة العربية، التي يعدّها منطقة "مصالح حيوية" له، ويسعى للسيطرة عليها بصورة كاملة.‏

ولكن رغم تفهمنا الكامل للدوافع القومية المشروعة لهذا النوع من دراسات التأثير العربية، فإننا نرى أنّ تلك الدراسات لم تنجُ من المآخذ التي أخذت على دراسات التأثير الفرنسية والأوروبية، وينطبق عليها النقد الذي وُجّه إلى تلك الدراسات. فنحن لا نستطيع أن نقيس بمكيالين، فنرفض دراسات التأثير الفرنسية والأوروبية، لأنها تخدم نزعة المركزية الفرنسية والأوروبية، ونجيز دراسات التأثير العربية التي تخدم أيضاً نزعة قومية أو مركزية. كذلك فإنّ التحفظات المنهجية والنظرية التي سُجّلت على دراسات التأثير الفرنسية والأوروبية، يجب أن تسجل أيضاً على دراسات التأثير العربية. فزمان هذا النوع من الدراسات قد ولّى.‏

هذا عن الدراسات المقارنة المتعلقة بتأثير الأدب العربي في الآداب الأوروبية، فماذا عن الدراسات التي تتخذ من تأثر الأدب العربي بالآداب الأوروبية موضوعاً لها؟ إنّ هذه الدراسات كثيرة، وهي في ازدياد مستمر، وذلك على خلفية أنّ تاريخ الأدب العربي الحديث هو، في جزء كبير منه، تاريخ تأثره الإبداعي بالآداب الأوروبية. فقد تمخضت المثاقفة التي نشأت بين العرب وأوروبا، ولم تزل مستمرة منذ أواسط القرن التاسع عشر، عن تحوّلات جذرية في الأدب العربي، إن لناحية أجناسه الأدبية، أم لناحية اتجاهاته الفنية والفكرية. فعلى صعيد الأجناس الأدبية ظهرت في الأدب العربي أجناس لم تكن موجودة قبل ذلك، كالمسرحية والرواية والقصة القصيرة والأقصوصة والقصة الشعرية. وعلى الصعيد الفني انتشرت في الأدب العربي تيارات أدبية أوروبية الأصل، كالرومانسية والبرناسية والواقعية والواقعية الاشتراكية والرمزية والسريالية. أما على الصعيد الفكري فقد انتقلت إلى الأدب العربي اتجاهات فكرية ذات منشأ أوروبي، كالماركسية والوجودية والليبرالية. لقد تأثر الأدب العربي تأثراً عميقاً واسع النطاق بالآداب الأوروبية وبالثقافة الأوروبية، وهذا يجعل من دراسة هذه الظاهرة أمراً مسوغاً. وبالفعل صدرت عدة أبحاث ودراسات مقارنة حول دور التأثر بالرواية الأوروبية في نشوء الرواية العربية وتطورها، وفي نشوء المسرحية العربية وتطورها، وفي تطور الشعر العربي الحديث. كما ظهرت أبحاث مقارنة حول تأثر الأدب العربي الحديث ببعض الاتجاهات الفنية والفكرية الأوروبية(26) .‏

لئن كان حجم تأثر الأدب العربي الحديث فنياً وفكرياً بالآداب والثقافة الأوروبية يسوّغ القيام بدراسات حول هذا الموضوع، فإنه يحقّ للمرء أن يتساءل عن المراد من دراسات التأثير هذه. هل المقصود بها هو إظهار تبعية الأدب العربي الحديث للآداب الأوربية، وضخامة تأثير تلك الآداب فيه، وذلك بغرض التصدي لتلك التبعية، والسعي للتحرر منها، وصولاً إلى أدب عربي أصيل وناضج؟ أم المقصود بهذه الدراسات هو إظهار مايدين به الأدب العربي الحديث للآداب الأوروبية والغربية اعترافاً بفضل تلك الآداب وثقافاتها، وذلك عبر الإقرار بأنه قد كان لتأثر الأدب العربي الحديث بالآداب المذكورة دور حاسم في تحديث الأدب العربي وتطويره، وهذا ينطوي على اعتراف بالتبعية وتلذذ بها(27) ؟ هل تريد دراسات التأثر أن تظهر للأوروبيين أنّ لهم الفضل في النهوض بالأدب العربي، بغية تملق مشاعر المركزية والتفوق التي يكنّونها؟ لانريد أن نعطي إجابات تنطوي على أحكام تعميمية، لأنّ أحكاماً كهذه قد تكون تعسفية، ولكن لايسعنا إلاّ أن نشير إلى أنّ دراسات التأثر المشار إليها ترضي مشاعر المركزية الأوروبية المترسخة في نفوس قسم من الأكاديميين الأوروبيين وفي الرأي العام الغربي. إلاّ أنّ الأهمّ من ذلك هو أنّ تلك الدراسات تنتقص من أهمية الجهود الإبداعية الحديثة التي بذلها الأدباء العرب، وذلك من خلال التركيز على مايدين به الأدب العربي الحديث للآداب الأوروبية، لا على ما أنجزه ذلك الأدب جمالياً وفكرياً. وهناك حالات استخدمت فيها مسألة المؤثرات الأجنبية في الإساءة إلى بعض الأدباء العرب والحطّ من قدرهم بصورة مباشرة، وذلك بإظهار الأديب العربي في صورة مقلد أو سارق (28) .‏

يتبع
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:57 pm

ومهما تكن أهداف دراسات تأثر الأدب العربي الحديث بالآداب الأوروبية ونتائجها، فإن تلك الدراسات تقوم على منهج علمي عفا عليه الزمن. وهي لاتخدم تطور الأدب العربي الحديث، لأنّ نتيجتها الحتمية هي التعتيم على إنجازاته الجمالية والفكرية، وإبراز جوانب التقليد فيه على حساب جوانب التجديد والأصالة. إنها تضع الأدب العربي الحديث في موقع المتأثر المنفعل، لا في موقع الذات الفاعلة المؤثرة المتجددة. وكما انحسرت دراسات التأثير والتأثر في الأدب المقارن الفرنسي والأوروبي، رغم أنها تخدم نزعة المركزية الفرنسية والأوروبية، فإنّ دراسات التأثير والتأثر العربية، خصوصاً تلك التي تدور حول تأثر الأدب العربي الحديث بالآداب الأوروبية والغربية، ستنحسر أيضاً، وستفسح المجال لدراسات مقارنة عربية تستند إلى مناهج نقدية أحدث، وتنسجم مع الحاجات والمصالح الثقافية العربية بصورة أفضل.‏

3- التشابهات التيبولوجية والمذهب المادي الجدلي‏

وفي مقدمة الاتجاهات النقدية ونظريات الأدب التي تتعارض مواقعها مع مواقع المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن ومع دراسات التأثير والتأثر: الاتجاه الماركسي أو نظرية الأدب الماركسية، تلك النظرية التي تسمّى أحياناً "مادية" وأحياناً "جدلية" أو "ديالكتيكية" (29) . فمن المعروف أنّ الفلسفة الماركسية، باعتبارها فلسفة مادية ديالكتيكية تاريخية، قد انتقدت الفلسفة الوضعية ورفضتها بشدة، وعدّتها اتجاهاً فلسفياً بورجوازياً. ولا عجب في ذلك. فالماركسية هي وريثة فلسفة هيجل الجدلية، وهي فلسفة تملك نظرة شمولية إلى الكون والمجتمع والثقافة والأدب. وهي ترى أنّ التطور التاريخي ليس عشوائياً، بل هناك قوانين وقواعد تتحكم فيه وتوجهه، وعلى رأس تلك القوانين قانون الصراع الطبقي. فالتاريخ من وجهة نظر ماركسية ليس تكراراً للماضي، بل حركة موجهة، حركة تجاوز وانتقال مما هو قائم إلى مرحلة أعلى وأرقى من مراحل التطور الناجم عن قوانين الجدل أو الديالكتيك. وتقول النظرية الماركسية بوجود علاقة جدلية بين القاعدة المادية أو البناء التحتي للمجتمع، وبين البناء الفوقي الذي تشكّل الثقافة والأدب أهمّ مكوّناته. وفي نظرتها إلى العلاقة بين البناء التحتي والبناء الفوقي، أي بين المجتمع والثقافة، ترجّح النظرية الماركسية كفّة الطرف الأول، أي البناء التحتي والمجتمع، وترى فيه الطرف الرئيس في المعادلة الجدلية. فالوجود المادي يحدد الوعي الاجتماعي، والبناء التحتي يتحكم في البناء الفوقي، أي في الثقافة والأدب، ويوجّه مسارهما. صحيح أنّ البناء الفوقي يؤثر في البناء التحتي، ولكنه يتأثر به بدرجة أكبر، ويظل البناء التحتي الطرف الرئيس في العلاقة الجدلية بين البناءين (30) .‏

والأدب من وجهة نظر ماركسية، جزء من البناء الفوقي للمجتمع، يواكبه ويتطور بتطوره، ولذا فإن دراسة الأدب لايجوز أن تتمّ بمعزل عن دراسة المجتمع، والتطورات الفنية والفكرية التي تظهر في الأدب لايجوز أن تدرس بمعزل عن دراسة التطورات الاجتماعية. فالتطور الأدبي لايتمّ بفعل العوامل الأدبية الداخلية وحدها، بل وبفعل تفاعل الأدب مع المجتمع وتعبيره عما يجري فيه من تطورات. إنّ تفسير الظواهر الأدبية الهامة، كنشوء وتطور الأجناس والتيارات الأدبية، لايكون بإرجاعها إلى أسباب أدبية داخلية فحسب، بل بربطها بالمسببات الاجتماعية التي أحاطت بنشوئها وتطورها. أمّا الفلسفة الوضعية فهي لا تتفق مع الفلسفة الماركسية ونظرية الأدب الماركسية حول أيّ من مقولاتها، والتعارض بين الفلسفتين تعارض جذري. فما من فلسفة انتقدت الفلسفة الوضعية بالقوة التي انتقدتها بها الفلسفة الماركسية التي يعدّ نقد الوضعية جانباً رئيساً من جهودها النظرية، مما حوّل الخلاف بين الفلسفتين إلى واحد من أهمّ النقاشات في الفلسفة الحديثة (31) .‏

كان من الطبيعي أن يحصل تناقض جذري بين أدب أساسه النظري هو النزعة التاريخية والفلسفة الوضعية، أي المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن، وبين نظرية الأدب الماركسية التي تقوم على الفلسفة المادية الجدلية التي ترى في الأدب شكلاً من أشكال الوعي الإنساني الذي يعكس الوجود الاجتماعي المادي للناس مثلما تعكس المرآة الأشياء (32) . فنظرتا هذين الاتجاهين إلى الأدب وقضاياه متعارضتان كلّ التعارض. صحيح أنّ الاتجاهين كليهما يقولان بتاريخية الأدب، وبإمكانية كتابة تاريخ الأدب، ولكن شتان بين تصوريهما لذلك التاريخ! فالمدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن لا تهتمّ إلاّ بما ينجم عن عوامل التأثير والتأثر من نتائج أدبية. أمّا الاتجاه الماركسي فهو يرى أنّ هناك قوانين تتحكم في حركة الأدب وتاريخه. فتطور الأدب لا يتوقّف على عوامل التأثير والتأثر، ولا ينجم عنها بقدر ماهو ضرورة حتمية يمليها تطور المجتمع، أي البناء التحتي بالدرجة الأولى، والبناء الفوقي بدرجة أقلّ. وهذه القوانين عامة، تسري على الآداب كلّها. أمّا الفروق بينها فهي ترجع إلى فروق في درجات التطور الاجتماعي، وهي لاتلغي القوانين العامة لتطور الآداب والمجتمعات. فما يبرز في أحد الآداب من ظواهر أدبية هامة، كالأجناس الأدبية والاتجاهات الفنية، في وقت مبكر، نتيجة لتقدّم المجتمع الذي يحتضن ذلك الأدب، يظهر حتماً في الآداب الأخرى، لا بفعل علاقات التأثير والتأثر فحسب، بل بالدرجة الأولى نتيجة لتوافر الشروط والمقدمات الاجتماعية في المجتمعات التي تحتضن تلك الآداب، وإن يكن بفارق زمني قد يطول أو يقصر. فمسألة التطور الأدبي مرتبطة بالتطور المجتمعي، وهي مسألة وقت فقط. إن الآداب تمر بالمراحل التاريخية نفسها، وتشهد ظهور الأشكال الأدبية الرئيسية نفسها، من أجناس وتيارات أدبية وما إلى ذلك، مما يعني أنها تمر بمراحل التطور نفسها، ولكن ليس بصورة متزامنة. فهناك قانون يحكم تطور المجتمعات والآداب على حدّ سواء، هو قانون عدم التزامن (Ungleichzeitigkeit) .‏

يتبع
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:57 pm

والماركسية نظرية عالمية أو أممية، ترى أنّ مقولاتها تنطبق على المجتمعات والثقافات كلّها. صحيح أنها لا تنكر الخصوصية القومية للآداب والثقافات، لأنها تعبّر عن أوضاع اجتماعية مشتركة بين المجتمعات البشرية. ولكنها لا توليها أهمية كبيرة. فالأساس هو التشابه بين الآداب والثقافات لأنها تعبّر عن أوضاع اجتماعية مشتركة بين المجتمعات البشرية. وهذه المجتمعات متشابهة رغم ما بينها من فوارق قومية. لقد ركزت الماركسية باستمرار على الجوانب الإنسانية العامة المشتركة بين الشعوب، وانتقدت النزعات القومية التي تغالي في تقييم دور الخصوصية القومية، واعتبرت تلك النزعات إيديولوجيات مضلّله تخدم مصالح طبقيّة، بورجوازية أو بورجوازية صغيرة، وتثير النزعات القومية بين الشعوب، وتغطي التناقضات الحقيقية في المجتمعات، أي التناقضات الطبقية. لذلك لا عجب في أن يدرس علماء الأدب المقارن ذوو النزعة الماركسية الأدب بصورة تتجاوز الحدود القومية الضيقة، أي حدود الآداب القومية، ومن أن تبشّر الماركسية في وقت مبكر، أي في أواسط القرن التاسع عشر، بظهور "أدب عالمي" يحلّ محلّ الآداب القومية (33) .‏

ومن العوامل التي أدت إلى نشوء تعارض شديد بين الأدب المقارن التقليدي وبين نظرية الأدب الماركسية حقيقة أنّ لهذه النظرية توجهات عالمية أو أممية، الأمر الذي يصعب التوفيق بينه وبين منهج دراسات أدبية ينطلق من "الأدب القومي"، ولا يطمح إلى أكثر من أن يكمل تاريخ ذلك الأدب. ولذا لا عجب في ألا تكترث نظرية الأدب الماركسية بالأدب المقارن في أول الأمر، وألاّ تظهر في وقت مبكر مدرسة ماركسية في الأدب المقارن. فالدراسات الأدبية التي تسترشد بالماركسية تتجاوز الحدود القومية للآداب بطبيعة الحال، وتنطوي ضمنياً على عنصر المقارنة، وهي ليست مستعدة للتركيز على علاقات التأثير والتأثر، لأنها لا توليها كبير أهمية، ولا ترى فيها محركاً للتاريخ الأدبي وتطور الآداب.وهي ليست مستعدة أيضاً لأن تصرف النظر عن الجوانب الجمالية والذوقية للأدب مثلما تفعل المدرسة الفرنسية التقليدية. وباختصار فإنّ نظرية الأدب الماركسية والأدب المقارن التقليدي (دراسات التأثير) يقفان منهجياً على طرفي نقيض، ولا يجمعهما جامع. ولكن ألا تجمعهما النزعة إلى تخطي الحدود القومية للآداب؟ إنّ الأدب المقارن التقليدي يمكّن الباحث من أن يطلّ ما وراء حدود أدبه القومي، بل هناك من المقارنين التقليديين من يتسم بنزعة كوزموبوليتية (Kosmopolitisch) ، ولكنّ نقطة الارتكاز التي ينطلق منها الأدب المقارن التقليدي هي "الأدب القومي"، ومايتلقاه ويعطيه من مؤثّرات، وهذا مالا تجاريه فيه نظرية الأدب الماركسية. فهي أقرب إلى مايسمى "الأدب العام" منه إلى الأدب المقارن التقليدي (34) .‏

هل يجعل ذلك نظرية الأدب الماركسية قادرة على الاستغناء عن الأدب المقارن بصورة كاملة؟ والجواب عن هذا السؤال هو (نعم) و (لا) في الوقت نفسه. نعم، لأنّ الدراسات النقدية الماركسية مارست دراسة الأدب نقدياً بصورة تتجاوز الحدود اللغوية والقومية للآداب، وذلك بمعزل عن الأدب المقارن. فلمؤسسي الفلسفة الماركسية، كارل ماركس وفريدريك إنجلز، كتابات حول الأدب والفنّ، لا تقتصر على أدب قومي واحد، بل تتعلق بآداب قومية مختلفة(35) . وقد اتسمت الكتابات النقدية الماركسية اللاحقة بأفق أممي رحب، دون أن تغفل الخصوصية القومية لكل أدب. وأبرز مثال على ذلك الفيلسوف الماركسي المجري جورج لوكاتش (Georg Lukuacs) الذي يعدّ بحق واحداً من كبار النقاد ومنظري الأدب في هذا القرن. لقد درس لوكاتش (الرواية) كجنس أدبي، ووضع نظرية لها في ضوء ارتباطها بتطور المجتمع الأوروبي من مجتمع إقطاعي إلى مجتمع رأسمالي بورجوازي، وصاغ مقولته الشهيرة: "الرواية هي ملحمة العصر البورجوازي". ودرس لوكاتش "البطل الإشكالي" في روايات تنتمي إلى آداب قومية مختلفة، وليس في أدب واحد فقط (36) ، كما درس الاتجاه الواقعي في الأدب بصورة تتجاوز الحدود اللغوية والقومية: درسه في الأدب الفرنسي والروسي والألماني، ووضع نظرية "التنميط" (Typisierung) بالنسبة للبطل الروائي الواقعي، وصاغ نظرية جديدة للواقعية تستند إلى الفلسفة الماركسية (37) . لقد قدّم لوكاتش مساهمات كثيرة في نقد الأدب والتنظير له، دون أن يحفل بمسألة التأثير والتأثر، أو أن يتطرق إليها أو يوليها أي اهتمام، علماً بأنّ الرواية جنس أدبي ظهر في عدة آداب أوروبية، وانتشر في الآداب غير الأوروبية أيضاً. إنه ظاهرة أدبية تجاوزت حدود الأدب القومي الواحد. وكذلك الواقعية كتيار أدبي. فهي غير محصورة في أدب قومي واحد. لم يدرس جورج لوكاتش هاتين الظاهرتين الأدبيتين العالميتين من زاوية التأثير والتأثر، كما يفعل المقارنون التقليديون، ولو فعل ذلك لما توصّل إلى نظرية الرواية ونظرية الواقعية، بل درسهما مغفلاً مسألة التأثير والتأثر. ألم يسمع لوكاتش بالأدب المقارن ويطلع على مؤلفاته؟ لانتصور أن يكون ذلك هو السبب. فلوكاتش كان مفكراً وناقداً معاصراً بكل ما تنطوي عليه كلمة "المعاصرة" من معانٍ، ومن المؤكد أنّ وجود دراسات التأثير لم يفته، ولكنه لم يبدِ اهتماماً بتلك الدراسات. وعلى أية حال فإنّ كتابات نظرية ونقدية بمستوى كتابات لوكاتش تجعل دراسات التأثير والتأثر، والأدب المقارن في صورته التقليدية، تبدو عقيمة وتافهة. ومما لاشكّ فيه أنّ كتابات جورج لوكاتش في النقد ونظرية الأدب تدلّ بصورة لالبس فيها على أنّ نظرية الأدب الماركسية قادرة على أن تستغني عن الأدب المقارن التقليدي، دون أن يؤثّر ذلك في تماسكها وقدرتها على الإقناع.‏

إلاّ أنّ ما قلناه آنفاً لايفسر بصورة كاملة حقيقة تأخّر ظهور الأدب المقارن في الاتحاد السوفيتي السابق وأقطار أوروبا الشرقية الاشتراكية سابقاً إلى أواسط الخمسينيات. فالأدب المقارن لم يظهر ولم يمارس في الجامعات الروسية طوال المرحلتين: اللينينية والستالينية، ولم يمارس بصورة علنية في تلك الجامعات إلاّ بعد سقوط الستالينية وزوال الستار الحديدي في أواسط الخمسينيات. إثر ذلك انفتحت أقطار أوروبا الشرقية على العالم ثقافياً وعلمياً، وتشكلت في تلك الأقطار جمعيات للأدب المقارن، ومورست الدراسات المقارنة، وعُقدت ندوات ومؤتمرات للأدب المقارن في جامعات تلك البلدان. كما ظهر مقارنون لامعون يتمتّعون بدرجة عالية من الكفاءة، جعلتهم يحظون بشهرة واسعة خارج أقطارهم، كالروماني مارينو (A.Marino) والتشيكي دوريشين (D.Durisin) والألماني فايمن (R.Weimann) والروسي فيكتور جيرمونسكي (Viktor Zirmunski) (38) . فقد تألق هؤلاء المقارنون في مؤتمرات الرابطة الدولية للأدب المقارن (A.I.L.C) ، وترجمت مؤلفاتهم إلى لغات أجنبية كثيرة، وتعاظم دورهم في حركة الأدب المقارن العالمية، مما حمل الرابطة الدولية للأدب المقارن على أن تجعل من مدينة بودابست مقراً لمجلتها (Neohelicon) . وهكذا برزت في ساحة الأدب المقارن مدرسة جديدة سرعان ماعرفت "بالمدرسة السلافية" تمييزاً لها عن المدرستين الفرنسية والأمريكية. وهذه تسمية خلافية. فما يجمع بين ممثلي هذه المدرسة ليس انتماؤهم إلى العرق السلافي، لأن منهم الألماني والروماني وغيرهما من غير السلافيين. إنّ القاسم المشترك بينهم هو الأسس النظرية والمنهجية التي ينطلقون منها في دراساتهم المقارنة، وهي أسس لاعلاقة لها بانتمائهم إلى العرق السلافي، ولها كلّ العلاقة بانتمائهم إلى الفلسفة الماركسية أي المادية الجدلية. ولهذا فإنّ تسمية "المدرسة السلافية" هي تسمية غير صائبة(39).‏
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:58 pm

تبدأ المدرسة المقارنة الجديدة بصورة فعلية بعد سقوط الستالينية، أي في أواسط الخمسينيات، بل تواجد ممثلوها في الجامعات الروسية والأوروبية الشرقية، وقاموا بأبحاثهم ودراساتهم المقارنة قبل ذلك بوقت طويل. فالروسي فيكتور جيرومونسكي، وهو أبرز ممثلي هذه المدرسة، قد أجرى دراساته المقارنة حول "الملاحم البطولية الشعبية" في الثلاثينيات والأربعينيات. وهو لم ينحُ في أبحاثه منحى دراسات التأثير والتأثر الفرنسية، بل نحا منحى آخر ينسجم مع جوهر الفلسفة الماركسية ونظرية الأدب المادية الجدلية، التي تعدّ مقولة الارتباط الجدلي بين الأدب والمجتمع أبرز مقولاتها. فهو لم يرجع ظواهر التشابه بين الآداب المختلفة إلى عوامل التأثير والتأثر، وذلك لسبب بسيط، هو أنّ القسم الأعظم من تلك الظواهر لاعلاقة له بالتأثير والتأثر. فمن الملاحظ وجود تشابه بين ظواهر أدبية في آداب لم تقم بينها علاقات تأثير وتأثر، وذلك نتيجة التباعد الجغرافي والحواجز اللغوية والعزلة الثقافية وما إلى ذلك من أسباب. لم يكن ذلك الأمر غائباً عن أذهان ممثلي المدرسة التقليدية في الأدب المقارن، بل كانوا يعرفونه تماماً، ولكنهم أشاحوا وجوههم عنه، بحجة أنه لايدخل في اهتمامات الأدب المقارن، ولا مبرر لدراسته، تماماً كما ليس هناك مسوغ لأن "يقارن المرء حشرة بزهرة". أمّا فيكتور جيرمونسكي فقد استوقفته تلك الظواهر، فدرسها وحاول أن يجد تفسيراً لها. وما دامت زاوية التأثير والتأثر لا تقدم أيّ شيء على هذا الصعيد، فإنه لابدّ من البحث عن منهج أو منطلق نظري جديد لتفسيرها. ذلك المنطلق هو المقولة الرئيسة لنظرية الأدب الماركسية التي ترى أنّ هناك علاقة جدلية بين الظواهر الأدبية وبين البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع. ومن وحي تلك المقولة وضع جيرمونسكي نظرية "التشابه النمطي" أو "التيبولوجي". فهناك من التشابه بين الآداب مالا يمكن ردّه إلى عوامل التأثير والتأثر، ولكن يمكن إرجاعه إلى مستويات تطوّر المجتمعات. فالمجتمعات التي بلغت بناها الاجتماعية مستويات متشابهة من التطور تتشابه أيضاً في بناها الأدبية. أمّا المجتمعات التي تتفاوت درجات تطورها فإنّ بناها الأدبية تتفاوت أيضاً. لقد لاحظ فيكتور جيرمونسكي من دراسته للملاحم البطولية الشعبية أنّ تلك الملاحم قد ظهرت في مجتمعات مختلفة، دون أن يكون هناك مايشير إلى أنّ ذلك قد تمّ بفعل علاقات التأثير والتأثر. فقد ظهرت تلك الملاحم في مجتمعات لم تقم بينها علاقات تبادل ثقافي أو أدبي، ولكن على الرغم من ذلك فإنّ من الملاحظ وجود أوجه تشابه كبير بين تلك الملاحم. وبما أنّ هذا النوع من التشابه لايمكن أن يرد إلى علاقات التأثير والتأثر، فقد سماه جيرمونسكي "تشابهاً نمطياً أو تيبولوجياً" (40) . إن الاختلاف في توقيت ظهورها لايمكن أن يفسر إلا باختلاف درجات التطور الاجتماعي. فعندما ظهرت تلك الملاحم في الأدب اليوناني القديم، لم تكن المجتمعات الأخرى، كالمجتمع العربي مثلاً، مهيّأة لظهورها. وعندما أفل نجم هذا النوع الأدبي في الأدب الإغريقي، نشأ وازدهر في بعض الآداب الآسيوية التي لم تقم بينها وبين الأدب اليوناني أية صلات تاريخية، وهذا مامكّن جيرمونسكي من أن يُرجع هذه الظاهرة إلى كون تلك المجتمعات قد بلغت مرحلة من التطور الاجتماعي جعلت ظهور أدب الملاحم البطولية فيها أمراً ممكناً.‏

هل أنكر جيرمونسكي دور التأثير والتأثر والتبادل الأدبي في تطور الآداب؟ إنه لم ينكر ذلك الدور في الواقع، ولكنه وضعه في إطاره وحجمه الصحيحين. فالتأثر لا يتمّ إلا عندما تكون الثقافة المتأثرة بحاجة إلى المؤثرات الأجنبية، ومستعدة لتلقيها. فهو لم يكن السبب في ظهور الاتجاه الواقعي في آداب أوروبية وغير أوروبية مختلفة وفي أزمنة مختلفة، وإنما السبب هو أنّ الآداب التي ظهرت فيها الواقعية كانت قد بلغت درجات من التطور الاجتماعي جعلت ظهور أدب واقعي أمراً ضرورياً، وتكونت فيها بذور ذلك الأدب الواقعي. ثم جاء عامل التأثر والتأثير، أي الاستيراد الثقافي، ليسرّع ذلك التطور ويقويه. فلو لم تكن الحاجة قائمة في الأدب المتأثر، لما أثمرت عمليات التأثير والتأثر البتة. إنّ الأساس في تلك العمليات هو حاجة الثقافة المستقبلة، لاحاجة الثقافة المرسلة. وعلميات الاستيراد الثقافي تخضع لحاجات الطرف المستقبل، وليس العكس. وبذلك تمكّن جيرمونسكي من استيعاب قضية التأثير والتأثر، ومن وضعها في إطار أكبر، هو دور المؤثرات الخارجية في تطور الأدب. فللتأثير دور في ذلك التطور، ولكنّ ذلك الدور ليس بدئياً ولا أساسياً. أما الدور الأساسي فهو للتطور الداخلي للأدب، ذلك التطور الذي يواكب تطور المجتمع. فعندما يتطور المجتمع، فإنّ تطوره يخلق الحاجة إلى تطور أدبي يواكبه، كظهور تيار أدبي، وتأخذ بذور هذا التطور بالظهور داخل الأدب. وإذا أضيفت إلى ذلك مؤثرات خارجية، فإنها تسرّع ذلك التطور، وتكون كبذرة سقطت في أرض ملائمة خصبة. أمّا إذا لم يتوافر الشرطان: الاجتماعي والأدبي اللذان يولدان الحاجة إلى المؤثرات الأدبية الخارجية، فإنّ عمليات التأثير والتأثر لاتجدي نفعاً، وتبقى ظاهرة معزولة لاجذور لها. وبذلك قدّم فيكتور جيرمونسكي مساهمة قيّمة في تفسير ظاهرة التطور والتبادل الأدبيين. لقد وضع الأمور في نصابها، منسجماً في ذلك مع المقولة الماركسية التي ترى أنّ الدور الحاسم في التطور الأدبي يكون للعوامل الداخلية، أمّا العوامل الخارجية فهي عوامل ثانوية وغير حاسمة، تتوقف فاعليتها على توافر الشروط الداخلية للأدب. وبذلك خيّب جيرمونسكي آمال دعاة الهيمنة والتوسع الثقافيين، الذين يريدون نشر ثقافاتهم في العالم، وفرضها على الشعوب بأيّ ثمن، دون مراعاة مستويات التطور الاجتماعي والحاجات الثقافية لتلك الشعوب. إنّ فرص الإمبريالية الثقافية محدودة لأنّها تصطدم بعقبة لاسبيل إلى تذليلها، ألا وهي عدم وجود حاجة إلى ماتسعى الإمبريالية لأن تصدّره إلى العالم العربي مثلاً من سلع ثقافية. وفي الوقت نفسه خيّب جيرمونسكي آمال دعاة الجمود والانعزال الثقافي. فالتطور الاجتماعي حتمي ولايمكن إيقافه والحيلولة دون حدوثه، مما يخلق حاجة إلى التطور الثقافي والأدبي، الذي يخلق بدوره حاجة إلى التفاعل مع الثقافات الأجنبية وتلقي مؤثرات منها. فالمجتمع يتطور بالضرورة، مما يستدعي تطوير الثقافة والتفاعل مع الثقافات الأجنبية خدمة لذلك التطوير.‏
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:59 pm

وبذلك يكون المقارن الروسي فيكتور جيرمونسكي قد قدّم مساهمة قيّمة في نظرية التطور الثقافي الذي يشكّل التطور الأدبي أحد وجوهه. لقد استفاد جيرمونسكي من الفلسفة ونظرية الأدب الماركسيتين في إرساء أسس مدرسة جديدة في الأدب المقارن، مدرسة أصبحت تعرف بالمدرسة "السلافية"، ونرى أن الأصح هو أن تسمى المدرسة المادية أو الجدلية.‏

4- "المدرسة الأمريكية" والنقد الجديد:‏

ومن الاتجاهات النقدية التي تعارضت مواقعها النظرية والتطبيقية تعارضاً شديداً مع الاتجاه التاريخي في الأدب المقارن ذلك الاتجاه النقدي الذي يُعرف "بالنقد الجديد" (New Criticism) . فقد حمل رينيه ويليك، وهو أبرز ممثلي هذا الاتجاه على دراسات التأثير وأسسها الفلسفية والنظرية وتطبيقاتها ودورها، وذلك في محاضرة تاريخية ألقاها عام 1958 في المؤتمر الثاني للرابطة الدولية للأدب المقارن الذي انعقد في جامعة "تشابل- هيل" الأمريكية. لقد وجّه ويليك إلى دراسات التأثير وإلى المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن نقداً لامثيل له في حدتّه، ونسف أسس تلك المدرسة ومرتكزاتها (41) . فقد أخذ عليها أنها من الناحية النظرية مثقلة بأعباء فلسفات القرن التاسع عشر، كالنزعتين التاريخية والوضعية، وأنها تتعامل مع النصوص الأدبية بصورة خارجية، وفي منأى عن أدبيتها، ولا تتعامل مع الأبعاد الداخلية لتلك النصوص، أي مع جوهرها الفنّي والجمالي. وبهذه المناسبة ذكّر ويليك زملاءه الفرنسيين التقليديين بأنّ العمل الأدبي "بنية ذات طبقات من الرموز والمعاني المستقلة تمام الاستقلال عن العمليات التي تدور في ذهن الكاتب أثناء التأليف، ولذا فهي مستقلة أيضاً عن المؤثرات التي قد تكون شكّلت ذهنه" (42) .‏

إنّ العمل الأدبي يفقد أدبيته بمجرد أن يجرد من تلك البنية، وهذا هو ما تفعله دراسات التأثير التي تقفز فوق جوهر الأعمال الأدبية، أي فوق أدبيتها وجماليتها، وتتعامل معها كمجموعة من المؤثرات والوسائط الخارجية، مما حوّل تلك الدراسات إلى عمليات مسك دفاتر ثقافية تبيّن ما صدّره أدب قومي إلى الآداب الأخرى وما استورده منها من مؤثّرات (43) .‏

إنّ الخلفية الحقيقة لذلك الصدام الذي جرى بين الاتجاه التاريخي (الفرنسي) في الأدب المقارن وبين "النقد الجديد" الذي مثّله رينيه ويليك، ترجع في حقيقة الأمر إلى ذلك التحول الجذري في الأنموذج (Paradigmawechsel) الذي شهده النقد الأدبي والدراسات الأدبية في أوائل هذا القرن، ألا وهو التحول في مقاربة النصوص الأدبية من المقاربات الخارجية إلى المقاربات الداخلية. إنه التحول الذي بدأه "الشكلانيون الروس" وواصله "النقد الجديد" والبنيوية والاتجاهات مابعد البنيوية، وهو تحوّل شكّل منعطفاً حاداً في تاريخ الفكر النقدي في العالم (44) . فقد نقل مركز ثقل الدرس النقدي من العلاقات الخارجية للعمل الأدبي (أي علاقاته بشخصية الأديب وسيرته، وعلاقته بالبيئة الاجتماعية والثقافية..) إلى العلاقات الداخلية للعمل الأدبي، أي إلى بنيته الفنية والفكرية والجمالية. لقد جعل ذلك التحول في الأنموذج تاريخ الأدب في صورته القديمة أمراً غير ممكن. وكان النقد الجديد أحد التيارات النقدية الحديثة التي تبنّت ذلك الأنموذج الجديد وساهمت في صياغته. إنه أنموذج لايولي العلاقات الخارجية للأدب كبير اهتمام، ويولي جلّ اهتمامه لأدبية الأدب، أيّ لتلك الخصائص التي تجعل منه أدباً.فأهمية أيّ مقاربة للأعمال الأدبية تكمن في مدى قدرتها على جعلنا نفهم الجوهر الأدبي لتلك الأعمال، أي قيمتها وبنيتها الأدبية، بصورة أفضل. أمّا دراسات التأثير والتأثر فهي لا تقرّبنا من فهم جوهر النصوص الأدبية، بقدر ما تبعدنا عنه، وتدخلنا في متاهات المؤثرات والوسائط والعلاقات الخارجية. وبناء عليه رفض رينيه ويليك المنهج الفرنسي التقليدي في الأدب المقارن، ودعا إلى منهج يتعامل مع جوهر الأدب، أي إلى منهج نقدي في الأدب المقارن. إنه منهج بات يعرف "بالمدرسة الأمريكية" أو "المدرسة النقدية"، وهو منهج يدرس الظواهر الأدبية بصورة تتجاوز الحدود القومية لتلك الظواهر. فالظواهر الأدبية الرئيسة، من أجناس وتيارات أدبية، لم تكن في يوم من الأيام محصورة في أدب قومي واحد أو مقتصرة عليه، بل تتعداه إلى آداب قومية مختلفة، وكثيراً ما تكون عالمية. وعندما يدرسها المرء دراسة مقارنة فإنه لا يتصنّع شيئاً بل يدرسها في إطارها الطبيعي الصحيح.‏

إلا أنّ المدرسة الأمريكية لم تكتفِ بنقل اهتمام الأدب المقارن من العلاقات الخارجية إلى العلاقات الداخلية للأدب، بل تخطّت ذلك إلى المطالبة بأن تنفتح الدراسات المقارنة على نوع آخر من المقارنات، ألا وهو مقارنة الأدب بالفنون والعلوم وحقول المعرفة والوعي الإنساني الأخرى. فالفنون كالموسيقا والتصدير، هي ظاهرة جمالية تنطوي على أوجه تشابه كثيرة مع الأدب. ولذا فإنّ دراستها يمكن أن تقرّبنا من فهم الأعمال الأدبية، ويمكن أن تؤدي مقارنتها بالأدب إلى الكشف عن جوهره. أليس المثل الأعلى للوحدة الفنية في العمل الأدبي مستمداً من الوحدة الفنية في الموسيقا والتصوير؟ (45) . ويمكن أن يقال عن علاقة الأدب بالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية الأخرى شيء مشابه. فهي علوم يمكن أن تقدّم مساعدة كبيرة في فهم الأعمال الأدبية (46) . وباختصار فإنّ جوهر الدراسة المقارنة للآداب من وجهة نظر "أمريكية"، يكمن في تقريبنا من فهم البنى الداخلية، أي الجمالية للأعمال الأدبية، لافي حصر ما تنطوي عليه تلك الأعمال من مؤثرات أجنبية، وما مارسته على الأعمال الأدبية الأجنبية من تأثير.‏

ترى ألا يؤدي ذلك إلى إذابة الأدب المقارن في النقد الأدبي وتمييع مضماره وتخومه كفرع من فروع الدراسة الأدبية، وإلى إفقاده خصوصيته كمنهج؟ إنّ رينيه ويليك لايخشى اعتراضاً كهذا. فالنقد الأدبي يجب أن يكون مقارناً، يتجاوز الحدود اللغوية والقومية للآداب، والأدب المقارن يجب أن يكون نقدياً يقارب النصوص الأدبية كبنى جمالية، لاكمؤثرات ووسائط. عندئذ يصبح الأدب المقارن نقداً، ويصبح النقد أدباً مقارناً، وتزول تلك الحواجز المصطنعة التي أقيمت بين الأدب المقارن والنقد الأدبيّ. فالأدب يتجاوز بطبيعة الحال حدود اللغات، ولذلك لا يجوز أن يدرس إلا بصورة مقارنة. وهو بنى وقيم جمالية، ولذلك لايجوز أن يقارب إلا بصورة نقدية. إنّ الأدب المقارن الحقّ هو في جوهره نقد أدبي، والنقد الأدبي الحقّ هو في جوهره أدب مقارن. وهكذا أعاد رينيه ويليك اللحمة إلى علاقة الأدب المقارن بالنقد الأدبي، ووصل ماقُطع بصورة تعسفية.‏

كان النقد الجذري الذي وجهه رينيه ويليك إلى دراسات التأثير والتأثر وإلى مايعرف بالمدرسة الفرنسية في الأدب المقارن إيذاناً بولادة مدرسة مقارنة جديدة، باتت تعرف بالمدرسة "الأمريكية". وفي الحقيقة فإنّ الحديث عن مدرسة "أمريكية" وأخرى "فرنسية" وثالثة "سلافية"، هو حديث غير صائب ومنافٍ للحقيقة. فالمدرسة الفرنسية هي في جوهرها وفلسفتها مدرسة تقوم على تاريخ الأدب، أي أنها مدرسة تاريخية أدبية، ولذلك من الأصحّ أن تسمى "مدرسة تاريخية". وما يعرف بالمدرسة السلافية هي اتجاه مقارن يستند إلى نظرية الأدب الماركسية، أي إلى المادية الجدلية، ولذا فمن الأصحّ أن تدعى "مدرسة مادية جدلية" أو ماركسية. أما المدرسة الأمريكية فهي تستمد أسسها من النقد الجديد، ومن الأنسب أن تسمى "مدرسة نقدية". كما لابد من الإشارة إلى أنّ المنهج التاريخي ليس محصوراً في فرنسا، ولا المنهج النقدي في أمريكا ولا المنهج الماركسي في أوروبا الشرقية. فدراسات التأثير تمارس في كثير من الأقطار، خارج فرنسا، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وأقطار أوروبا الشرقية. ومن الملاحظ أنّ ذلك النوع من الدراسات قد انحسر في فرنسا، وذلك بعد ظهور جيل جديد من المقارنين الفرنسيين الذين نأوا بأنفسهم عنه، حتى قبل أن تظهر المدرسة "الأمريكية" في الأدب المقارن. ومن أبرز هؤلاء "المنشقّين" الفرنسيين رينيه إيتامبل (Rene Etieèmble) الذي سبق أن تطرقنا إليه، والمقارنون: برونيل/ بيشوا/ روسو (P. Brunel/ Gl. Pichois/ A.M. Rousseau) الذين وضعوا كتاباً حول الأدب المقارن ابتعدوا فيه عن مواقع "المدرسة التقليدية الفرنسية" وسعوا للتوفيق بين الاتجاهين التاريخي والنقدي. وقد حظي ذلك الكتاب باهتمام عالمي، واعتبر نقطة علاّم في تاريخ الدراسات الأدبية المقارنة في فرنسا (47) . وهناك بالمقابل العديد من المقارنين الأمريكيين الذين يواصلون ممارسة دراسات التأثير بالطريقة "الفرنسية" التقليدية، متجاهلين أنهم في بلد تُنسب إليه المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن.والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الأدب المقارن في أقطار أوروبا الشرقية "السلافية"، الاشتراكية سابقاً. فمنذ البداية لم ينحُ المقارنون الأوروبيون الشرقيون كلّهم منحى ماركسياً أو مادياً جدلياً، وبعد أن انهار النظام الاشتراكي في أقطارهم، لم يعد لديهم أيّ مسّوغ لمسايرة الاتجاه الماركسي ومجاراته. واليوم يضمّ الأدب المقارن في أروربا الشرقية كلّ الاتجاهات والمناهج المقارنة، "فرنسية" و "أمريكية" و "ماركسية" وغيرها.‏

5- الأدب المقارن ونظرية التلقي‏

في أواخر الستينيات من هذا القرن حدث "تحول أنموذج" آخر في النقد الأدبي، أسفر عن اتجاه جديد يعرف "بنظرية التلقي" أو "جمالية التلقي" (Rezeptionsaesthetik) . لقد قام هذا الاتجاه النقدي بنقل مركز الاهتمام من إنتاج الأعمال الأدبية وجماليته (Produktionsaesthetik) إلى تلقي الأعمال الأدبية وجماليته. كان اهتمام النقد الأدبي منصباً قبل ذلك على الجوانب الإنتاجية للعمل الأدبي، سيرية كانت أم نفسية أم بيئية، وعلى البنية الفنية للنصّ الأدبي، وذلك انطلاقاً من قناعة ضمنية مفادها أنّ النصوص الأدبية يمكن أن تدرس بصورة "موضوعية" أو "علمية"، بمعزل عن الدور الذي تضطلع به شخصية الدارس. صحيح أنّ إتجاهاً ذوقياً تأثرياً انطباعياً قد كان واسع الانتشار في صفوف النقاد، ولكنّ الدراسات الأدبية كانت قائمة في الأساس على "جمالية الإنتاج". كذلك فإنّ المنحى الذوقي التأثري في النقد كان يعدّ منحى غير علمي، ولا يؤخذ على محمل الجدّ. ولم يقم أنصار هذا الاتجاه بمحاولات جادّة لعلمنته ووضع أسس منهجية له، وكان سقف ما توصّلوا إليه بهذا الشأن هو الحديث عن "ذوق معلل"(48) .وهذا راجع إلى حقيقة أنّ النقد الذوقي بطبيعته غير قابل للتقعيد والمنهجة والعلمنة، بل هو نقد ذاتي صرف، قواعده وقيمه "غير مكتوبة في الأرض ولا في السماء"، يقوم على حدس الناقد أو "ملكته" أو "غريزية" أو "قوة تمييز فطرية" (49) .‏

إنّ نقداً كهذا يفقد "ذوقيته" بمجرد تقعيده وإخضاعه لأسس منهجية، لذلك لم يُتخذ النقد الذوقي الانطباعي منطلقاً لدراسة مسائل التلقي، ولم يفضِ إلى هذا النوع من الدراسات. لقد كان التلقي معروفاً، ولكنه لم يكن موضع اهتمام النقاد الذين كانوا يعلمون أنّ العمل الأدبي يُقرأ، وأنّ انتشاره يتوقف على أذواق القراء؛ إلا أنّ النقاد كانوا يرون في الذوق مسألة اجتماعية لاتدخل في اختصاصهم بل في اختصاص علم الاجتماع أو "سوسيولوجيا الأدب". وعندما يأخذ الناقد المتلقي في الحسبان، فإنه يطمح لأن يهديه إلى الآثار الأدبية الجيدة ليقبل عليها، ولأن يحذره من الأعمال السيئة الرديئة ليتجنبها (50) . لقد كان النقد يطمح إلى "الإرتقاء" بأذواق القراء، ولكنه لم يولِ اهتماماً لعملية القراءة أو التلقي نفسها، ولم يعِ ما تنطوي عليه تلك العملية من أبعاد. كما لم تغب عن الأذهان حقيقة أنّ تفسير العمل الأدبي يختلف من ناقد لآخر، وأنّ هناك تفسيرات متعددة لعمل أدبي واحد. إلاّ أنّ مسائل كهذه لم تستوقف النقاد الذين كان اهتمامهم منصباً على "إنتاج" العمل الأدبي ومايرتبط به من قضايا.‏
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 12:59 pm

في أواخر الستينيات ظهرت في مدينة كونستانس الألمانية مجموعة من النقاد الذين استوقفتهم الإشكالية الكبيرة التي ينطوي عليها تأريخ الأدب، وقد شكّل أولئك النقاد حلقة عمل حول موضوع "علم التأويل والشعرية"‏

(Poetik und Hermeneutik) . إنّ علم التأويل ليس جديداً، وهو أحد مكونات الفلسفة. وقد ازدهر هذا العلم في الفلسفة الألمانية على يد الفيلسوف "شلايرماخر"‏

(F. Sechleiermacher) ولكنّ تطبيقاته لم تتمحور حول مسائل فهم الأعمال الأدبية وتفسيرها بل حول فهم أنواع أخرى من النصوص، وفي مقدمتها النصوص الدينية. ثم جاء الفيلسوف الألماني المعاصر "غادامر"‏

(H. G. Gadamer) ، فأحيا علم التأويل وحدّثه وطبقه على قضايا ثقافية معاصرة (51) . وقد انطلقت "جماعة كونستانس" من علم التأويل الحديث هذا، وعملت على الاستفادة منه وتطبيقه في تفسير النصوص الأدبية. وقد تمخض عمل تلك الجماعة عن نتائج مهمة، تعدّ فتحاً أو "تحول أنموذج" في نظرية الأدب والنقد الأدبي، بات يعرف بنظرية التلقي أو "جمالية التلقي" (Rezeptionsaesthetik)(52) .لقد توقفت حلقة عمل "الشعرية وعلم التأويل" طويلاً أمام إشكالية التلقي، فعمقتها ووضعتها في سياقها الصحيح وفي المكان المناسب من سيرورة العمل الأدبي، تلك السيرورة التي لاتبدأ بإنتاج العمل الأدبي، بل تبدأ قبل ذلك بعمليات تلقٍ إبداعي منتج، وتنتقل بعد إنتاجه أو كتابته إلى أطراف أخرى ليس للكاتب أو المبدع أية إمكانية للتأثير أو لفرض "قصديته" عليها. إنّ من يؤوّل النصّ الأدبي ويحدد مدلولاته في هذه المرحلة هو المتلقي، ليس في ضوء النصّ وحده، بل في ضوء "أفق توقعاته". وهكذا فإنّ إنتاج النصّ الأدبي ليس أكثر من حلقة في سيرورته، وكلّ عملية من عمليات التلقي تشكّل تجسيداً لما ينطوي عليه النصّ من معانٍ كامنةً(53) . وباختصار شديد: في عملية التلقي يحدث انصهار بين "أفق النص" و "أفق توقعات" المتلقي، وينجم عن انصهار هذين الأفقين توسيع أفق المتلقي وإغناؤه.فالتلقي ليس عملية موضوعية صرفاً يحددها النصّ الأدبي وحده، بل هو عملية لها أبعاد ذاتية تختلف من متلقٍ لآخر. في ضوء هذه النظرة ينتقل مركز الثقل في سيرورة العمل الأدبي من المنتج إلى المتلقي، مما يستدعي أن ينتقل مركز اهتمام النقد من إنتاج النصّ إلى تلقيه.‏

تعدّ "نظرية التلقي الأدبي" تطبيقاً للمقولة الرئيسة لعلم التأويل التي تذهب إلى أنه لا يكفي لفهم النصّ أن ينظر المرء إلى النصّ وحده، بل لابدّ من أن يُفهم الفاهم أيضاً. ففهم النصّ لا يتوقف على ما ينطوي عليه ذلك النصّ من دلالات، بل يتوقف أيضاً على مايدور في الذات الفاهمة. فإذا لم نأخذ هذه الحقيقة في الحسبان فإننا لا نستطيع أن نفسّر ذلك التعدد والتنوع والإختلاف في فهم النصوص، ولماذا كانت هذه التفسيرات الكثيرة للنصّ الواحد. إنّ الاختلاف في فهم النصّ عينه هو أمر لايمكن تفسيره إلاّ بإرجاعه إلى اختلاف آفاق توقعات المتلقين.‏

انطلقت نظرية التلقي الأدبي التي يعدّ الناقدان الألمانيان هانس روبرت ياوس (H. R. Jauss) وفولفغانغ إيزر (W. Iser) أبرز ممثليها، من علم التأويل الحديث لتطور "علم تأويل أدبي" (Literarische Hermeneutik) يتجاوز "نظريات القراءة" التي انتشرت في النقد الأدبي الأنجلو أمريكي، بل ليتجاوز كلّ ماقيل إلى الآن حول مسألة التلقي الأدبي (54) . سرعان ماانتشرت "نظرية التلقي الأدبي" التي طورها ياوس وايزر خارج ألمانيا، وذلك بعد أن ترجمت مؤلفاتهما إلى اللغات الأجنبية الرئيسة، فتحولت تلك النظرية إلى تيار نقدي عالمي، له أنصار وتابعون في مختلف البلدان (55) . لقد غيّر ذلك الاتجاه النقدي الكثير من المفاهيم والتصورات المتعلقة بالأدب، وأثّر تأثيراً عميقاً في الدراسات الأدبية كلها. ومن الدراسات التي تأثرت به وتفاعلت معه بعمق الأدب المقارن. فما طبيعة ذلك التأثر وما نتائجه؟‏

إنّ أوّل جانب من جوانب الأدب المقارن التي تأثرت بنظرية التلقي هو مفهوم التأثير ودراساته. فالتأثير لابدّ أن يسبقه تلقٍّ، وإلاّ فإنّ ذلك التأأثير لايتمّ. والتلقي عملية إيجابية تتمّ وفقاً لحاجات المتلقي وبمبادرة منه وفي ضوء أفق توقعاته. أمّا مفهوم التأثير الذي لايرتبط بالتلقي بل يُسقِط دوره فهو يحوّل الطرف المتأثر إلى طرف سلبي، وينسب العناصر الإيجابية كلها إلى الطرف المؤثّر، ناهيك عن استحالة حدوث تأثير وتأثر بمعزل عن حدوث التلقي (56) . فالتلقي حلقة سابقة للتأثير والتأثر، وهي ليست حلقة ثانوية بل حلقة أساسية يكون فيها المتلقي طرفاً فاعلاً وإيجابياً وديناميكياً. ولعل المقتل النظري لمفهوم "التأثر" القديم، الذي اعتمدته المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن، يكمن في أنّ ذلك المفهوم قد أغفل التلقي وما ينطوي عليه من أبعاد جوهرية، فتحوّل الطرف المتأثر إلى طرف سلبي يتعرّض للتأثير، وكأنّ لاحول له ولا قوة. أمّا نظرية التلقي فقد ربطت التأثير بالتلقي، وجعلت من التلقي شرطاً لأيّ تأثير. صحيح أنها لم تستغنِ عن مفهوم "التأثير"، ولكنها وضعته في سياق جديد وأعادت صياغته بصورة جذرية.‏

ميزت نظرية التلقي بين أشكال مختلفة من التلقي. فمن التلقي ما هو قرّائي، يمارسه القارئ العادي الذي يتلقى العمل الأدبي، فيتفاعل معه ويستمتع به جمالياً، ويتسع أفقه نتيجة للتلقي الذي قام به، وتنتهي الأمور عند هذا الحدّ. إنّ هذا النوع من التلقي لا يعني الأدب المقارن كثيراً، بقدر ما يعني دراسات التلقي الميدانية (Empirische Rezeption) التي تستقصي انتشار الكتب الأدبية وأذواق الجمهور واتجاهات القراء. أمّا النوع الثاني من التلقي، وهو النوع الأهمّ بالنسبة للأدب المقارن، فهو التلقي المنتج أو الإبداعي، الذي يمارسه الأدباء. فهم لا يتلقون الأعمال الأدبية لمجرد أن يستمتعوا بها ويقوموا بتجاربهم الجمالية، بل يتلقونها للإستفادة منها إبداعياً وإنتاجياً، إن لناحية الشكل أو لناحية المضمون. إنّ تلقياً كهذا يؤدي إلى تطوير الإبداع الأدبي وتجديده، وهو النوع الذي كان الأدب المقارن التقليدي يسميه تأثيراً. أكلّ ما في الأمر إذن هو استبدال مصطلح قديم هو مصطلح "التأثير"، بمصطلح جديد هو "التلقي المنتج الإبداعي"؟‏

من المؤكد أنّ المسألة ليست مسألة استبدال مصطلح بآخر، فالفرق بين المفهومين فرق جوهري. إنّ مفهوم "التلقي الإبداعي" يعني أنّ المتلقي هو محور هذا النشاط وذاته، وهو يتلقى إبداعياً بمبادرة منه، ووفقاً لحاجاته ومتطلباته وأفقه. أمّا مفهوم "التأثير" فهو ينطوي على معانٍ ومضامين مغايرة تماماً لمعاني التلقي الإبداعي ومضامينه. فهو يجعل من الطرف المتأثر طرفاً سلبياً منفعلاً، وينسب الدور الإيجابي كلّه إلى الطرف المؤثّر. ولذا فإنّ مفهوم "التلقي الإبداعي" هو المفهوم النظري الأكثر ملائمة للتعبير عما كان يسمى "تأثيراً"، وهو المفهوم الذي سدّ كل الثغرات النظرية التي ينطوي عليها مفهوم "التأثير". لذلك سارع كثير من علماء الأدب المقارن إلى تبنيه، وقاموا انطلاقاً منه بتطوير منهجية مناسبة لدراسة تلقي الآداب إبداعياً خارج حدودها ولغاتها القومية (57) . لقد كثرت في الفترة الأخيرة الدراسات المقارنة التي تتناول تلقي عمل أدبي أو أعمال أديب ما، أو تيار أدبي، أو اتجاه فكري، في الآداب والثقافات الأجنبية، بعيداً عن الحساسيات والسلبيات التي تنطوي عليها دراسات التأثير والتأثر التقليدية. وهكذا تحولت دراسات "التلقي الإبداعي" إلى ميدان خصب من ميادين الدراسات الأدبية المقارنة.‏
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 1:00 pm

ومن أشكال التلقي التي أثارت اهتمام المقارنين "التلقي النقدي"، والمقصود به ما يمارسه النقّاد من نشاطات تفسيرية وتأويلية للأعمال الأدبية الأجنبية. فالناقد كالمبدع والمتلقي العادي، متلقٍ، ولكنه متلقٍ من نوع خاصّ. إنه لا يتلقى العمل الأدبي بغرض الاستمتاع به، ولا بغرض الاستفادة منه إنتاجياً، بل يتلقاه ليقوم بعد ذلك بشرحه وتفسيره وتقديمه لمتلقين آخرين. إنّ نشاطه هو في نهاية المطاف نشاط توسيطي، يتمثل في استيعاب العمل الأدبي وشرحه وتفسيره. ولا يقتصر هذا النوع من النشاط النقدي على أعمال من الأدب القومي، بل يتعداها إلى توسيط أعمال أدبية أجنبية بصور مختلفة. ولذلك كان هذا النوع من التلقي موضع اهتمام الأدب المقارن (58) . فمن المهمّ أن يعرف المرء كيف يُستقبل العمل الأدبي نقدياً خارج مجتمعه وثقافته الأصليين. وعند دراسة هذه المسألة فإنه يفاجأ بالفرق الكبير بين تلقي العمل الأدبي نقدياً، أي شرحه وتفسيره، داخل ثقافته الأصلية وبين تلقيه نقدياً، أي فهمه، خارج تلك الثقافة. تقدم نظرية التلقي تفسيراً مقنعاً لهذه الظاهرة. فتلقي العمل الأدبي خارج مجتمعه وثقافته الأصليين يخضع لعوامل واعتبارات نابعة من الطرف المتلقي وأفق توقعاته، وهو أفق يختلف كثيراً عن أفق التوقعات السائد في المجتمع الذي ينتمي إليه العمل الأدبي في الأصل. ولعل أوضح مثال على ذلك هو النقاش الذي شهده النقد الأدبي العربي حول الأديب التشيكي/ الألماني فرانز كافكا (Franz Kafka) . فهو نقاش لايمكن أن يفهم إلاّ إذا رُبط بأفق التوقعات السائد في المجتمع العربي المعاصر(59) . إنّ دراسات التلقي النقدي هي ميدان خصب من ميادين الأدب المقارن، ونوع من الدراسات المقارنة التي ظهرت وتطورت نتيجة التفاعل المنتج الذي تمّ بين الأدب المقارن وبين "نظرية التلقي الأدبي". وعموماً فإنّ ذلك التفاعل كان مثمراً جداً، فقد أغنى الأدب المقارن وفتح له آفاقاً ومجالات جديدة، وزوّده بأدوات نظرية معاصرة، وخلّصه من ثغرات نظرية كبيرة، وحرره من عبء مفاهيم بالية، وفي مقدمتها مفهوم "التأثير" ودراساته. ولذا لاعجب من أن تحلّ دراسات التلقي المنتج والنقدي محلّ دراسات التأثير التقليدية، وأن تتحول تلك الدراسات إلى ميدان رئيس من ميادين الأدب المقارن المعاصر.‏

6- الاتجاهات النقدية الأخرى:‏

هل اقتصر تفاعل الأدب المقارن مع الاتجاهات والمناهج النقدية على ماتطرقنا إليه من اتجاهات ومناهج؟ ألم يتفاعل مع المناهج والاتجاهات الحديثة والمعاصرة الأخرى، كالبنيوية والسيميائية والتفكيكية ونظرية التناصّ..؟‏

لاشك في أن ساحة الأدب المقارن كانت مفتوحة على الاتجاهات النقدية كلها، وأنها تفاعلت معها بصورة مستمرة، ولكن ليس بالدرجة نفسها، وليس بدرجات تؤدي إلى انعطافات حادة وإلى نشوء مدارس جديدة في الأدب المقارن. فنظرية التناصّ (Intertextualitaet) على سبيل المثال يمكن أن تكون مفيدة بالنسبة للدراسات المقارنة، وذلك لأنّ علاقات التناصّ لا تنشأ بين أعمال أدبية تنتمي إلى أدب قومي واحد، بل تتخطى ذلك إلى آداب وثقافات متعددة. ولذا من الممكن إجراء دراسات مقارنة انطلاقاً من نظرية التناص حول ظواهر التناص التي تنتمي إلى آداب مختلفة، وأن تشكل تلك الدراسات ميداناً جديداً من ميادين الأدب المقارن. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن علاقة الأدب المقارن بالسيميائية (Semiotik) ، إذ ليس هناك من الناحية النظرية ما يمنع من القيام بدراسات أدبية مقارنة انطلاقاً من هذا المنهج. وهذا ينطبق أيضاً على الاتجاهات والمناهج النقدية المعاصرة الأخرى. أما تطبيقياً فإنّ ذلك ينطوي على تحدّ كبير للمقارنين. إلاّ أنه تحدّ حيوي ومنتج، يتوقف عليه مستقبل الأدب المقارن. فهذا العلم مطالب باستيعاب المناهج والاتجاهات النقدية الجديدة ومعرفة تبعاتها وانعكاساتها على حقله المعرفي، وما إذا كان باستطاعته أن يستفيد منها نظرياً وتطبيقياً. أما الخطر الذي يمكن أن يحدق بالأدب المقارن، فهو يكمن في احتمال أن ينغلق هذا العلم على نفسه، وأن يتجاهل ما يستجدّ في الساحة النقدية من تطورات. عندئذ يحرم الأدب المقارن نفسه من فرص التجدد والتطور، وتعتري الدراسات المقارنة حالة من الجمود.‏

وليس خافياً على أحد أنّ العصر الذي نعيش فيه هو عصر التحولات السريعة، ليس في الصناعة والتقنية والعلوم الطبيعية والتطبيقية فحسب، بل في العلوم الإنسانية أيضاً، ومنها علوم الأدب.والأدب المقارن بصفته واحداً من تلك العلوم، مطالب أيضاً بأن يتطور بسرعة مناسبة لإيقاع هذا العصر. ولا يجوز أن يقتصر التطور المطلوب على الجوانب النظرية، بل من الضروري أن يشمل الجوانب التطبيقية أيضاً. لم يعد مقبولاً أن يعلن مقارنون انفتاحهم على اتجاهات جديدة في الأدب المقارن وتبنيهم لها، كالمدرسة الأمريكية (النقدية) من جهة، وأن يواصلوا على الصعيد التطبيقي ممارسة دراسات التأثير والتأثر كما فعل بعض المقارنين العرب (60) . إنّ البطء في استيعاب مستجدات الفكر النقدي، وعدم انسجام التطبيق مع التنظير، هما عاملان يفقدان الأدب المقارن الكثير من ديناميكيته، ويهمشان دوره في الدراسات الأدبية. وهذا، في رأينا، مصدر ماهو حاصل حالياً في مضمار الأدب المقارن من ركود، وهو أمر يؤسف له أشدّ الأسف. فالعلاقات الأدبية الدولية لم تكن في يوم من الأيام أكثف مما هي اليوم، وتفاعل الآداب وتداخلها لم يكونا يوماً أكبر مما هما اليوم.ولذا فإنّ الحاجة إلى الأدب المقارن لم تكن في يوم من الأيام أكبر، وآفاق هذا العلم لم تكن أرحب مما هي عليه اليوم. إلاّ أنّ الاستفادة من الفرص المهيأة للأدب المقارن تتوقف على المقارنين أنفسهم.فبيدهم أن يستفيدوا منها بشكل جيد، وأن يضمنوا للأدب المقارن مكاناً مركزياً في الدراسات الأدبية، وبيدهم أيضاً أن يفوّتوا الفرص المتاحة، فيكون مصير الأدب المقارن مزيد من الجمود والركود والتهميش. فكل علم من العلوم الإنسانية لا يواكب العصر ولا يقدّم إجابات عن أسئلته المستجدة يكون مصيره الزوال. فأيّ مصير سيختار المقارنون لعلمهم، ذلك العلم الذي أثار آمالاً وتوقعات معرفية كبيرة؟‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) راجع بهذا الخصوص: محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن. بيروت، دار العودة، ط13، 1987، ص 18.‏

(2) المرجع نفسه، ص12 وما يتبعها. إن الدكتور محمد غنيمي هلال هو أبرز ممثلي هذا الاتجاه في الأدب المقارن العربي. راجع بهذا الشأن الكتاب التذكاري: محمد غنيمي هلال ناقداً ورائداً في دراسة الأدب المقارن. القاهرة، دار الفكر العربي، 1996.‏

(3) محمد غنيم هلال: الأدب المقارن، ص18. لمزيد من المعلومات راجع أيضاً: أحمد شوقي رضوان: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن. بيروت: دار العلوم العربية، 1990، ص25، وما يتبعها؛ أحمد درويش: الأدب المقارن- النظرية والتطبيق، القاهرة، دار الثقافة العربية، ط2، 1992، ص19؛ غسان السيّد: الحرية الوجودية بين الفكر والواقع - دراسة في الأدب المقارن. دمشق، مطبعة زيد بن ثابت، 1994، ص 13- 19.‏

(4) Gero V. Wilpert: Sachwoerterbuch der Literatur. Stuttgrat, 6. Auflage, 1979. S. 464 Ff‏
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 1:00 pm

حول مشكلات تأريخ الأدب راجع: حسين الواد: في تأريخ الأدب - مفاهيم ومناهج. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2، 1993.‏

(5) راجع المعجم الفلسفي المختصر: ترجمة توفيق سلوم. موسكو، دار التقدم، 1986، ص54.‏

(6) راجع أحمد درويش: الأدب المقارن، ص17 وما يتبعها. لمزيد من المعلومات حول دراسات التأثير وأشكالها راجع: أحمد شوقي رضوان: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن، ص 33-40.‏

(7) محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص13.‏

(8) جبران مسعود: الرائد- معجم لغوي عصري. ج1، بيروت، دار العلم للملايين، ط4، 1987، ص37 و 348.‏

(9) محمد مندور: في الميزان الجديد، القاهرة، دار النهضة مصر، د.ت، ص 165 وما يتبعها.‏

(10) محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص (ب) .‏

(11) المرجع نفسه والصفحة نفسها.‏

(12) رينيه ويليك: مفاهيم نقدية. ترجمة د. محمد عصفور. الكويت، سلسلة عالم المعرفة (ع110) 1987، ص 368.‏

(13) أحمد درويش: الأدب المقارن، ص 23.‏

(14) المرجع نفسه: ص 24. انظر أيضاً: عز الدين المناصرة: المثاقفة والنقد المقارن. منظور إشكالي. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، 1995، ص 12.‏

(15) راجع: المعجم الفلسفي المختصر، ص540 ومايليها.‏

(16) حول الاتجاهات الحديثة في نظرية الأدب راجع: آن جفرسون وديفيد روبي: النظرية الأدبية الحديثة - تقديم مقارن. تر. سمير مسعود. دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1992؛ تيري ايغلتون: نظرية الأدب، ترجمة ثائر ديب، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1995.‏

(17) كان جلّ ما قُدّم إلى المؤتمر الثاني للرابطة العربية للأدب المقارن الذي انعقد في دمشق عام 1986 في نطاق دراسات التأثير والتأثر. راجع بهذا الخصوص كتابنا: الأدب المقارن- مدخل نظري ودراسات تطبيقية. حمص، منشورات جامعة البعث، 1992، ص455 ومايليها.‏

(18) حول تفاعل النقد الأدبي العربي مع الفكر النقدي العالمي راجع كتابنا: هجرة النصوص - دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995، ص219- 252.‏

(19) راجع حسام الخطيب: آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً دمشق، دار الفكر، 1992، ص33- 55، نفسه: سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية، ط2، دمشق، المكتب العربي لتنسيق الترجمة، 1980، نفسه: الأدب المقارن: الجزء الأول: في النظرية والمنهج: والجزء الثاني: تطبيقات في الأدب العربي المقارن. دمشق: منشورات جامعة دمشق 1982.‏

(20) حول هذه المسألة راجع بحثنا المشار إليه في الهامش(18) .‏

(21) من أوائل المقارنين العرب الذين اهتموا بعلاقات الثأثير والتأثر بين الأدبين العربي والفارسي الدكتور محمد غنيمي هلال، الذي خصّ موضوع "ليلى والمجنون" بدراسة مقارنة متكاملة: ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي، بيروت، دار العودة 1980. راجع أيضاً عرض الدكتور رجاء جبر للرسالة التي تقدم بها محمد غنيمي هلال لنيل شهادة الدكتوراه: تأثير النثر العربي على النثر الفارسي في القرنين الخامس والسادس للهجرة، في الكتاب التذكاري المشار إليه في الهامش (2) ، ص69- 93. ومن هؤلاء المقارنين الدكتور عبد السلام كفافي: في الأدب المقارن- دراسات في نظرية الأدب والقصص الشعبية. بيروت، دار النهضة العربية 1972، ص261- 555، والدكتور محمد زكي العشماوي: دراسات في النقد المسرحي والأدب المقارن. بيروت/ القاهرة، دار الشروق 1994، ص254- 267، والدكتور حسين مجيب المصري: بين الأدب العربي والفارسي والتركي. القاهرة، مكتبة الأنجلو مصرية 1985، والدكتور عيسى العاكوب: تأثير الحكم الفارسية في الأدب العربي في العصر العباسي الأول. دمشق، دار طلاس 1989، والدكتور محمد بديع جمعة: دراسات في الأدب المقارن. بيروت، دار النهضة العربية، ط2، 1980، ص291- 354، والدكتور محمد سعيد جمال الدين: الأدب المقارن- دراسات تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي. القاهرة، دار ثابت 1989، ص209- 274. ومن المؤكد أنّ هناك دراسات أخرى حول العلاقات الأدبية بين العرب والفرس والأتراك، ولم نرمِ هنا إلى حصر تلك الدراسات كلها.‏

(22) لمزيد من المعلومات حول هذه المسألة راجع مقالنا: تعليم اللغات الأجنبية في العالم العربي. نظرة على الأبعاد الاجتماعية والحضارية. في مجلة (العربي) ، الكويت، العدد 352، مارس 1988، ص26- 30.‏

(23) راجع بهذا الخصوص: صلاح فضل: تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي. بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط2، 1985، الياس أسعد غالي: رسالة الغفران والكوميديا الإلهية في لمحة تاريخية. دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1988؛ رضوان أحمد شوقي: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن. ص93- 117.‏

(24) راجع بهذا الخصوص: جاسم محسن الموسوي: الوقوع في دائرة السحر. بيروت، منشورات مركز الإنماء القومي، ط2، 1986؛ أحمد درويش: الأدب المقارن، ص 151- 190؛ كاتارينا مومسن: غوته وألف ليلة وليلة، ترجمة أحمد الحمو. دمشق: وزارة التعليم العالي، 1980. إنّ تعريب هذا الكتاب دليل على الاهتمام بتأثر غوته "بالليالي العربية".‏

(25) "شمس العرب تسطع على الغرب" هو عنوان كتاب مشهور للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، أبرزت فيه مساهمات العرب والمسلمين في تطور الحضارة الإنسانية (ترجمة فاروق بيضون وكمال الدسوقي. بيروت: دار الآفاق، ط8، 1986) وقد حظي هذا الكتاب باحتفاء عربي كبير واعتبر من أهمّ الكتب التي أنصفت العرب.‏

(26) نكتفي هنا بالإحالة إلى بعض من تلك الأبحاث لمن يودّ الاستزادة من المعلومات المتعلقة بهذه المواضيع: حسام الخطيب: سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية؛ أحمد درويش: الأدب المقارن.. ص190- 205، ص191- 205 (في هذا الفصل يستقصي المؤلف تأثير الأدب الفرنسي في نشأة الرواية العربية) ؛ محبه حاج معتوق: أثر الرواية الواقعية الغربية في الرواية العربية. بيروت، دار الفكر اللبناني، 1994؛ فخري صالح (تحرير) : المؤثرات الأجنبية في الشعر العربي المعاصر. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، 1994؛ تسعديت آيت حمودي: أثر الرمزية الغربية في مسرح توفيق الحكيم. بيروت، دار الحداثة، 1986؛ الرشيد بوشعير: أثر برتولد بريخت في مسرح الشرق العربي: دمشق، دار الأهالي، 1996، غسان السيّد: الحرية الوجودية بين الفكر والواقع.‏
_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة أمل
~~~~~~~~~~~~~
~~~~~~~~~~~~~



سجّل في : 05 أغسطس 2007
عدد المساهمات : 8002
الدولة : http://www.mowjeldoha.com/mix-pic/world%20flags/3dflagsdotcom_moroc_2fawm.gif
أوسمة ممنوحة : http://i27.servimg.com/u/f27/11/45/59/03/01-10-10.gif
MySMS : 


My SMS



فقيدة الفرســان
تذكروها بالحسنى
ولا تبخلوا عليها بالدعاء








مُساهمةموضوع: رد: الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة   2008-04-09, 1:01 pm

(27) عز الدين المناصرة: المثاقفة والنقد المقارن. ص38 ومايتبعها.‏

(28) من تلك الحالات محاولة بعض المقارنيين العرب التشكيك في أصالة مسرحية سعد اللّه ونوس "الملك هو الملك" من خلال الإشارة إلى تأثرها بمسرحية "الرجل هو الرجل" لبرتولد بريخت، المسرحي الألماني الشهير. راجع بهذا الخصوص الرشيد بوشعير: أثر بوتولد بريخت في مسرح الشرق العربي، ص34 ومايليها. ومن أحدث تلك المحاولات محاولة التشكيك في أصالة شعر نزار قباني، وذلك بالزعم أنّ قصيدته "مع الجريدة" مسروقة من قصيدة للشاعر الفرنسي جاك بريفير. راجع بهذا الخصوص: جريدة (عكاظ) ، جدة، العدد 10932، 18/يوليو/1996.‏

(29) راجع بهذا الخصوص: آن جفرسون وديفيد روبي: النظرية الأدبية الحديثة‏

ص242- 307.‏

(30) راجع بهذا الشأن: المعجم الفلسفي المختصر، ص369 ومابعدها.‏

(31) المرجع نفسه، ص540 ومايتبعها.‏

(32) حول نظرية الانعكاس راجع: شكري عزيز الماضي: في نظرية الأدب. بيروت دار الحداثة، 1986، ص84 ومايتبعها.‏

(33) حول " مفهوم الأدب العالمي" وتطوره راجع كتابنا: الأدب المقارن- مدخل نظري ودراسات تطبيقية. ص335- 348.‏

(34) حول مفهوم "الأدب العام" راجع: أحمد شوقي رضوان: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن. ص28 ومايليها؛ حسام الخطيب: آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً. ص27 ومايليها.‏

(35) راجع: كارل ماركس: الأدب والفن في الاشتراكية. تر. عبد المنعم الحفني القاهرة: مكتبة مدبولي، 1977.‏

(36) جورج لوكاتش: الرواية كملحمة بورجوازية. ترجمة جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، 1971.‏

(37) نفسه: دراسات في الواقعية. ترجمة نايف بلوز. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1970؛ نفسه: معنى الواقعية المعاصرة. ترجمة أمين العيوطي. القاهرة، دار المعارف، 1971.‏

(38) حول الأدب المقارن في البلدان الاشتراكية سابقاً (الأوروبية الشرقية) راجع:‏

G.Kaiser (Hg): Vergleichende Literaturfiorschung In‏

sozialistischen Laendern. Stuttgart 1980.‏

(39) قام المقارن المغربي الدكتور سعيد علوش بترويج هذه التسمية عربياً في كتابه: مدارس الأدب المقارن- دراسة منهجية. بيروت، المركز الثقافي العربي، 1987.‏

(40) راجع بهذا الشأن: غسان مرتضى: فيكتور جيرمونسكي والنظرية التيبولوجية في الأدب المقارن. الأسبوع الأدبي، دمشق، العدد 527، 7/5/96. ملف (الأدب المقارن)، وراجع أيضاً: فيكتور جيرمونسكي: التيارات الأدبية بوصفها ظاهرة دولية، ترجمة غسان مرتضى. الآداب الأجنبية، دمشق، العدد 83، صيف 1995، ص137- 147.‏

Peter V.Zima: Komparatistik. Tuebingen 1992, S. 42- 47.‏

(41) رينيه ويليك: مفاهيم نقدية، 362- 375.‏

(42) المرجع نفسه، ص372.‏

(43) المرجع نفسه، ص368.‏

(44) راجع: آن جفرسون وديفيد روبي: النظرية الأدبية الحديثة، ص10 ومايليها.‏

(45) راجع بهذا الخصوص: محمد كامل الخطيب (تحرير) : نظرية الشعر- كتب مدرسة الديوان. دمشق، وزارة الثقافة، 1996، ص287 ومايتبعها.‏

(46) راجع بهذا الشأن: رينيه ويليك وأوستن وارن: نظرية الأدب. ترجمة محي الدين صبحي. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، ط2، 1982.‏

(47) راجع: كلود بيشوا وأندريه- ميشيل روسو: الأدب المقارن اليوم وتطوره. ترجمة وتعليق رجاء جبر. الكويت: مكتبة دار العروبة، 1980. راجع أيضاً: بيير برونيل/ كلود بيشوا/ أندريه ميشيل روسو: ماالأدب المقارن؟ ترجمة د.غسان السيد. دمشق، دار علاء الدين، 1996.‏

P. Brumel. Cl. Pichois, A.- M. Rousseau: Qu- est- Ce Que La Literature Comparee?‏

(48) محمد مندور: في الميزان الجديد، ص156 ومايتبعها.‏

(49) ميخائيل نعيمة: الغربال. بيروت، مؤسسة نوفل، ط14، 1988.‏

(50) محمد مندور: في الميزان الجديد. ص9 ومايليها.‏

51- H- G. Gadamer: Wahrheit und Methode. Tuebingen 1960‏

52- P.V. Zima: Literarische Aesthetik. Tuebingen 1991. S. 215- 263.‏

53- H.R. Jauss. Aesthetische Erfahrung und literarische Hermeneutik. Muenchen . 1977.‏

R. Warning: Rezeptionsaesthetik. Stuttgart, 1988, S. 84- 92.‏

(54) راجع بهذا الخصوص كتابنا: هجرة النصوص، ص 232.‏

(55) المرجع نفسه، ص219- 252.‏